بقلم: عبدالكريم محمد ليس من باب الغرابة بمكان, أو من باب التهكم والانتقاص, إذا ما قلنا ان قمة الـ (77) أو قمة (دول الجنوب), حملت هموم ما يقارب من ثمانين بالمائة من سكان المعمورة, المثقلين بالكوارث بداية من المجاعات وانتهاء بالصراعات الداخلية بكل أشكالها الطائفية والعشائرية والطبقية والسياسية, والبينية المصطنعة الخارجة عن ارادة انظمتها من خلال عناوين ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان, والملفت بالأمر حقا, انه منذ انعقاد الجلسة الافتتاحية الأولى في العاصمة الكوبية هافانا, جنح المؤتمرون إلى اعلان الحرب الكلامية التي تضمنت شتى أنواع الاتهامات للآخر, الممثل بدول الشمال, انطلاقا من الهموم الذاتية المحضة لكل عضو على حدة, حيث اننا إذا ما رصدنا المشكلات المتفاقمة التي تعيشها الدول الـ 122, نجدها تواجه جملة من المشكلات تساوي عدد الحضور ان لم تفق ذلك بكثير على اعتبار ان مشكلات بعض الحضور مركبة لايمكننا رصدها أو حتى ادراجها في هذا المقال لأنها في حقيقة الأمر تحتاج إلى دراسات وحلقات بحث, لكن الغرابة حقا هي ما تميزت به قمة دول الجنوب بخطبها الرنانة وبشعاراتها الفجة التي لا تسمن ولا تغني من جوع, وإلقاء التهم على غاربيها ضد دول الشمال, بسبب اعتمادها سياسات أبقت دولهم فقيرة ومتخلفة تكنولوجيا, علما أننا ندرك ان هذه الدول مرتبطة بعلاقات ثنائية أقوى بما لا يقاس من العلاقات التي تربط هذه الدول بعضها ببعضها الآخر. تاركين بذلك جملة من الحقائق الموضوعية التي أوصلتهم إلى الدرك الأسفل الذي تعيشه شعوبهم على المستويين الداخلي والخارجي, أما فيما يتعلق بالقضية الداخلية فقد غيبت هذه الدول حقيقة الانتقال بالمجتمعات سلميا من خلال اشاعة الأجواء الديمقراطية بين القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة المتصارعة فيما بينها, وأغفلت ان كان بشكل متعمد أو خلاف ذلك, عمليات البناء الداخلية التي يتطلبها تطور تلك المجتمعات, والتي تعتمد بالضرورة على الكفاءات الوطنية لكل دولة على حدة. أما فيما يخص المحيط الجغرافي, فقد ارتضت هذه الدول في فترة سابقة لنفسها رغم المؤسسة التي تنضوي تحت لوائها ان تكون قفازات بيد دول الشمال تؤمن لها على حساب برامج التنمية الداخلية الملحة, مصالحها من خلال انخراطها بأحلاف وتكتلات لا تجني من ورائها إلا المزيد من خيبات الأمل وبعض فتات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الأخرى, الذي يغرقها أكثر في أزماتها المركبة, ويجعل منها ملحقاً وتابعاً ينفذ ارادة الخارج وحسب, حتى وصلت العداوة بين دول الجنوب المنكوبة, أكثر مما يتصوره عقل, وتجاوزت حالة الصراع الحقيقي الذي كان يتطلب من هذه الدول البحث الجاد لايجاد آليات وصيغ فيما بينها على المستوى الاقليمي والقاري, لكي تبعد شبح الارتهان للآخر الشمالي, وإذا كان من الصحة بمكان, ما يقع على عاتق هذه الدول وقياداتها, التي اجتمعت في هافانا قبل أيام, ان تطلق العنان لجملة القضايا الملحة, والتي تعبر عن الألم الذي تعيشه بلدانهم بسبب الفقر والحاجة والعوز, لكن غير الصحيح أبدا حتى في معايير المصلحة ان تطالب هذه الدول باقامة (نظام عالمي جديد وعادل وديمقراطي) قد يسمح بردم الهوة بين أغنياء العالم الشمالي وفقرائه الجنوبيين, الذين يفتقدون لأبسط سبل العيش والحياة, وان هذه الدعوة تحمل في مضمونها شكلا اعتقاديا, وهي أقرب ما تكون إلى عظة يطلقها الوعاظ ليس إلا. خاصة عندما نعي حقائق دامغة لا يمكننا تجاهلها, والتي تقول بأن العالم الغني أصبح غنيا ـ دون ان نغفل عمليات النهب المنظم التي قادتها دول الشمال ضد دول الجنوب في المرحلة الاستعمارية الماضية ـ بفضل استخدام العقل وفض النزاعات الداخلية التي كلفته ثلاثة قرون من الصراعات الداخلية الدامية, وارتضى لنفسه بالنهاية ايجاد شراكة من خلال ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يعطي حق المواطنة لأبناء الوطن الواحد دون ان نغفل جملة الأنظمة والقوانين التي تنظم شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم, والتي سمحت بتكافؤ الفرص وفتحت الباب على مصراعيه أمام الكفاءات التي تعج بها دول الشمال, وأنتجت هذه الثورة التكنولوجية الهائلة, التي اختزلت فعلا عامل الزمن وأمنت الرفاه الاجتماعي. أما المطالبة بعلاقة ديمقراطية بين دول الشمال والجنوب فهذا الأمر مرهون أولا وقبل كل شيء في علاقات غالبية أنظمة هذه الدول بشعوبها, التي كما أشرنا تفتقد إلى أبسط أشكال الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير, والقضاء على الجوع والأمية والمرض والفقر عند شعوبها, ليس باطلاق الشعارات والخطب الرنانة, بل يعتمد بالدرجة الأولى على مدى اقتناع هذه الأنظمة والحكومات, في استحضار آليات (ميكنزمات) انطلاقا من الاعتماد على الذات, كمقدمة لسد ولو جزء يسير من مشكلاتها, بعدها تأتي مطالبة دول الشمال بضرورة اتخاذ سلسلة من التدابير والاجرءات العاجلة. وهذا بكل تأكيد لن يتحقق كما أسلفنا القول إلا إذا عملت دول الجنوب وبالتوازي على المستويين الداخلي والاقليمي على فض كل أشكال الصراعات البينية القائمة بينهما. ولعل المشهد الأثيوبي أكبر مثل صارخ على هذه السياسات المدمرة التي عملت منذ فترة طويلة على خلق صراعات بفعل ارادة خارجية خلقت عداوات مستشرية مع دول الجوار الجغرافي في القرن الافريقي, أدت إلى ادارة الظهر من قبل الأنظمة المتعاقبة على الحكم في اثيوبيا, لما هو أهم من ذلك بكثير والتي تمثلت بمشكلة التصحر والجفاف الذي يهدد ملايين المواطنين من الشعب الأثيوبي بالكوارث والموت المؤكد. وهذا الدمار القاتل جاء لخدمة بعض أطراف دول الشمال المسيطرة التي لا تزال تحلم بعد ان كُنست من تلك المنطقة بالعودة إليها, بمردود بخس وزهيد, قياسا بالكارثة الكبرى التي حلت بأبناء أثيوبيا, وكان الأجدر بالحكومات السياسية المتعاقبة على الحكم في اثيوبيا ان تعمل كل ما في وسعها لمواجهة مشكلاتها الداخلية المفجعة, بدلا من تجييش شعبها واستخدامه قفازا في حروب لا تبقي ولا تذر ضد دول الجوار. والأهم بالأمر ألا تعمل هذه الدول أدوات وكوابح ضد بعضها مقابل خدمات شبه مجانية لدول الغرب, وان تحافظ, ولو من باب الكرامة الشخصية والوطنية على ما اتفقت عليه فيما بينها من خلال الاعلان التي اختتمت به أعمال مؤتمرها. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق