بقلم : د. علي عقلة عرسان أمران مهمان أرى التركيز عليهما بوضوح شديد, وتأكيدهما في العمل السياسي والمتابعة الاعلامية ـ الثقافية, وهما يتعلقان بالانسحاب المقبل للعدو الصهيوني من جنوب لبنان والبقاع الغربي المحتلين منذ عام 1978. الاول: ان العدو الصهيوني ينسحب مهزوما تحت وقع الخسائر البشرية والمعنوية التي الحقتها به المقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان, بعد عجزه التام عن هزيمتها وتشويه أدائها المشروع, واخفاق خططه وخطط حليفه الامريكي في فصل المسارين السوري واللبناني احدهما عن الآخر في عملية التفاوض. وان هذا الانسحاب لا يأتي تنفيذا للقرارين 425 و426 اللذين رفضهما العدو وتنكر لهما منذ صدورهما عام 1978, ولا يمكن النظر الى تذرعه بالانصياع لهما وللارادة الدولية التي رفض كل قراراتها السابقة وما زال يرفض تلك القرارات ويحتال عليها لا سيما القراران 242 و338 إلا بوصفه غطاء للهزيمة من جهة واعدادا لمناخ دولي يمهد لحملات عدوانية صهيونية جديدة من جهة اخرى. ثانيا: ان الانسحاب الذي طالما طالب به اللبنانيون والسوريون خاصة والعرب عامة وتخوض المقاومة قتالا مرا في سبيله, ويدفع الجنوب يوميا ثمنا للعدوان الذي حاول ان يكرسه ويكرس سلطة عملائه اللحديين فيه, يقدم من قبل المؤسسة الصهيونية البارعة في تزوير التاريخ والحقائق والوقائع, في صيغة تهديد بإتمامه, مع اعداد واستعداد تامين لتوجيه ضربات عسكرية ذات قوة تدميرية واسعة قد تصل العمقين السوري واللبناني, تحت غطاء الرد على تهديد حزب الله وفي اطار ملاحقة الارهاب ومن يرعاه ويدعمه؟! وهي ترمي الى: 1) اظهار هزيمتها انتصارا, وانسحابها والذيل بين الرجلين, على انه انجاز يخيف السوريين واللبنانيين, ويزكيها في (المجتمع الدولي) بوصفها تنفذ قرارات مجلس الامن, وتريد ترك المحتلين ولكنهم يتشبثون بها. 2) تغطية البلبلة الداخلية والانهيارات المعنوية بإلباسها للآخرين وتحريك عملائها لجعل لبنان وسوريا يبدوان وكأنهما في حالة ارتباك وبلبلة جراء الانسحاب الذي هو نصر لهما سجلته المقاومة التي يدعمانها بالدم والصبر والتضحيات الجسام. 3) الضغط على كل من سوريا ولبنان للدخول في مفاوضات بشرط العدو, وجعل سوريا تقبل بالتنازل عن اجزاء من الارض حول طبرية وعن حقوق في المياه, وتحويل الانسحاب غير المشروط الى شروط وتنازلات تقدم من اجل الانسحاب. ان العدو لا تنقصه القدرة ولا الامكانية ولا الحلفاء الذين يساعدونه على ان يظهر بالمظهر الذي يخطط للظهور به, ويكاد ينجح في تقديم نفسه (مسالما) يمسكه (المعتدون) من ثيابه ليتعاركوا معه, بينما يستنجد هو بالعالم لكي يتركه هؤلاء يعيش (داخل حدوده بسلام) ويلجأ للأمم المتحدة ولقواتها لتغطي انسحابه بقواتها وفي اطار شرعيتها) ؟! ولكن من تنقصه المهارة في الرد على خداع العدو وتلفيقه هو نحن الذين يستهدفنا العدوان كما يستهدفنا (الجوق الدولي) الذي تقوده الادارة الامريكية ليحملنا مسئولية ممارسات العدو, ومسئولية عدم (التنازل عن حقنا) لكي نكون من محبي السلام والعاملين له, والمؤهلين لحمل رسالته؟! من المفيد ان نتذكر انه في لقاء