بقلم: عادل حمودة وقعت المجزرة.. بنيت مقبرة.. لم نكن هذه المرة مجرد حنجرة..نحن الآن في ابريل.. وابريل في جنوب لبنان ليل طويل.. طويل من الأحزان والأشجان.. لا نهاية له ولا شطآن.. لاتعرف فيه الفرق بين الحنين والأنين.. بين الحريق والشهيق.. بين القرنفلة والقنبلة.. بين السياسة والمعصية.. بين القريب والغريب.. بين التمسك بالذاكرة وأجيال (الدش) الحاشرة. نحن الآن في (قانا) .. ننحني أمام مدفن جماعي من الرخام يرقد تحته عشرات من الأبرياء.. كانوا في مثل هذا اليوم أحياء.. كانوا يتنفسون.. يتحاورون.. يحلمون.. يرتعشون.. وفي دقائق ماتوا دون أن يكون لهم حق البكاء.. كنا طابورا طويلا من المصريين والسوريين واللبنانيين نحمل شموعا بيضاء ونصلي بكل الكتب المقدسة على هؤلاء الشهداء الذين كانوا في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات أحياء.. كل شمعة في أيدينا كان طلقة ضوء كشف سواد وظلام النازية الاسرائيلية القابعة على بعد أمتار من هنا.. كل صلاة تتردد في قبولنا كانت تفجر الينابيع من مئات الأبنية المنسوفة بالديناميت.. كل نسمة هواء داعبت وجوهنا كانت قبلة ترحيب للطيور العربية العائدة الى أعشاشها بعد سنوات وسنوات من الهجرة. إن المشاعر العربية المشتركة ليست مرضا نفسيا لابد من الشفاء منه كما حاول اقناعنا الذين غيروا دماءهم في مصحات تل أبيب.. ليست نوعا من الحنين لأطلال وخرائب ضاع زمانها وفقدت صلاحيتها في زمن ناطحات السحاب والانترنت والجات والعولمة والشركات متعددة الجنسيات كما حاول اقناعنا الذين باعوا جامع الأزهر والمسجد الأموي وكنيسة القيامة واشتروا قيراطا من السحب والغيوم فوق سماء البيت الأبيض.. المشاعر العربية المشتركة حقيقة ساطعة.. قائمة.. نحترمها.. وننتمي اليها.. نحبها.. ولا نطلب منها شهادة حسن سير وسلوك.. وبمجرد أن نزيل الغبار المتراكم عليها نجدها تبرق كالذهب الأصيل.. ونجد أن ملمسها كالحرير الطبيعي. لقد كانت المشاعر العربية المشتركة في استقبالنا في لبنان ونحن نهبط مطارها الدولي في بيروت.. ونحن نتأمل قلاعها البحرية وآثارها الاسلامية وأيقوناتها المسيحية في صيدا.. ونحن نسمع صهيل الجياد الأصيلة للمقاومة في الجنوب.. ونحن نصغى غارقين في الدمع لأطفال في عمر الزهور يغنون (وطني حبيبي الوطن الأكبر) .. ونحن نقرأ الفاتحة على الشهداء في قانا.. ونترحم عليهم وعلينا.. كان لقاء العرب بالعرب في الجنوب اللبناني الذي كان يحتفل بذكرى استشهاد الحسين في كربلاء مثل احتكاك أعواد الثقاب ببعضها.. اشتعلت بعده الذاكرة بجوار الأشياء المحترقة.. والأحداث المحترقة.. دير ياسين.. بحر البقر.. صبرا وشاتيلا.. تل الزعتر.. حصار السويس.. احتلال الجولان.. وقانا. في مثل اليوم الذي كنا فيه في الجنوب.. (18) ابريل 1996 كانت مذبحة قانا.. في ذلك الصباح منذ (4) سنوات حلقت اربع طائرات هيلوكبتر فوق صور.. كانت صواريخها جاهزة لارضاء شهوة الدم عند رب القتل والذبح القابع في حجرة الأركان بمبنى المؤسسة العسكرية الاسرائيلية.. لابد من ضحايا حتى تنجح عملية (عناقيد الغضب) التي تصور