بقلم: عمران سلمان رحب لبنان على لسان رئيس حكومته سليم الحص اخيرا بقرار اسرائيل الانسحاب من الجنوب المحتل بحلول شهر يوليو, ووافق على نشر قوات سلام دولية في المناطق التي ستنسحب منها اسرائيل, منهيا بذلك جدلا وسوء فهم سادا خلال الفترة الماضية بين اللبنانيين من جهة وبين العرب ايضاً. ثمة اتفاق عام في المنطقة وخارجها, على ان مصلحة لبنان تكمن في حدوث مثل هذا الانسحاب وبصورة خالية من التعقيدات, وهو المطلب الذي ينادي به اللبنانيون طوال اثنين وعشرين عاما, وظلت اسرائيل طوال الفترة نفسها تمتنع عن تنفيد القرار الدولي 425 القاضي بالانسحاب من جنوب لبنان حتى الحدود الدولية المرسمة عام 1923. وقد دفع لبنان وشعبه الكثير من التضحيات وعانوا كما هائلا من الآلام, لتحرير وطنهم واجلاء القوات الاسرائيلية عنه. بالطبع لا احد يستطيع القول بان قرار اسرائيل هو صحوة ضمير متأخرة او حساسية مستجدة تجاه القانون الدولي وضرورة احترامه, والذي يقضي بعدم جواز احتلال اراض الدول الاخرى بالقوة, فاسرائيل ما انفكت تتجاهل هذا القانون او تتعامل معه بانتقائية شديدة, على نحو ما يدل تعاملها مع القضية الفلسطينية. اسرائيل تنسحب اليوم لاحساسها بالتورط في لبنان وعدم قدرتها على ادامة احتلالها, عدا الخسائر البشرية والمعنوية التي تكبدتها او ستكبدها في حال لم يغادر جيشها الاراضي اللبنانية. غير ان ذلك لا ينفي ايضاً ان تلغيم الانسحاب الاسرائيلي او وضع اية عراقيل في طريقه من قبيل ربطه بمشكلة الوجود الفلسطيني في لبنان او مشكلة الجولان السوري المحتل, من شأنه ان يعقد الوضع وربما قاد الى عكس النتائج المرجوة منه. وبودنا القول ان التكتيك الذي بدأه لبنان منذ اعلان رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك نيته سحب جيشه, يعتبر من الناحية النظرية صحيحاً, فالاحتلال الاسرائيلي للجنوب هو احد تفريعات النزاع العربي الاسرائيلي, وكذلك الحال ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين وعلى قضية الجولان. ومن ثم فان ايجاد الظروف الملائمة لربط هذه القضايا بعضها ببعض وفي اطار حزمة واحدة, سوف يكفل حلولاً اكثر جدية وديمومة للمشاكل الراهنة. نقول بان التكتيك اللبناني صحيح نظريا, اما من الناحية العملية فهو سيصبح كذلك ايضا لو كان لبنان نفسه قادراً او مؤهلا للمضي فيه حتى النهاية, ولو كان ثمة استعداد عربي للمساهمة في تأمين الحماية والدعم عند الضرورة. بيد ان جميع الشواهد تدل على ان بيروت غير قادرة, وغير مسموح لها باستثمار الانسحاب الاسرئيلي او تجييره اية وجهة اخرى, واقصى ما يسمح لها هو استرجاع اراضيها التي احتلتها اسرائيل منذ عام 1978, وهو ما ينص عليه تحديدا القرار الدولي 425. لقد كان لافتا على سبيل المثال التغير الذي طرأ على المواقف الفرنسية من هذه القضية, فباريس التي التزمت طوال الوقت موقفا ايجابيا من قضية لبنان وتلازم مسارها مع سوريا بدت تبدي شيئا من الامتعاض حيال عدم وضوح الموقف اللبناني من اعلان اسرائيل الانسحاب من الجنوب. ثم زاد هذا الامتعاض بعد تردد الحديث عن ربط هذه القضية بالمسائل الاخرى المتعلقة بالنزاع العربي الاسرائيلي, وبصورة جعلت الدوائر الفرنسية تتساءل علنا عن حقيقة ما يريده لبنان في نهاية المطاف, وهل ينبغي على باريس ان تواصل مساعيها ومواقفها المؤيدة له, ام تقف عند هذا الحد وتكتفي بالتفرج, ام تتدخل بالنقد وتوجيه التحذيرات للطريقة التي تتعامل بها الحكومة اللبنانية مع هذا الموضوع. ان لبنان محق ـ من وجهة النظر العربية ـ في ان يطالب بحل جميع القضايا التي نتجت عن الاجتياح الاسرائيلي لاراضيه قبل اثنين وعشرين عاما, وهو اذا تمكن من الضغط على حكومة ايهود باراك لتحريك بعض الملفات الاخرى, فان الامر سيعد مكسبا له وللاطراف العربية الاخرى. وبمعنى آخر