للرئيس حافظ الاسد وحسني مبارك, تركز حول موضوع الانسحاب الذي كان يطالب باتفاق وشروط ليقوم به, وكان وقتها يئن تحت الضربات ويكتم ألمه ويبحث عن مخرج, في ذلك اللقاء قال الرئيسان ما معناه: (لتخرج اسرائيل من جنوب لبنان من دون استئذان كما دخلته من دون استئذان) . وفي هذا القول خلاصة لواقع المطالب العربية في جنوب لبنان منذ تم الاجتياح الصهيوني للبنان.. ولكن العدو الذي وصل الى بيروت ولم يكن يفكر بالعودة عنها اضطر هو وعملاؤه الى التراجع عن مشروعتهم, تحت وقع الخسائر البشرية بالدرجة الاولى, ولملم نفسه شيئا فشيئا الى ان وصل اليوم الى الاقتناع بالانسحاب التام من لبنان حتى الحدود الدولية 1923 من دون ان يجلس معه لبناني واحد ليتفاوض معه, ومن دون شرط واحد يفرضه على لبنان.. ولذلك يلجأ للتهديد والوعيد ولتغطية خذلاته بأشكال مختلفة. وقد استنفر عملاءه وحلفاءه معا, لا سيما في الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان ومناطق من الوطن العربي والعالم لكي يخلق لسوريا وللحكم في لبنان مشكلة تضطرهما للتفاوض معه بشروطه. وملخص ورقته البائسة: اظهار سوريا بمظهر المحتل في لبنان, والطلب اليها الانسحاب منه, كما ينسحب هو وإلا فهي تريد ان تفرض هيمنتها على لبنان حسب قول آلان ريشار, او ان لبنان اهم لديها من الجولان؟! ان البؤس بكثافته لا يكمن فقط في الموقف الاسرائىلي ـ الامريكي الذي روج ويروج هذه الورقة ويستخدم عملاءه لوضع هذا الامر على نار حامية, ولكنه يكمن ايضا في وجهات سياسية واعلامية عربية تروج لهذا وتردده ببغائية مسمومة محمومة خدمة للعدو وهي بذلك تنال من الحقيقة والقضية العادلة قبل ان تنال من سوريا ولبنان والمقاومة التي يتقدمها حزب الله. لقد اعلنت سوريا ان (الانسحاب من دون اتفاق) يوسس لتوتر وينطوي على مخاطر ولمن يكن ذلك تعلقا بالاحتلال ولا هرولة باتجاه الاتفاق وتهالكا عليه, وانما هو تشخيص لواقع تتموضع عناصره ومعطياته في الواقع السياسي وعلى الارض المحتلة تلك التي تواجه الاحتلال. وهو عمليا نوع من الاعلان عن عدم الانصياع للشروط والضغوط الاسرائيلية ـ الامريكية التي تطلب تنازلا يمس الكرامة والسيادة لتستأنف مفاوضات تفضي الى اتفاق يسهل على العدو الانسحاب الذي يبدو محتما بوصفه نتيجة للمقاومة وما تركته من تفاعلات في الداخل (الاسرائيلي) .. وهو بهذا المعنى رفض واعلان لاستمرار الرفض السوري ـ اللبناني لأي ضغط ولأي تنازل ولاية شروط لتنفيذ القرارات (242 ـ 338 ـ 425 ـ 426) فمن اين يجيء معنى التمسك بالاحتلال ونحن نقاتل من اجل ازالته.. اللهم الا اذا كان قرار العدو بأيدينا, ونحن نريد ان نبقيه في مواقع نستنزفه فيها.. وهذا لو تحقق يكون نتيجة قصور مطلق في الفهم والوعي لدى المحتل الصهيوني وقدرة طيبة لدينا نحن الذين نتمسك بحقوق ابعد من الانسحاب من جنوب لبنان والبقاع الغربي والجولان, فهل العدو قاصر وقراره بأيدينا ام انه في الحقيقة ماكر وصاحب مشروع توسعي وتاريخ من المخاتلة والغدر والاجرام يشوه صورة التاريخ!! انا ارجح الشق الاخير من السؤال ولذلك ارجح انه في الوقت الذي يهدد فيه بالانسحاب من