بقلم: احمد عمرابي بشعور متزايد من الاثارة أطالع هذه الايام ما ينشر في الصحف البريطانية من تكهنات لبعض الدبلوماسيين والمعلقين الغربيين من ان محكمة (لوكربي) قد تنتهي الى لا شيء. ومما يعضد من هذه الاثارة عندي ان هذه التكهنات تتماثل مع ما سبق ان عبر عنه اساتذة في القانون الدولي امريكيون وبريطانيون ممن كانوا يتابعون القضية في مرحلة التحقيق من شكوك علمية حول مدى قيمة الادلة التي كان الاتهام يعدها لتقديمها الى المحكمة. يمثل امام المحاكمة, التي تبدأ هذه الاسبوع في هولندا كما هو معلوم, ليبيان من كوادر الاستخبارات الليبية هما عبد الباسط المقراحي والامين خليفة بتهمة تفجير طائرة ركاب امريكية فوق اجواء قرية (لوكربي) الاسكتلندية اواخر عام 1988. القضية غير عادية... لا من حيث اثارتها القانونية الدرامية فحسب.. بل اهم من ذلك مغزاها السياسي. فهي قضية تقف وراءها وتتبناها قوة عظمى هي الولايات المتحدة بدوافع سياسية صرفة, بغرض تسجيل ادانة سياسية ضد دولة ـ ليبيا ـ تدمغها واشنطن مقدما بالارهاب. لكن ماذا لو انتهت المحاكمة الى لا شيء كما تقول تكهنات غربية, فحكم القضاة بتبرئة ساحة المتهمين... وبالتالي هزمت امريكا سياساً؟ بالطبع ليس من الممكن اطلاقاً في هذه المرحلة المبكرة لاي خبير قانوني مهما كانت خبرته ان يتنبأ على وجه الدقة بما سوف ينتهي اليه القضاة الاسكتلديون من حكم, لكن سوابق الولايات المتحدة في مجال تلفيق (الادلة) او تبني تدابير عدائية ضد طرف آخر حتى دون ادلة على الاطلاق ماثلة للعيان. هنا تستخدم واشنطن مزيجا بمقادير معينة من انصاف الحقائق والتلفيقات الكاملة او الجزئية مع فن الدعاية السوداء. قبل نحو عامين ظهر الرئيس كلينتون على الشاشة التلفزيونية في بث حي ليعلن الى العالم ان واشنطن دمرت للتو مصنع ادوية في العاصمة السودانية الخرطوم بعد ان توافر لديها (دليل) بأن هذا المصنع ينتج مواد تدخل في تصنيع اسلحة كيماوية. لهذا الغرض انطلق صاروخان (توماهوك) صوب المصنع فسوياه بالارض. وانسحب الرئيس جانبا ليفسح المجال لمساعديه للاطناب في الشرح: وليام كوهين وزير الدفاع وساندي بيرجر مستشار الامن القومي والجنرال شيلدون ممثل البنتاجون. لكن منذ ان طرحت حكومات الاتحاد الاوروبي في ذلك الحين ومعها العالم السؤال البدهي (اين الدليل) لا يزال العالم في انتظار اجابة شافية. الآن تواصل واشنطن مطالبتها لحكومة طالبان الافغانية بتسليم اسامة بن لادن... وتطالب على خط موازٍ حكومة باكستان بالضغط على طالبان. والتهمة الامريكية الموجهة الى هذا الرجل هي انه وراء تدبير تفجير السفارتين الامريكيتين في كينيا وتنزانيا. ولكن طالبان والحكومة الباكستانية لاتزالان تنتظران دون جدوى تسلم دليل مبدئي من الاجهزة الامريكية. وهكذا وقياسا على السوابق الامريكية فان (الادلة) التي جمعتها هيئة الاتهام في قضية لوكربي واعتمدت في جمعها على الاجهزة الاستخبارية الامريكية قد يثبت انها من التهافت في المنظور القانوني ـ لا السياسي ـ انها عاجزة عن الصمود امام الاسئلة النافذة التفصيلية التي سوف تصدر عن هيئة الدفاع والقضاة. وربما على هذا الاساس بنى خبراء قانونيون غربيون شكوكهم إزاء قوة قضية الاتهام بالاضافة طبعا الى متابعتهم لسير التحقيق. محاكمة لوكربي قد تستغرق عاما. لكن (كل آتٍ قريب) كما تقول العرب.