شيمون بيريز أنها القربان الذي عليه تقديمه للناخب الاسرائيلي حتى يهدأ ويختاره.. نسي الكلام عن السلام.. وتذكر منطق اللئام.. وشواهد الموت المصنوعة من الرخام.. وبدأ الغزو.. ثم صدر الأمر بالذبح.. وتحركت طائرات الهيلوكبتر لتنفيذ المجزرة.. واقتربت من قانا.. لكن الطقس فجأة تغير.. وهبت عاصفة حرمتها من متعة التنفيذ. كان سكان قانا قد شعروا بالخطر يطارهم.. فهرعوا الى مقر قوات الأمم المتحدة بملابس جنودها الزرقاء الأنيقة.. هرعوا الى مقر وحدة القوات القادمة من دولة (فيجي) .. تصوروا ببراءة أن علم المنظمة الدولية يمكن أن يحميهم.. ولم يتذكروا أن اسرائيل تتعامل مع قراراتها وكأنها مكتوبة على ورق لايستخدم إلا في الحمام.. دخلوا المخبأ.. وبمجرد أن جلسوا على الأرض وتلامسوا وشعروا بالأمان وتبادلوا التهاني بسلامة النجاة انهالت عليهم قذائف المدفعية الثقيلة من عيار (155 ملم) فتحول المخبأ الى مقبرة.. وفي ثلاث دقائق كان عدد الضحايا يتجاوز المئة.. من لم يمت بقذيفة مات مختنقا بالأتربة.. ومن خرج حيا وجد نفسه معوقا.. جسديا.. أو نفسيا.. تحاصره الكوابيس.. ويطارده الرعب.. ويحتاج لنصف الأطباء المحترفين في العالم ليعيدون له سلامة نفسه اليه. وتروي شاهدة عيان هي نجلاء أبوجهجه وهي مصورة صحفية: أنها عندما وصلت مركز الأمم المتحدة لم تتوقع هذا العدد من الضحايا.. (كانت الجثث متفحمة.. متراكمة.. والأيدي التي تشابك أصحابها في مواجهة الكابوس كانت متناثرة ولكنها متحدة.. قابضة على الحديد والنار.. كذلك الأرجل التي تقطعت وتباعدت وركضت نحو الموت المحتوم.. وفي تلك الزاوية وتحت جناح بطانية رقدت أمهات يحتضن أطفالهن.. لقد مزقت الشظايا بطونهن وصدورهن.. أما الزوايا الأخرى فكانت مليئة بضحايا ماتوا وعيونهم مفتوحة.. وكأنها تتساءل: لماذا نحن؟.. وظن الأطفال أن البطانيات والمراتب الأسفنجية الرقيقة قد تحميهم من الشظايا فدسوا رؤوسهم مختبئين تحتها.. فاختلطت عظامهم بنسيجها.. قذائف فسفورية حارقة سقطت فوق رؤوسهم.. وفوق زجاجة لبن حليب كان يرضع منها طفل جف ثدي أمه) . (أما الناجون فقد غابوا في ذهول.. لم يصدقوا ما رأت أبصارهم.. لقد جحظت عيونهم.. وشحبت وجوههم.. وامتلأت ثيابهم بالدماء.. وراحوا يطلقون صرخات وصيحات هستيرية.. لكنها ضاعت وسط الصخب الذي ساد المكان.. وفي كل مكان دماء.. دماء غطت القتلى والجدران والبطانيات والأحلام وقرارات الأمم المتحدة والنجوم اللامعة المعلقة على أكتاف ضباطها الدوليين الذين يحفظون السلام) . في مثل هذا اليوم الذي كنا فيه في الجنوب يتذكر جرح قانا عيد ميلاده.. فيبكي.. وتحتفل الأحزان بمرور أربعة أعوام على خناجرها التي أقامت منذ ذلك الوقت في لحمنا وفي ضمير العالم.. إن الجراح وحدها كما يقول نزار قباني هي التي تملك ذاكرة قوية.. أما الفرح فلا ذاكرة له.. (الفرح عصفور من زجاج.. يرتفع عن الأرض عشرة أمتار.. ثم يقع على الأرض.. ويتهشم.. لكن.. الحزن فهو عصفور أسود يحمل صغاره ويعشش على شواطىء العين ومدخل القلب.. ويرفض أن يرحل؟.. الجراح لا تحتاج لمن ينشط ذاكرتها.. والأحزان لاتحتاج