بقلم: أحمد عمرابي ما الذي يمكن ان نتوقعه من (مؤتمر الحوار الوطني) .. هذا اذا انعقد فعلاً؟ على الافق القريب لا تتوافر مؤشرات قوية على نجاح المساعي المصرية والليبية في جمع ممثلي الحكومة السودانية مع قادة المعارضة بكل تنظيماتها تحت مظلة مؤتمر حوار او مؤتمر دستوري او (المؤتمر الجامع) . سمه ما شئت. لكن لنفترض نظريا انه تم اتفاق كامل لعقد هذا المؤتمر ولنفترض ايضاً ان المؤتمر حقق نجاحا شاملا في اطار وفاق وطني. فما هي القرارات المتصورة التي يخرج بها بأقصى درجات التفاؤل والمثالية؟ في تقديري سوف تكون الخطوط العريضة للاتفاق كما يلي: * نظام ديمقراطي تعددي كامل وفق دستور جديد قائم على صيغة الحكم الفيدرالي لكل السودان. * تشكيل حكومة قومية من كل الاحزاب لفترة انتقالية محددة. * انتخابات عامة حرة تعقب الفترة الانتقالية وطبعا تتضمن الصيغة المثالية هذه اتفاقا على حل سياسي على نحو ما لمشكلة الجنوب. ماذا سيعني ذلك؟ سيعنى ببساطة عودة الوضع الى ما كان عليه قبل يونيو 89 اجمالا: نظام ديمقراطي سوف يستمر لبضع سنوات يتنامى خلالها تذمر جماهيري متصاعد الايقاع تجاه الصراعات والتناحرات الحزبية والكيد المتبادل بين القوى السياسية مع تجاهل كامل للازمة الاقتصادية التقليدية المتفاقمة. الاستخلاص النهائي اذن هو ان الدورة الشريرة المتمثلة في ديمقراطية يعقبها انقلاب تعقبه انتفاضة تعقبها ديمقراطية مرة اخرى لن تنتهي. وهذا هو أس قضية السودان. واذا انعقد مؤتمر الحوار الوطني وانفض دون ان يعكف على هذه المسألة ويصل الى تدابير توافقية بشأنها, فان انعقاده يكون بلا معنى او مغزى. و(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . ليست هذه دعوة ضد فكرة عقد مؤتمر جامع للحوار الوطني بين القادة السودانيين قاطبة على صعيدي الحكم والمعارضة. وليست دعوة الى عدم الاستعادة الكاملة للنظام الديمقراطي التعددي. على العكس تماما فان قناعتي هي ان الديمقراطية المعيبة خير من اللاديمقراطية. لكن فقط افكر بصوت عالٍ متسائلا كمواطن سوداني عادي ليس زعيما او فيلسوفا: هل استوعبنا ـ قادة وجماهير من كل اتجاه وكل لون وكل انتماء او عدم انتماء ـ دروس ما يقارب نصف قرن من الحكم الوطني بمختلف عهوده منذ الاستقلال؟ لا ادعي ان عندي وصفة شافية وناجعة لكيفية التغلب على (الدورة الشريرة) , ما عندي في الحقيقة هو تساؤلات اطرحها, علها تصادف من يمكن ان يكون لديه اجابة: * هل يعي القادة السياسيون من اقصى اليمين الى اقصى اليسار الفارق بين الحرص على الديمقراطية والحرص على السلطة؟ هل تحرروا من شهوة السلطات كغاية في حد ذاتها لا كوسيلة لانقاذ السودان؟ * هل نحن معشر القطاعات الجماهيرية على استعداد للتعامل مع الديمقراطية بشعور عالٍ من المسئولية واعتبار الحريات التي توفرها فرصة للمساهمة الايجابية في كيفية النهوض بالوطن لا فرصة لممارسة النشاط الفوضوي والمسلك الغوغائي؟ * هل نحن كجماهير على استعداد للتعامل تجاه القادة السياسيين انطلاقاً من فضيلة التفكير الموضوعي العقلاني المتزن, لا انطلاقاً من التقييم الانفعالي فيصير ملاك الأمس شيطان اليوم وشيطان الامس ملاك اليوم دون حيثيات موضوعية في كل الاحوال؟