بقلم: الدكتور سليمان ابراهيم العسكري تعلمت من ردود القراء والكتاب والمتخصصين ان القضايا الحيوية يجب ألا نمر عليها مرور الكرام, بل علينا أن نناقشها بكل ابعادها لعل هذا الحوار المتبادل ينير شمعة في ظلمة هذا التخلف الذي نتخبط فيه * لم أكن ادري حين نشرت افتتاحية العربي في سبتمبر من عام 1999 تحت عنوان (التعليم والثقافة.. العلاقة الغائبة) انني انكىء بذلك جرحا تربويا طال اغلاقه والسكوت عليه. ففور كتابة المقال وحتى الآن اي بعد مرور حوالي ثمانية اشهر ما زالت الردود والتعليقات تتوالى على المجلة. ورغم اننا نشرنا جزءا من هذه التعليقات في عددين من اعداد المجلة فإن ما بقي من ردود وما فيها من افكار مهمة كان كثيرا وقد حتم هذا علي اعادة فتح هذا الملف مرة اخرى, لسبب اولي ان الافكار المهمة والحيوية في حياتنا يجب الا نمر عليها مرور الكرام ولكن يجب تأكيدها والتذكير بها. والسبب الثاني: ان العديد من الردود قد مثلت اضافة حقيقية للصلب الاصلي الفكري, وقد شارك فيها قطاع واسع من مختلف بلادنا العربية مما يدل على انها قضية تعاني منها جل هذه الدول. كما تنوعت تخصصات المشاركين مما يعني تحقيق مقولة ان القضية التربوية اخطر من اننا نتركها للتربويين وحدهم يقولون فيها رأيهم الفاصل. ولقد اكدت في المقال السابق ان العملية التعليمية في العالم العربي قد اصبحت تنحو نحو تهميش المحتوى الثقافي, وبالتالي اقصاء القيم الانسانية العامة وكانت نتيجة ذلك حصيلة مروعة لمخرجات العملية التعليمية نتج لنا خريجون يبعدون بعدا كاملا عن الفهم الواعي لمجريات الحياة والمجتمع, وقد تسبب ذلك في افشال كل منجزات مشروعات التنمية وطرائق تخطيطها وادارتها, لأن الذين يقومون عليها يعانون من التخلف الثقافي والاجتماعي. باختصار لقد ساهمنا في انتاج التخلف بدلا من محاولة القضاء عليه وليس هناك من قرين لفشل العملية التعليمية, قدر انتشار التخلف بهذه الصورة التي نراها من حولنا. تجربة الشيخ المعمم ويحضرني هنا مثال من مصر ـ الشقيقة والشريكة الكبرى في ميراثنا العربي بكل ما فيه من تقدم وتخلف ـ فعندما سقطت فريسة للاحتلال البريطاني في يوليو من عام 1882 تم نفي كل زعماء الثورة العرابية الى اقصى اطراف الارض, وكان بينهم شيخ معمم ظل هاربا لعدة اعوام ومنفيا لاعوام اخرى هو الشيخ محمد عبده. وعندما عاد الشيخ محمد عبده ليتسلم عمله كشيخ للجامع الازهر ادرك ان الهزيمة لم تكن في التل الكبير ولا بسبب الاسلحة الانجليزية الحديثة او بسبب تخاذل عرابي وقادته, ولكن تكمن في النظام التعليمي داخل الازهر. فقد تجمدت تلك المؤسة الدينية العظيمة التي قاومت سطوة المماليك واشتعلت منها شرارة الثورة ضد الحملة الفرنسية, واصبحت مؤسسة متحجرة غارقة في اجترار علوم الفقه بمعناها التقليدي عاجزة عن فك شرنقة الاتباع والخروج الى فضاء الاجتهاد وادرك ان التحرر يبدأ من اصلاح الازهر وتحويله الى مؤسسة عصرية وتحويل الكتاتيب الى مدارس والعرافين الى مدرسين عصريين باختصار ادرك الامام الكبير ان مكمن التخلف هو في العملية التعليمية, وان الهزيمة هي حصيلة هذا التخلف وقد بدأ على اثر ذلك بعملية اصلاحية واسعة المدى, شهدت انتكاسات على يد دنلوب الانجليزي الذي كان يعمل لحساب احتلال هدفه تكريس هذا التخلف. دورة التخلف ومن المؤسف ان التاريخ لا يعيد نفسه الا في بلادنا فهو في كل الدنيا نهر متدفق وعندنا بحيرة راكدة متداخلة الدائرة وها نحن نعاود اكتشاف ان السبب في فشل كل خطط التنمية الوطنية هو ايضا تخلف العملية التعليمية والسبب في فشل العملية التعليمية رغم توافر الكوادر والابنية والنية الطيبة