من حق لبنان ان يستثمر انتصاره المكلف والثمين, على اسرائيل, كما تفعل هذه الاخيرة في تعاملها مع سوريا والفلسطينيين في اطار مفاوضات السلام. لكن الامر يختلف من وجهة النظر الدولية التي تتعامل مع الملف اللبناني وفق القرار 425 اساسا, وهو قرار كما هو معروف لا علاقة له بأي من تلك المسائل. وهذ يعني ان لبنان اذا استمر على موقفه من ربط الانسحاب الاسرائيلي بمطالب اضافية فان المسألة ستصبح كالتالي: الحكومة الاسرائيلية توافق على تنفيذ القرارات الدولية والانسحاب من جنوبي لبنان, بينما تضع الحكومة اللبنانية العراقيل في وجه هذا الانسحاب, مما يعني ابقاء الوضع الحالي على ما هو عليه, بما في ذلك امكانية الحاق المزيد من الضربات ضد الجيش الاسرائيلي واستنزافه. لكن لبنان سيغامر بهذا التصرف في اضعاف موقفه القانوني والسياسي من جهة, ومن جهة اخرى تحويل المعتدي والمحتل الى ضحية, والضحية الى معتدي, وهذا وضع خطير على لبنان, خطورته على اسرائيل نفسها. من هنا ربما جاء اعلان الرئيس الحص ليضع حدا للجدل واللبس اللذين سادا الفترة الماضية, وحدا اخر لبالونات الاختبار التي اطلقتها بيروت, ولم تلاقي صدا ايجابيا, سواء على المستويين الدولي او العربي. بقي ان نقول بان انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان يمثل انتصارا لارادة الشعب اللبناني في رفضه للاحتلال وتأكيد حقه في مقاومته, ومثل هذا الانتصار ان لم نستطع تعظيمه, فمن الحكمة عدم اضاعته او تعريضه للشكوك. اما فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية, فالواضح ان انتشار القوات الدولية في المناطق التي سينسحب منها الجيش الاسرائيلي في جنوبي لبنان, تمهيدا لانتشار قوات الجيش اللبناني سيكون الغرض منها تأمين مرحلة انتقالية تسبق توقيع اتفاق سلام لبناني اسرائيلي, وربما لجأت الأمم المتحدة في وقت لاحق الى انشاء حزام امني على طول الحدود بين لبنان واسرائيل. ولا يعرف بعد, الفترة التي ستمكثها القوات الدولية, فالامر يتوقف على الوقت الذي يتوصل فيه الجانبان اللبناني والاسرائيلي الى توقيع اتفاقية سلام بينهما. وهذا امر قد يتطلب بعض الوقت ريثما يتم الوصول الى اتفاق سلام مماثل مع سوريا. لكن في كل الاحوال يبدو ان لبنان مرشح لاستعادة عافيته واستقراره على نحو جاد بعد تطبيق اسرائيل للقرار 425 وانجاز الانسحاب او هذا على الأقل ما نأمله. ولا اتوقع شخصيا ان تشكل قضية المخيمات الفلسطينية في لبنان مشكلة في حد ذاتها, فهي رغم وضعها المتفاقم من الناحية الانسانية خصوصا, الا ان مصيرها مرتبط بالحل النهائي للقضية الفلسطينية, اسوة بالمخيمات في سوريا والاردن. غير أنه اذا صفيت مسألة الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان, واستعاد هذا البلد وضعه الداخلي الطبيعي, فان ضغط قضية اللاجئين الفلسطينيين سينتقل الى مجالات اخرى, ليس من بينها المجال العسكري او الامني. القضية الوحيدة التي قد تثير بعض الاشكال بين اللبنانيين انفسهم هي تواجد القوات السورية في لبنان. لكن حتى هذه ليس من المرشح ان تنشيء جراءها ازمة خطيرة, فدمشق قد تجد من المناسب لها ان تسحب قواتها بعد وقت قصير من الانسحاب الاسرائيلي, وان تكتفي بالاتفاقيات العسكرية والاقتصادية المبرمة بين البلدين. ومع انه لا احد يستطيع ان يخمن منذ الان كيف سيتطور الوضع اللبناني, وكيف سيكون موقف اللاعبين الاقليميين من هذه التطورات, وهل سيترك الخيار لأبنائه كي يقرروا مصيره بكل حرية, ام يستمر اولئك اللاعبون في ادارة دفة الامور من وراء الستار؟ غير ان الأمر الواضح الآن على الأقل ان حل مشكلة الاحتلال الاسرائيلي ستقطع الطريق على الكثير من الذرائع التي تعتبر اليوم مقبولة من جانب بعض اللبنانيين انفسهم والتي حالت حتى الآن دون أن يستعيد لبنان حريته بالكامل.