لمن يستدعيها.. والمجازر أصبحت جزءا من تاريخنا القومي يصعب نسيانه.. لكن.. هل يكفي أن نحول مثل هذه المناسبات الى سرادق عزاء؟.. هل نجلد أنفسنا ونعاقبها بالمشارط والأمواس؟.. كلا.. لابد أن يتحول الحزن الى حركة.. والعزاء الى مقاومة.. والمجزرة الى دعاية مضادة للعدو.. تكشف أن أفران الغاز لم تعد هتلرية وإنما أصبحت اسرائيلية.. وتكشف أن اسرائيل هي مجتمع شتات قلق مضطرب غير مستقر نفسيا.. لا يهدأ.. ولايعرف الراحة إلا بالخراب وسفك الدماء.. وأن السلام الذي يتحدث عنه هو كلام في كلام.. وتكشف أن القومية العربية هي حقيقة أبدية.. وأن العرب ليسوا مجرد ظاهرة صوتية. والمذهل أن هذا الدرس يأتي لنا من لبنان.. الدولة العربية الصغيرة التي مزقتها الحروب والصراعات منذ 25 سنة.. ومارس فيها العالم موبيقاته السياسية وعقده الجنسية.. وكنا نتصورها الروشة.. وشارع (الحمراء) .. وكازينو الجبل.. وفندق سان جورج المقر الرسمي لأجهزة المخابرات في المنطقة.. ونساء كباريهات جونية اللاتي لا يعترفن إلا بسيادة دولة (فرساتشي) على أجسادهن.. الدرس يأتي من لبنان.. الدولة الوحيدة التي أجبر الناس فيها العدو الاسرائيلي على الانسحاب من الجنوب المحتل بلا قيد ولا شرط.. وحقق قاعدة ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة.. الدولة الوحيدة التي شعرت بالحديد والدم والرصاص المنصهر فوق لحم أبنائها أن العروبة ليست ترفا ولا حفلة زار ولا سهرة غنائية حتى الصباح.. وإنما هي لحام لاصق للطوائف والمذاهب.. بدونه تتفتت.. وتتشتت.. وتصبح دولة من الرمال على شاطئ بحر عاصف بالأمواج والرياح. إن لبنان رغم صراعاته العرقية وحروبه الطائفية هو مستودع الذاكرة القومية.. والذاكرة القومية لاتعني أبدا التكرار والاجترار واستحضار أرواح الأجداد ولكنها جواز سفر قابل للتجديد كل حزمة تجارب وحزمة سنين.. جواز سفر يسمح لنا بارتياد آفاق جديدة في التجربة لاتجعلنا أسرى للماضي مهما كان هذا الماضي حلوا.. أو مرا.. وقد سمعت من وليد جنبلاط: أن علينا نحن العرب التضامن الآن مع الحرية وتحرير الانسان العربي من السجن الكبير الذي نعيش فيه.. التضامن مع الحرية هو تضامن مع المستقبل.. وبدون هذا التضامن يصبح كل ما يفعله هو نظرة حنين للوراء. أما الشخصية التي لفتت نظري وشدت انتباهي فهي شخصية سيدة تعرف أن العمل السياسي لو حصر نفسه في الخطابة فانه ينتهي بنهاية اللقاء أو بقطع الكهرباء عن الميكرفون.. تعرف أن العمل السياسي الذي يعيش في الذاكرة هو عمل يبدأ بالانسان وينتهي بالانسان.. هذه السيدة هي نائبة الجنوب في البرلمان اللبناني ورئيسة لجنة التربية والتعليم فيه بهية الحريري.. إنها تدخل بيوت البسطاء وتجلس معهم على الأرض بكل بساطة وتشاركهم الخبز والقهوة والحزن والفرح والحرية.. إنها كانت وراء الاحتفال بذكرى مذبحة قانا.. كانت تعرف أن قانا جرحا عربيا وليس جرحا لبنانيا فأصرت على أن يكون الدمع مشتركا.. والحزن مشتركا.. فهي تعرف أن الرصاصة التي تطلق على مواطن عربي في الخليج تهدد حياة مواطن عربي في المحيط.. وتعرف أن صواريخ العدو