بقلم: عبدالكريم محمد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية, والتجربة المريرة التي ذاقتها اليابان, في تدمير مدينتي هيروشيما وناجزاكي, بدأ التفكير الجاد لدى الدولتين المنتصرتين في الحرب, في تكديس أغنى انواع اسلحة التدمير الشامل, وقد اعتبرت في حينها القنبلة الذرية أهم الأسلحة الرادعة التي من الممكن ان تستخدم في حال نشوب حرب ثالثة بين هذين القطبين واستطالاتهما الكونية. ومن الملاحظ ان الولايات المتحدة رغم مأساة المدن اليابانية بقيت تعتبر ان الخيار النووي جزء من خيارات الصراع مع الطرف الآخر الممثل بالاتحاد السوفييتي آنذاك. وهذا بحد ذاته نبع من قناعة عند امريكا أنها تمتلك ترسانة نووية متطورة مقارنة بالترسانة الروسية, وأنها بهذه الترسانة قد غطت على التطور التقليدي الذي يمتلكه الروس وتحالفهم. وقد زاد من حدة التنافس بين الدولتين في مضمار انتاج الأسلحة النووية توصل الروس لبناء اسطول بحري مواز للاسطول الامريكي, حتى وصل في مرحلة من المراحل تهديد التفوق البحري الامريكي, وبدأ التحشيد البحري ماثل للعيان لدى طرفي النزاع في سنة 1961, وقد تساوت القوتان في عام 1974. والملفت ان الاسطولين اصبحا يمتلكان وظيفة واحدة مشتركة على الأقل وهي الردع الاستراتيجي, ففي كلتا الدولتين باتت تشكل الغواصات, المسيرة بالطاقة النووية والمزودة بالصواريخ, الجزء الرئيسي من القوات النووية الاستراتيجية. وعلى ما يبدو ان حمى التسابق بين الدولتين الذي تجاوز الاسلحة النووية الى البيولوجية والكيماوية, قد وصل الى فائض كبير اي أنهما اصبحتا تمتلكان اكثر من حاجتهما الردعية بما لا يقاس, خاصة لجهة الاسلحة البحرية. فكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يمتلك ترسانة نووية قادرة على تدمير البلد الآخر مرات مضاعفة وتدمير معظم دول العالم, لذلك بدأ التوكيد الأشد على منع اية مجابهة, في أي بقعة من العالم, بين القوات المسلحة لهاتين الدولتين. وما لم تتخذ خطوات مباشرة لابطال سباق الاسلحة البحرية الوشيك بينهما فان هذه المجابهات يمكن ان تقع بتواتر متزايد. خاصة اذا ما علمنا ان الولايات المتحدة طوال فترة الخمسينيات من القرن الفائت لوحت وعلى لسان وزير خارجيتها آنذاك, دالس, وآخرون من صانعي السياسة الامريكية باستخدام الاسلحة النووية على أي عدوان سوفييتي او صيني بقوات تقليدية كبرى. وخلال تلك الفترة كان التهديد الضمني لاستخدام الاسلحة النووية هو العنصر الاساسي للسياسة الخارجية الامريكية بذريعة امنها القومي. لكن هذه السياسة ذهبت افولها مع لحظة اعلان الاتحاد السوفييتي حيازته على القنبلة الهيدروجينية الخاصة به, واصبح التهديد بالهجوم النووي الامريكي أقل مصداقية بل ويفتقد لها. وادرك مسئولو الدفاع في أثناء ادارة الرئيس كنيدي ان عمليات الهجوم التقليدية يجب ان تردع او تقاوم بقوات تقليدية. واعتبرت الاسلحة النووية مفيدة اساسا لردع هجوم نووي او لنشرها كي تكون فقط الملاذ الاخير حين تفشل الوسائل التقليدية كافة. وقد وصل طرفا التسابق الرئيسيان الى حقيقة مفادها ان وسائل الابادة المذهلة لا تعني اي تفوق علمي, اذ حتى لو دمرت كافة الصواريخ السوفييتية الموضوعة في قواعد برية فسيبقى في الترسانة السوفييتية بضع مئات من الصواريخ الموضوعة في الغواصات والتي تستطيع ان تدمر