دون اتفاق يسعى بكل الوسائل الى اتفاق مع طمع شايلوك التاريخي ليفوز ولو بنحاسة يكسبها من غريمه ويعمل في ظل الانسحاب الذي اجبر عليه ليقوم بعدوان يعوضه عن الخسارة والهزيمة اللتين لحقتا به, ويجمل الوجه البشع الذي له كلما انكشف امام الداخل والخارج. وبناء على هذا لا استبعد مطلقا ان يصبح الباب الموارب, او شق الباب الباقي في المفاوضات السورية ـ الاسرائلية بابا مفتوحا على مصراعيه قريبا, بعد ان تيقن من: 1) ان سوريا لن تتنازل عن شبر من الجولان, وعن مبدأ الانسحاب التام حتى حدود الرابع من يونيو وبسط السيادة على كامل الاراضي المحتلة قبل هذا التاريخ, بما في ذلك الشاطىء الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية. 2) وأن المسارين السوري واللبناني لا يمكن فصل احدهما عن الآخر. 3) وأن المقاومة في لبنان مستمرة, ولن تجرد من سلاحها, وان الرابط العضوي بين الجولان وجنوب لبنان قائم سلما وحربا. 4) وانه مضطر لانسحاب حتمي من جنوب لبنان, وهو انسحاب لا يجنبه الخسائر, ولا يجنب مستعمراته التهديد, ويدخل وضعه الداخلي في متاهة فعلية جراء انكفاء المستعمرين الى الداخل ومطالبتهم بأمن لا تحققه لهم القوة العسكرية. وهناك مؤشرات فعلية لمثل هذا المعطى (التفاوضي المقبل) قد يعجل في زيارة اولبرايت الى المنطقة بتحريض ذاتي او اوروبي او صهيوني.. لا فرق.. حاملة مشروعا جديدا يتضمن ردا على آخر المقترحات السورية التي ارسلت ولم تلق ردا امريكيا ـ اسرائيليا بعد. والمشروع يتركز بالدرجة الاولى على حل المشكلة الاخيرة في قضية الانسحاب حتى حدود الرابع من يونيو 1967 ورسم الحدود في ضوء ذلك وهي مشكلة بحيرة طبرية, والمطروح فيما يبدو: سيادة سورية على الشاطىء الشمالي الشرقي وعدم استفادة من مياه البحيرة (الفقيرة بالسمك) الآن!! مع وعود بمشاريع, وبإسالة مياه من تركيا لسوريا تكون مفيدة لها, كما يقال, اكثر من مياه البحيرة التي تكلف الاستفادة منها مبالغ طائلة؟! وهذا, كما يرى حاملو هذا الحل, يلبي مطالب سوريا بالانسحاب والسيادة ويلبي مطالب (اسرائيل) في الحصول على مياه البحيرة كاملة وضمان تدفق المياه من نهر بانياس والروافد الباقية لنهر الاردن والبحيرة واذا ما تم اتفاق على ذلك خلال الفترة القريبة المقبلة خلال شهر مايو تقريبا, واسؤنفت المفاوضات فإن الانسحاب من جنوب لبنان يتم باتفاق, وتصل الجهات المعنية الى ما تراه بر الامان. وهناك (حرتقات) مسجلة في الملف يمكن طرحها على سوريا لجعلها تقتنع بالحل الذي يقدم لموضوع طبرية, ومنها أن يطرح على سوريا موضوع وحدة حوض المياه في الجولان وما جاورها بوصفه حوضا واحدا تشترك فيه (دول المنطقة) وتأخذ كل دولة نصيبها بموجب القوانين الدولية, وفي هذه الحالة فإن (اسرائيل) ستحصل على مياه طبرية كلها بموجب هذا التقاسم, وهو فخ لابد من الحذر الكبير منه في اثناء التعامل معه. ان طرح موضوع وحدة الحوض المائي للجولان وما جاوره يدخل نهري الحاصباني والدان ومنابع مياه لبنانية اخرى في الحوض وكذلك بحيرة المزيريب ونهر اليرموك ومياه الحمة الى جانب طبرية ومجرى الاردن ونهر بانياس ويجعل الكيان