الاسرائيلي لاتفرق بين عربي معتدل وعربي متطرف.. عربي يحرض على المقاومة وعربي يحرض على السلام.. عربي يأكل (الكبسة) أو (الفتة) وعربي يتناول في افطاره سمك السلمون المدخن.. لذلك كانت قانا التي تذكرناها عربية.. عربية.. وليست فقط لبنانية. وقد قررت أن تضيىء شمعة و ألا تكتفي بأن تسب وتلعن الظلام.. فكونت مؤسسة لرعاية الأطفال الناجين من قانا.. كان هؤلاء الأطفال في حاجة لاسترداد نفوسهم الضائعة.. المحترقة.. المعذبة.. عالجتهم نفسيا وعصبيا وجهزتهم من جديد للحياة.. كانوا في البداية يرسمون وحوشا خرافية.. وأشجار صبار صحراوية.. وأشباح.. ومدافع.. وأشلاء.. وكان لون الدم الأحمر هو اللون المسيطر على لوحاتهم.. وبعد أن شفت أرواحهم.. بدأت الزهور والفراشات وأمواج البحر تعود الى كراسات الرسم التي يحتضونها.. وعاد اللون الأخضر بعد طول صبر الى ذاكرتهم. والمؤسسة تأخذ بيد الصغار حتى يصبحوا على عتبة الحياة العملية فتمنح كل منهم 25 ألف دولار يبدأ بها مواجهة مستقبله.. وحتى الآن كبر ثلاثة كانوا صبية عاشوا مجزرة قانا.. أصبحوا الآن رجالا.. إن محصول الرجال ينمو أسرع في التربة المحاربة.. ولأن الأجيال الجديدة لاتعرف سوى لغة الكمبيوتر والانترنت.. فقد فتحوا باسم قانا صفحة على شبكة الانترنت العربية والانجليزية والفرنسية.. لتظل الذاكرة الالكترونية ذاكرة حية.. قابلة للزيادة والاضافة. ولا تلغي الذاكرة الالكترونية الذاكرة الشعرية.. إن الشعر لا يظهر في تحليل المعامل إلا في دماء العرب.. إنه يختلط بالكلسترول والسكر والكرات البيضاء والحمراء.. الشعر معلق بجانب الانترنت.. لا أحد منهما يلغي الآخر.. بجانب صور المجزرة قصيدة أدونيس (مكتوب بدم الجنوب وجسد قانا) .. بكل ما فيها من علامات استفهام.. (كيف لم تتكلم؟.. من أنا؟.. لا طريق ولا ضوء.. لا موضع ولا موقع.. كرة تتدحرج في ظل سجانها) .. (كيف لم تتكلم؟ قلت: قانا؟.. مكان أم زمان؟ لقانا.. صور وجذور في تواريخنا.. لم تكن مرة لغة في الطلول.. إنها لغة في الأصول.. الرياح مزاميرها.. وايقاعها الفصول) .. (كيف لم يتكلم؟.. ما الذي يتكلم في ساحة النار غير اللهب؟) . وتصر بهية الحريري على أن تكون هناك قضايا وتعويضات تدفعها اسرائيل لضحاياها في لبنان وفي غير لبنان.. إن سياسة إدارة الخد الأيسر لمن يضرب الخد الأيمن سياسة لا تصلح مع اسرائيل.. وهي لاتعترف بها.. فهي حتى الآن تحاسب كل من تعرض لشعبها منذ أيام النبي موسى الى أيام الجنرال باراك.. فلماذا لانفعل مثلها؟. وأول قضية ستكون باسم حميدة ديب.. لقد خرجت عاجزة من المذبحة.. وسافرت الى جنيف لتقدم شهادتها الحية على الهمجية الاسرائيلية.. وقد سمعها العالم.. وصفق لها.. وتعاطف معها.. وتطوع فريق كامل من المحامين الأوروبيين من أصول عربية لتبني قضيتها.. فالحق لايضيع بشرط أن يكون وراءه مطالب.. ونحن كنا لانطالب.. والآن أصبحنا نطالب.. فهل نفتح ملف القتلى والأسرى؟. لقد حصل لبنان على حريته ووحدته بالدم.. ولن يفرط فيهما.. فقد دفع أقصى ثمن.. وعلينا أن نشاركه.. فشمس العروبة قد تشرق مرة من هنا.. وتشرق مرة من هناك.