تدميرا تاما كافة المراكز الامريكية السكانية والصناعية, وهكذا, تظل حقيقة ان بضع عشرات من الصواريخ تستطيع ان تعيق حتى اجراء اي زعيم سياسي من ان يشن هجوما نوويا. وهذا الأمر بات عبئاً سياسياً على الولايات المتحدة الامريكية والسوفييتية بذات الدرجة, وأصبح التوصل الى وفاق دولي بهذا الشأن مطلب داخلي لكلا القوتين, رغم المنافع السياسية التي قد يجنيها الطرفان من امتلاك القدرة الذرية, ورغم الاتجاهات الداخلية التي كانت وما تزال ترى بالردع النووي, انه سياسة جيدة يؤمن حزاما من الأمان السياسي النفعي. والاهم من ذلك ان الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد اخفقا من جهة أخرى في متسع انتشار الاسلحة النووية في اوروبا وآسيا, وان حالة من الشراكة السياسية بدأت تظهر للعلن مع الدولتين العظميين, وبرزت بشكل واضح عند الأطراف القومية الاوروبية خاصة الديجولية في فرنسا التي بالضرورة ستجتزئ الدور الامريكي, لأنها من ذات الخندق واللون السياسي, بينما بدأت الصين باجتزاء الدور السوفييتي على المستوى السياسي العالمي لذات الاسباب. وانه ليس من خيار امامهما للبقاء في مركز القيادة الكوني او على اقل تقدير في قمة الهرم القيادي لحلفي الاطلسي ووارسو الا اذا طرحا مشاريع, ضبابية بعض الشيء, تتلخص في تخفيض ترساناتهما النووية كخطوة نحو لجم الدول النووية الاخرى, تحت شعار الابطال الكلي للاسلحة النووية. وقد وصلتا روسيا وأمريكا الى قناعة مطلقة انهما لا يستطيعان حتى في ظل اقل النظم الوقائية ان يضمنا ابدا عدم وجود تحويل من النشاطات السلمية الى العسكرية. ففي المعدل لعام 1970 لبناء مفاعلات الطاقة النووية بدءا يواجهان ما معدله (قنبلة ـ اسبوعيا) , لذا بات من الضروري وجود حاجز, سياسي موثوق. اضافة الى الحاجز التقني, اذا اريد لمنع انتشار الاسلحة النووية ان يكون فعالا تماما, عند الاطراف الاخرى. ولعل معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية التي سرى مفعولها في 1970/3/5, كانت مؤامرة مدروسة شبيهة باقتسام العالم بين روسيا وأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية. مع العلم ان الاجراءات الوقائية كما اسلفنا لا يمكن فرضها, بل يمكن جعلها ممكنة فقط باتفاق متبادل ومستمر على كل المستويات, وهذا ما شهدناه مؤخرا في التسابق المحموم بين باكستان والهند. وقد وصل الطرفان الى ان ثمة نتائج اقتصادية ـ اجتماعية خطيرة جدا عكستها حمى سباق التسلح النووي على وجه التحديد, فقد قدم الامين العام لهيئة الامم المتحدة تقريرا في اكتوبر 1971 الى الجمعية العامة عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية للنفقة العسكرية, اعدته واقرته بالاجماع لجنة من 14 خبيرا. جاء فيه ان النفقة العسكرية العالمية قد بلغت سنة 1970 حوالي 200 مليار دولار, وهذا يشكل بالاسعار الثابتة ارتفاعا يقارب 50 مليار دولار, او الثلث منذ اوائل العقد المذكور. وهذا يساوي حسب احصاءات الامم المتحدة ومؤسساتها حوالي ما تنفقه حكومات العالم كافة على الصحة والتعليم. ان نفقة كبيرة كهذه على الاستعدادات العسكرية في فترة من السلم النسبي لهي ظاهرة جديدة, ففي فترة ما قبل الحرب العالمية الاولى, ذهب من الناتج القومي العالمي من 3 ـ 3.5% للانفاق العسكري. واصبح يعادل 6 ـ 6.5% من الناتج الذي ازداد