بقلم: عبدالله الحوراني اذا تحقق الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في يوليو المقبل, ودون مفاوضات او اتفاقات وشروط مسبقة فللجنوب العظيم ان يفخر بأنه اول ارض عربية ـ في تاريخ الصراع العربي الصهيوني تنطبق عليها صفة التحرير الفعلي من الاحتلال. فهي الارض الوحيدة التي يخرج منها العدو تحت ضربات المقاومة, ولم يحتفظ بأي مكاسب له بعد الرحيل. على خلاف كل التسويات التي تمت او ستتم بالنسبة للأراضي العربية الاخرى التي وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلي. فجميع تلك التسويات نجم عنها اما انتقاص من السيادة العربية على الاراضي التي تم الجلاء عنها, او فرض قيود امنية على التحرك فيها, او اشتراط اشكال من التنسيق والتعاون والتطبيع في مجالات الحياة المختلفة. ولا يخفى على احد, ان هذا النمط من التحرير الكامل, يعود الفضل فيه الى المقاومة اللبنانية الباسلة, بروحها الجهادية, وارادتها الصلبة, التي تجمعت فيها ارادة الشعب اللبناني, والامة العربية كلها, وتحررها من اية نوازع او مصالح سلطوية تخشى عليها, وعدم خضوعها للضغوطات الامريكية التي يحسب لها العرب الآخرون ألف حساب. وفضلا عن العوامل الذاتية والشعبية التي استخدمتها المقاومة اللبنانية احسن استخدام, فإن عوامل اخرى مساعدة ـ عربية واقليمية ـ توفرت لهذه المقاومة, ومكنتها من تحقيق النجاح الذي اصابته. وفي هذا السياق تقضي الامانة ان نشير الى الموقف السوري, وان نتوقف عنده. فبغض النظر عن الدوافع والاسباب التي تساق لتفسير الموقف السوري في دعم المقاومة اللبنانية, او تشجيعها او السكوت عنها في اضعف الحالات. فإن هذا الموقف, وأيا كان الشكل الذي اتخذه, لعب دورا مهما في صمود المقاومة اللبنانية ونجاحها, ولا يقلل من اثره, ما يطلقه البعض من تشكيك في دوافعه بالقول انه يستخدم المقاومة اللبنانية ورقة ضغط على اسرائيل لتحسين شروطه في المفاوضات الخاصة بالجولان, او انه يستخدمها ورقة للمساومة, سرعان ما يتخلص منها حين تتحقق اغراضه, او تنتفي الحاجة اليها. كما ان التزامه الهدوء على جبهة الجولان, وعدم السماح للمقاومة بالتحرك من خلالها, لا يلغي ايجابياته على جبهة الجنوب فمقاومة الاحتلال الاسرائيلي اهم كثيرا من التوقف عند الجبهة التي تنطلق منها, اذا كنا نرى الارض العربية وحدة واحدة, والقضية العربية قضية واحدة, فهذا هو المقياس الوحيد الذي نحاكم به الموقف السوري, ونقيس به سلبياته وايجابياته وحين نتأكد ان هذه النظرة القومية هي التي تحكمه, لا المصلحة القطرية الضيقة, لا يضير ان جرى التركيز على جبهة دون اخرى, او لتخفيف الضغط عنها, شريطة ان تكون المحصلة في خدمة القضية العربية الواحدة, والارض العربية الواحدة. لذلك يجب الا يصرفنا كعرب, نتعرض جميعا للعدوان, وبأشكال مختلفة, عن تحرير اراضينا المحتلة, اية خلافات او (مماحكات) ثانوية. فتحرر الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي هو الاساس, وله الاولوية على أي هدف آخر يطرحه هذا الفريق اللبناني او ذاك, بحسن نية او بسوء نية. فالموقف الذي يتخذه البعض في لبنان, ويحشد له بعض الجمهور, رابطا بين الانسحاب السوري والاسرائيلي, ومسويا بين موقفيهما, فيه ظلم كبير للبنان كما هو لسوريا. ان مثل هذه المواقف تشكل خيانة لبطولة وتضحيات اللبنانيين ومقاوماتهم الباسلة, فهي دعوة غير مباشرة لبقاء الاحتلال الاسرائيلي, او لتأجيل رحيله على الاقل. وهي استجابة غير مباشرة لمخططات اسرائيل في تضييق الخناق على سوريا, واضعاف موقفها تجاه اسرائيل, وهي تنكر للدعم السوري للمقاومة اللبنانية, مهما كانت سلبيات الوجود السوري واخطاؤه في لبنان. فالقرار الاسرائيلي بالانسحاب من الجنوب لم ينفذ بعد. ومن الخطأ ان يتصرف بعض اللبنانيين على اساس ان الانسحاب اصبح امرا واقعا, وان يتلهوا بطرح قضايا اخرى. فكل الجهود يجب ان تبقى متجهة نحو الجنوب, ودفع العدو للرحيل عنه. وحتى تنجز هذه المهمة, فهم بحاجة الى كل الجهود العربية والدولية وفي مقدمتها الجهد السوري. ولا يجوز وضع الجهدين السوري اللبناني, والمصلحتين اللبنانية والسورية, في وضع التعارض او التصادم. وعند الانتهاء من مهمة تحرير الجنوب, يمكن الالتفات الى المهمات الاخرى. فقضية احتلال الجنوب, هي كبقية الاراضي العربية المحتلة, تدخل في اطار الصراع العربي الصهيوني, وهو صراع مفتوح على كل الجبهات المحلية والاقليمية والدولية, وبكل الوسائل, والعرب جميعا في مواجهته فريقا واحدا. اما الوجود السوري في لبنان فهو قضية عربية, وجاءت بقرار عربي, وفي ظروف معينة. وبالتالي فإن حله يأتي في الاطار اللبناني السوري, او في الاطار العربي على ابعد احتمال. وعلى هذا لا يجوز الخلط بين الوجود السوري والوجود الاسرائيلي, او المساواة بين الشقيق والعدو. فعلى الاطراف اللبنانية المختلفة الا تقع في هذه الخطيئة, وألا تسوي بين الرئيسي والثانوي. فجلاء قوات العدو الاسرائيلي عن الجنوب, يمهد الطريق تلقائيا لخروج قوات الشقيق السوري التي كان المبرر الوحيد لبقائها الوجود الاسرائيلي. وحين ينتهي هذا الوجود, تنتهي كل المبررات التي قامت عليه, ويصبح طريق القوات السورية الى دمشق سالكا. والى ان تحين هذه اللحظة فإن الجهد العربي كله, وبضمنه الجهد اللبناني, يجب ان يصطف الى جانب سوريا, فهي الآن في وضع دقيق بعد ان خسرت رهانها على الموقف الامريكي, والتلاعب الاسرائيلي على مسارات التسوية مع العرب, بتقديم احدها على الآخر تارة, او وضعها في حال من التنافس تارة أخرى. وعسى ان يدرك العرب عامة, واطراف التسوية خاصة, ألا طريق امامهم غير العودة الى توحيد مواقفهم في مواجهة الموقف الاسرائيلي.