الصهيوني بشكل غير مباشر شريكا مستقبليا في عصب الحياة في المنطقة اعني الماء.. على امتداد في كل من سوريا ولبنان.. ويرشحه لممارسة اي عمل من شأنه ان يحافظ على مصالحه الحيوية ومنها الماء, في المستقبل بما في ذلك حفر الآبار الارتوازية داخل الحوض المشار اليه.. والسدود ونوعية الاستثمار للمياه. وفي هذا ما فيه من مخاطر تطال السيادة السورية واللبنانية على المياه, وتطال المياه واستثماراتها وتجبّ الحق الاصلي الذي نعلن تمسكنا به دائما وهو حق الشعب العربي الفلسطيني في العودة الى وطنه وما ترتبه تلك العودة من حقوق في الارض والمياه وممارسة للسيادة!؟ ان التهديد او الاغراء الامريكي يأخذ بالاعتبار مياه الفرات والجانب التركي.. وعلى الرغم من ان الرئيس سليمان ديميريل الذي ودع الحلم في تركيا رفض المساومة على مياه تركيا في هذه هذه الصفقة الا ان المؤكد هو ان النفوذ الامريكي الصهيوني على تركيا في هذا المجال قائم وان هذه الصفقة تدرس ويخطط لها منذ بدأ موضوع الضغط التركي على كل من سوريا والعراق في موضوع تقاسم مياه دجلة والفرات. ان استئناف التفاوض قد يجيء. والانسحاب باتفاق قد يحمل في تياره, ولكن المقبل فعلا هو انسحاب, والقائم فعلا هو انسحاب (اسرائيلي) من جنوب لبنان والبقاع الغربي تحت وطأة الهزيمة بغطاء القرارين 425 و426 فهل ننجح في جلاء الامر وتسجيل حقائقه في الاحوال كلها, اي ابراز حقيقة ان العدو ينسحب مهزوما وليس تنفيذا لقرارات الشرعية الدولية التي لم يحترمها مطلقا وان العدو يجهز نفسه وظروفه والاوضاع السياسية لعدوان يعوضه بعض ماء وجهه في هذه الهزيمة, وان المقاومة في جنوب لبنان جعلت العدو يدقق في الخرائط وحده مع الامم المتحدة لينسحب من كل ارض لبنان, حتى يبطل حجج حزب الله في مقاومته مستقبلا؟! وهل ننجح اولا واخيرا في وضع الامة امام حقيقة ان المقاومة هي مفتاح الحل للصراع العربي ـ الصهيوني, وليس المفاوضات وان التحرير يحتاج الى القوة التي اهملنا اهميتها باختيارات تبدو بعيدة عنها؟! وهذ ننجح في اعلاء الصوت, في كل الاحوال والظروف انه في حال انسحاب العدو من جنوب لبنان والبقاع الغربي حتى حدود 1923 والجولان كله حتى حدود الرابع من يونيو 1967وحصلنا على المشاطأة وحقوقها في بحيرة طبرية بعيدا عن حسابات الحوض المائي للجولان وما جاوره. ولا ينتهي الصراع.. بل تبقى القضية الاساس قضية فلسطين والقدس والشعب الفلسطيني المقتلع من وطنه ويبقى المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري الذي يتهددنا بأشكال مختلفة.. ومن ثم يبقى الصراع العربي ـ الصهيوني صراع وجود ولا يمكن ان يحسم الا بوصفه كذلك وان حسمه مسئولية قومية ومسئولية اجيال عربية.. ومن ثم فالعدو الصهيوني يبقى عدوا دخيلا على المنطقة مطلوب اجتثاثه منها لتكون هناك كرامة وحرية وسيادة ومستقبل ليس للفلسطينيين وابناء بلاد الشام وانما للعرب كلهم الذين يهددهم السلاح النووي (الاسرائيلي) كما تهددهم مشاريع الشرق اوسطية واشكال النفوذ والتبعية والاختراقات الثقافية؟! ان تلك مسئوليتنا جميعا.. تلك التي يغذيها الامل الحقيقي بأن المستقبل لنا والنصر لنا.