زيادة هائلة, وهكذا فالانفاق العسكري ارتفع عشرين ضعفا على الاقل في السنوات الخمسين الأخيرة. واذا اخذنا فترة 1973 ـ 1975 مثلا, وجدنا ان القوات المسلحة الروسية شهدت ازديادا طارئا خفيفاً, في حين ارتفعت مصروفات الدفاع من 90 الى 124 مليار دولار. ولقد انخفض عدد القوات الامريكية في الفترة ذاتها, لكن بالمقابل ارتفعت مصروفات الدفاع من 78.5 الى 89 مليار دولار. ويرجع هذا التزايد المطرد في المصروفات الى المبالغ الكبيرة التي تخصص للبحث وتطوير الاسلحة, وفي مقدمتها الاسلحة النووية ذات التكاليف الفلكية. اي ان النفقة العالمية التي تدفع على مراكز البحث والتطوير العسكريين تمتص قدراً كبيراً متفاوتاً من القدرة العلمية والتقنية. وتقدر التقارير العالمية ان البحث والتطوير العسكريين قد امتصا على الأرجح في فترة الثمانينيات حوالي 35 مليار دولار من مجموع النفقة العالمية والبالغة حوالي 70 مليار دولار. ولعله من الواضح ان النفقة العسكرية لم تمتص موارد هائلة فحسب, بل كانت ايضا عنصر اضطراب باعث على عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي, ومن غير الممكن ان تتلاءم بسهولة مع الوضع الاقتصادي لاي بلد لانها تميل الى إقامة مطلب اولوي, وكثيرا ما احدثت تضخما لولبيا صاعداً. ومن نافلة القول ان هذا الجو المشحون والمكلف على كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية, قد فرض منذ وقت مبكر على الدولتين العظميين, جملة من الاتفاقات. فقد اتفق الطرفان في عام 1963 على عقد اتفاقية للحد من خطر الحرب, سميت (الخط الساخن), وتقيم خط اتصال مباشر كي يستعمل في حالة الطوارئ وتلاها في 30 سبتمبر 1971 اتفاقية تحديث الخط الساخن, وتلحق بالخط الساخن دارتين اضافيتين تستعمل كل واحدة منهما نظام اتصالات مرتبط بقمر صناعي. وتضمن ذلك اتفاقية الحوادث النووية وتنص على اجراءات لتخفيض اندلاع حرب نووية, وتلاها اتفاقية منع الحرب النووية, في يونيو 1973 وتنص على ضبط النفس والقيام بمشاورات عاجلة لتجنب خطر الحرب النووية. وسبق ذلك اتفاقية منع الحوادث في أعالي البحار وفوقها. وقد هيئت هذه الاتفاقات بما في ذلك اتفاقية سالت 1, لعقد اتفاقية سالت 2 التي اعتبرت في حينها أنها اتفاقية مؤقتة حول مفاوضات اخرى لتغطية الفترة حتى سنة 1985: وتضع سقفا مقداره 2400 عربة اطلاق استراتيجية في خليط ثلاثي من الصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ المقذوفة من الغواصات وقاذفات القنابل الاستراتيجية الثقيلة, ويمكن ان يسلح منها بالرؤوس الحربية متعددة الأهداف (ميرف) 1320 مركبة. ولعل موافقة مجلس الدوما الروسي مؤخرا على سالت 2 وعلى وقف التجارب النووية بكل اشكالها لهو دليل حي على الخطورة التي تبشر بها هذه التجارب على الاقتصاد والمجتمع والبيئة. وختاما لابد لنا من القول ان اتفاقيات الرقابة على الاسلحة واتفاقيات نزع السلاح, الموقعة في السنوات الاخيرة, تمثل انطلاقة جديدة في جهود نزع السلاح, رغم النقائص في اجراءات نزع السلاح الفعلية, الا ان هذه الاتفاقيات تسهم في تخفيف حدة التوتر الدولي, واعتبار الموافقة على تنفيذ اتفاقية سالت 2 هي بحد ذاتها وفاقا عالميا, واوسع نطاقا في تأثيرها الايجابي من العلاقات بين البلدين على كافة المستويات. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق