بقلم احمد عمرابي متى.. وفي أي ظروف مكانية او زمانية او كليهما يمكن ان يصنف العنف كارهاب غير مشروع؟ اذا كان السؤال صعبا بما يكفي فإن أصعب منه محاولة تصنيف المنظمات التي تمارس العنف كأسلوب منهجي الى منظمات ارهابية وأخرى غير ارهابية. للسؤالين التوأم مناسبة ساخنة, فقد طلبت حكومة لبنان رسميا من منظمة اسلامية فلبينية تخلت عن منهج العنف ان تتوسط لدى منظمة اسلامية اخرى في الفلبين ايضا لاطلاق سراح مواطنة لبنانية محتجزة ضمن عدد من الاشخاص من جنسيات مختلفة كرهائن تستفدهم المنظمة للضغط على الحكومة الامريكية لاطلاق سراح شخصيات اسلامية من السجون الامريكية. المنظمة الاولى هي (جبهة مورو الاسلامية) والثانية هي (جماعة أبو سياف) . والمغزى هو أن (جبهة مورو) بتخليها عن العنف صارت تنظيما محترما لدى الحكومات. وليس اتصال الحكومة اللبنانية هو الدليل الأوحد على هذا الاحترام, فقد اتسم رد قادة المنظمة على المسئولين اللبنانيين بمسئولية تجاه شرعية القانون الدولي عندما اشترطوا ان توليهم لأمر الوساطة, يجب ان يحظى بموافقة مسبقة من حكومة الفلبين.. وذهبوا أبعد من ذلك حيث أحاطوا الامانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي بفحوى الأمر. هذا المسلك النظامي السلمي ربما يفضى الى سؤال: لماذا لا تحتذي منظمات اسلامية اخرى في أنحاء العالم ـ خاصة العالم الاسلامي ـ بنموذج (مورو) ؟ الاجابة يوفرها تاريخ العلاقة الدامية بين جبهة مورو والحكومات المتعاقبة في الفلبين. ولولا ان الكوادر المسلحة للجبهة خاضت قتالا طويل المدى ضد القوات الحكومية لما استطاعت تحقيق نتيجة سياسية تمثلت في اتفاق تعهدت به الحكومة بمنح اقليم مورو الاسلامي حكما ذاتيا. ومن ثم بدأت علاقة جديدة بين الجانبين على اساس التعامل السلمي. ان الاصل في العلاقات بين اي نظام حكم وتنظيم معارض في اي مكان او زمان هو التزام الطرفين بأسلوب التعامل السلمي في اطار ديمقراطي, لكن هذه الحال المثالية ليست الطابع الغالب في العالم الاسلامي. واذا كانت هناك منظمات معارضة اسلامية هي جديرة بالادانة للجوئها الى منهج العنف دون مسوغ فان هناك انظمة حكم تسد كل نوافذ العمل السياسي السلمي في وجه التنظيمات المعارضة مما يضطر هذه التنظيمات اضطرارا للجوء الى اساليب استثنائية. ومن هنا تبدأ دورة للعنف بلا نهاية, اجهزة الامن تصعد اسلوب القمع كلما توسع التنظيم المعارض في نشاطه العنيف.. والعكس صحيح. لكن ليست كل اساليب العنف تستحق مشروعية بمبرر رد الفعل على القمع السلطوي. هناك اساليب للعنف جديرة بالادانة بأي معيار سماوي او وضعي. ومن ذلك اسلوب اختطاف وحجز رهائن من أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بصراع الطرفين. وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه (جماعة أبو سياف) الفلبينية: ما ذنب 21 شخصا بينهم أطفال جاءوا الى الفلبين كسياح يحتجزهم رجال الجماعة في مكان معزول لاستخدام حياة كل منهم في مساومة ابتزازية مع الحكومة الامريكية لكي تضطر الى اطلاق سراح قادة اسلاميين من السجون؟ وماذا تخسر الحكومة الامريكية اذا عمدت (جماعة ابو سياف) الى قتل هؤلاء الرهائن في حالة اصرار واشنطن على رفضها التجاوب مع مطلب الجماعة؟ هنا.. في مثل هذه الحالة على الاقل يتبين الخيط الابيض من الخيط الأسود فيما يتعلق بتحول العنف الى إرهاب صريح. وما عدا ذلك يبقى جدليا.