هو قصور مناهجها واعتمادها على التلقين وبعدها عن المضمون الفكري والثقافي, ولعل الكاتب الاردني موسى الصبيحي يثري هذا الحوار باضافة البعد الفردي في النظر للعملية التعليمية حين يلاحظ ان معضلة التعليم في عالمنا العربي مرتبطة بالمكانتين الاقتصادية والاجتماعية اللتين يتطلع اليهما الافراد والمجتمعات فهم ينظرون الى التعليم عن انه سبيل لتحقيق المكانة الاجتماعية المرموقة والوضع الاقتصادي المريح وليس على انه طريق للتقدم المجتمعي بصورة عامة ورفع مكانة المجتمع والامة بين غيرها من الامم والمجتمعات من خلال الابداع المطلوب. ويلح خالد البقالي القاسمي ـ وهو تربوي من المغرب ـ على اهمية دور المدرسة في تدعيم فعل القراءة عند الطالب باعتباره متغيرا دائما ومستمرا يتخلل العملية التعليمية بحيث تكون القراءة فعلا يدعو الى التطور وبدلا من التلقي السلبي لأي نص من النصوص تكون القراءة تفاعلية بحيث يشارك الطالب في انتاج النص وبنائه من جديد حسب تصوراته ومكتسباته السابقة. وذلك لعمري واحد من اكبر الطموحات التي نهدف اليها لأننا اذا انتجنا قارئا فاعلا صار لدينا مواطن فاعل له القدرة على المشاركة الايجابية في قضايا المجتمع الذي يحيط به وابتكار الوسائل المناسبة لمواجهة معضلاته. اما الكاتب والمترجم السوري ياسر الفهد فيتحدث عن الابعاد النفسية للعملية التربوية حين يرى ضرورة ان تتحول المدرسة العربية من النطاق الكمي الى النطاق النوعي او بالاحرى تنتقل من الجمود المعلوماتي الاكاديمي الى مرحلة تنشئة الطالب تنشئة نفسية سليمة وتعليمه قيم المسئولية والنزاهة والاستقامة والتعاون والصدق. والاهم من ذلك ان تعلمه القيم العصرية التي نعيش في ظلها مثل قيم الديمقراطية والبعد عن التعصب الفكري واحترام الرأي المضاد وتبني منطق الحوار. اي تتحول المدرسة من تلقين المعارف الى واحة حضارية لمقاومة وتعديل السلوك البشري بكل ما فيه من مساوىء. وفي امتداد واضافة لما سبق ينظر الدكتور سمير عميش من الاردن الى البعد السلوكي او التنشئة السلوكية التي يرى انها اكثر خطورة وتأثيرا من التنشئة التعليمية والثقافية فعلى المدرسة ان تضع برامج خاصة للتعامل مع الاذكياء والقدرات النادرة في الاجيال الصغيرة لرعايتها وحماية نشأتها من الشذوذ والهرب الى ما لا يحبون ويكرهون على اللجوء اليه. وينحو الاستاذ عبداللطيف السعيد من سوريا الى ما يمكن ان نطلق عليه (العملية التعليمية المقارنة) حين يستعرض المناهج الحديثة في الدول التي قطعت شوطا طويلا في هذا المجال. ففي الولايات المتحدة تحرص المدرسة على توفير مختلف نواحي النشاط للطفل وتقديم انواع الخبرات المختلفة اليه قبل ان تقدم له المعلومات. وتساعد هذه العملية على اكتشاف ميول الطفل في وقت مبكر. وتظهر مدى استعداده نحو نوع معين من الدراسة ومن ثم تقدم له المادة الدراسية بحيث تكون مشكلات المجتمع محور هذه الدراسة. وتدور الحصة الدراسية عادة حول واحدة من هذه المشكلات التي يطرحها المعلم ويمكن ان يترك للطلاب حرية اختيار المشكلة التي يشعرون بحاجتهم الى بحثها مستعينين في ذلك بعدد من المواد المتشابهة كالفيزياء والعلوم والرياضيات. وتحرص المملكة المتحدة على تنمية حواس تلاميذلها وتوسيع مداركهم ببناء المدارس الواسعة المحاطة بالحدائق, كما تحرص على ان تجعلها متماثلة مع العالم الواقعي اما المدرسة الفرنسية فتحرص على تحقيق اتصال الطالب بالعلوم والتطور المتسارع للمعرفة عن طريق تشجيع روح البحث والاكتشاف باختصار فإن كل مناهج الدول المتقدمة تشجع على العمل الجماعي وتدفع طلبتها للتعاون عن طريق اشتراكهم في مشروعات مشتركة تراعي قدرات كل منهم واستعداداته. أصداء فلسطينية ويرى معهد كنعان التربوي الانمائي في المقالة بعدا آخر يسير في الخط الذي اختطه لنفسه. والمعهد هو تجمع فلسطيني للتربية من اجل التنمية اقيم في مدينة غزة ويؤكد شعاره وهدفه تعزيز حالة من النقاش والحوار الهادىء والموضوعي لقضايا اجتماعية وثقافية وتربوية تهم المجتمع الفلسطيني خاصة والعربي عامة. وقد خصص المعهد احدى ندواته لمناقشة مسألة العلاقة بين التربية والثقافة, وصور المقال الذي نشر في العربي وأرسله الى اكثر من 80 شخصا من اكاديميين ومهنيين في حقل التربية وقد تم الحوار بالفعل واداره الدكتور وائل القاضي مدير عام التخطيط بوزارة التعليم العالي بالسلطة الفلسطينية. وقد حاول المنتدى من خلال الحوار ان يجيب عن اسباب افتقاد تلك العلاقة الحيوية بين الثقافة والتربية, فالثقافة هي مصدر التغيير والابداع والحرية. والعملية التربوية هي المنطلق لتحقيق عملية التغيير وبناء المجتمع وصياغة الانسان اي ان كلا منهما يكمل الآخر بالضرورة فلماذا هذه المفارقة؟ ويشير الدكتور القاضي الى ظاهرة غريبة تعيشها الجامعات الفلسطينية وهي انها جميعا تغلق ابوابها بعد انتهاء الدوام الرسمي في ساعات العصر, في حين ان جميع جامعات العالم تفتح ابوابها حتى ساعات متأخرة من الليل وتكون كخلية النحل منبرا للعلم والثقافة والحوار الفكري والبحث العلمي واجدني اوافق الدكتور القاضي على استهجانه لهذه الظاهرة واضيف اليها انها ظاهرة لا تخص الجامعات الفلسطينية وحدها, مع الاسف ولكنها تشمل الجامعات العربية كلها وحتى التي لا تغلق ابوابها بعد فترات الدوام فإنها تتحول الى ساحات خالية بعد الظهر لا تشهد الا نوعا من النشاط الهامشي والمهني الهش, وعدم الاهتمام بالثقافة هو الذي حرم الجامعة من تلك الحيوية التي كان يجب ان تتمتع بها, وحولها الى نصف جامعة تدور في الاطر الرسمية, وتعاني من خوف مزمن من كل تفكير خلاق, فحتى السلطات الرسمية لا تريد من الجامعة ان تقوم بهذا الدور وهي ترسم لها الحدود القاسية حتى لا تتجاوز دورها التلقيني. وقد اشار المنتدى الى بعد جديد يضاف الى ما سبق من ابعاد في العملية التربوية وهو عن علاقتها بالمقاومة وفعل التحرر وهو وضع خاص بالثقافة الفلسطينية التي هي بالضرورة ثقافة تحررية, ولم يكن بمقدور المعلم الفلسطيني تبرير العملية التربوية الا بفرض الثقافة ولكن ما شكل العلاقة بين التعليم والثقافة كما ينبغي ان تكون؟ فهناك أكثر من نوع من الثقافة كما ينبغي ان تكون؟ فهناك اكثر من نوع من الثقافة فهناك ثقافة السلام وثقافة مقاومة الاحتلال فكيف يمكن استبدال الثقافتين, كيف نقضي على ثقافة عاشت كل اجيالنا القديمة في ظلها من اجل ثقافة تبشر بسلام زائف لم يتم التفاهم حوله حتى الآن؟ اللغة العربية المحاصرة وبطبيعة الحال, لا يسعني في هذا الحيز الضيق ان استعرض كل الردود التي وصلت الى المجلة وهي كثيرة وقد استعرضت تلك التي حملت نوعا من الافكار الاضافية التي تحتوي على محاور جديدة لم يتطرق اليها المقال الاصلي, كما وصلت الى المجلة العديد من رسائل ممارسي المهنة اعني مهنة التربية والتعليم الذي افنوا سنوات طويلة فيها والذين يرون على الواقع حصيلة ما نتحدث عنه بشكل نظري. ولعلني في الختام اضيف بعدا آخر على جانب كبير من الاهملية لم اتطرق اليه في المقال السابق, وهو البعد اللغوي واعني به تأثير الفصل بين التعليم والثقافة في لغتنا العربية, وهي اعز ما نملك على المستوى الثقافي, فقد تسبب هذا الفصل في تخلف اللغة العربية وعدم قدرتها على اللحاق بذلك التطور المثير الذي حدث من جراء التراكم المعرفي نتيجة لثورة المعلومات فقد وجدت اللغة العربية نفسها غريبة في مناهج لم تتعود ان تتفاعل معها ذلك التفاعل الحي الخلاق الذي تتيحه الارضية الثقافية, وكانت النتيجة هي تراجع اللغة العربية عن اللحاق بالتطور الذي حدث في مصطلحات العديد من العلوم الجديدة واصبحت هناك علوم مثل الكمبيوتر ـ ناهيك عن الطب والهندسة ـ من المستحيل تقريبا تدريسها باللغة العربية. واللغة ليست ترفا فهي الوعاء الرمزي الذي يحفظ فكر الامة وحضارتها وهي مهددة اذا استمرت الامور على ما هي عليه من عدم استخدامها لتدريس العلوم الحديثة, ان تنقرض احدى الوظائف الاساسية لها وسوف يكون على أي باحث علمي عربي ان يكتب بغير لغته وسوف يصبح من المتعذر تقريبا نقل العلوم والمعارف الى اللغة العربية وبالتالي دخولنا في تيار التحديث والمشاركة الفعالة في تطور الحضارة العالمي. ولأن للغة وظيفة اجتماعية اساسية يقوم من خلالها افراد اي مجتمع بالتواصل مع بعضهم البعض فسوف يكون من المتعذر ايضا ان تقوم الجامعات ومراكز البحث العلمي بنقل حصيلة ابحاثها الى المجتمع الذي يحيط بها وهي الظاهرة التي اطلقت عليها الباحثة السورية الدكتورة تغريد نصر ظاهرة (المختص الابكم) وهي تعني بها ذلك النوع من الاكاديميين العاجزين عن بناء جسور معرفية بينهم وبين عامة الناس, وهي ظاهرة تنفرد بها بلادنا العربية, وسوف يساعد عدم تفاعل المجتمع مع علمائه على تدهور المسيرة العلمية وعدم وجود رأي ايجابي يرى ضرورة وجودها. اللغة والهوية وافتقاد اللغة يعني افتقاد الهوية, فاكتساب الفرد لثروته اللغوية يعني انتماءه للمخزون الثقافي للامة التي يعيش فيها ويعني وجود وسيلة للاتصال والتفاهم والتعايش مع الناس الذين يحيطون به, ولعلنا نلاحظ ان احدى ظواهر الاستعمار التقليدي واخطرها كانت محاولة المستعمر فرض لغته اولا, وما زال العديد من دولنا العربية يعاني من تلك الازدواجية اللغوية وذلك الصراع بين اللغة الاصلية وتلك اللغة التي تركها المستعمر خلفه, وهو امر يعتبره البعض تباهيا (غنيمة حرب) كما يعبر عن ذلك في بعض بلدان المغرب العربي, ولكنه في الحقيقة يسبب ازدواجا في الانتماء ويضعف الجهود من اجل انهاء التخلف والتبعية. ومن الغريب ان مدارسنا الحديثة ـ بحجة متابعة الحضارة الغربية ـ قد اصبحت تفتح المجال لنوع من مدارس الازدواجية اللغوية التي تطلق على نفسها في فخر المدارس ثنائية اللغة معتقدة انها تستطيع الموازنة بين اللغتين العربية والانجليزية بينما هي في الحقيقة تكرس اللغة العربية لدراسة التاريخ والتربية الوطنية والدين وتترك تدريس كل صنوف العلوم الاخرى للغة الاجنبية وكأنها تساهم بذلك في تهميش اللغة العربية وابعادها عن مجال التعامل مع العلوم الحديثة وتزرع في عقول النشء من طلابنا انها لغة لا تصلح لتدريس العلوم. ان افتقاد اللغة هو وجه آخر من افتقاد البعد الثقافي في العملية التربوية وهو يضيف الى ما نواجهه من صعوبات عبئا كبيرا. فتطور الثقافة مرهون بتطور مفرداتها اللغوية وتطور هذه المفردات مكانه الطبيعي في قاعات البحث والدرس والتحصيل وليس في اجهزة الاعلام التي تركنا لها المجال فهبطت باللغة الى تلك الدرجة الثالثة, واعني بها تلك العامية التي تتظاهر بأنها فصحى وهي في الحقيقة لغة غريبة التراكيب والمفردات لا تنتمي للغتنا العربية. انني ارجو ان يفتح وضع لغتنا العربية حوارا بين مفكرينا وكتابنا لانقاذ ذلك الوعاء الثمين الذي فيه حصيلة افكارهم والذي سوف يحدد تطوره مكانتهم في هذا العالم ان كانوا سوف يبقون فعالين فيه ام خارج اطار دائرته. * رئيس تحرير مجلة العربي العدد 497 ـ ابريل 2000م