العلاقات السياسية ما بين الدول تصل في بعض الأحيان إلى حالة من (السوريالية) التي لا يمكن أن يتفهمها أو يتقبلها عقل أو منطق, وهو أمر حدث مرات ومرات في تاريخ البشر القديم, ولفرط غرابة بعض هذه العلاقات غير المنطقية فقد صورها بعض المبدعين في أعمال فنية خالدة, وربما معارك مثل (طروادة) التي تعتبر نموذجا لهذا, لأن أسباب المعركة لا تدخل إلا في نطاق (العبث) أو (السوريالية) , ولكن أن يحدث هذا على أبواب القرن الواحد درجات المعرفة بالبشر وأحوالهم, بل وتدعي أنها حامية حمى البشرية جمعاء في أي مكان وزمان و لا يقف أمام قدرتها أعتى الجيوش, فهذا هو الأعجب. اللا معقولية في التفكير والعمل السياسي من الممكن قبولها في حالة نشوب نزاع ضخم يهدد مصالح شعوب تلك الدول, لأنه من الممكن تفسير ذلك على أنه نتيجة تخبط ناتج عن صدمة الأحداث الأولى, ولكن أن تتعامل الدول الكبرى في قضايا صغيرة وكأنها تشارك في حرب عالمية فهو السوريالية بعينها, ومن شاهد مغامرة البوليس الفيدرالي الأمريكي في عملية (إنقاذ إليان) الكوبي الأسبوع الماضي في ميامي لا يملك إلا أن يضرب كفا بكف إزاء ما يراه, لأن العالم لم يشاهد عملية تنفيذ حكم قضائي يتعلق بتسليم طفل لأبيه, بل شاهد سيناريو فيلم سينمائي كتبه وأخرجه افضل صناع الفن السابع في العالم. لأن من كان قد تابع تلك القضية منذ بداياتها بكل الوسائل الممكنة من صحافة وإذاعة وتليفزيون, بل وانترنت, ربما لم تصبه الدهشة والعجب من العملية الهوليودية التي تم تنفيذها فجرا على طريقة عمليات (المارينز) في حروب فيتنام وحرب الخليج الثانية, واستخدمت فيها (القوات الامريكية) الأسلحة الطويلة والقصيرة وكمامات الغاز والغازات المسيلة للدموع, وهي مشاهد يبدو أنها تمت بها كتابة وتنفيذ الفصل قبل الأخير لمأساة هذا الطفل, الذي هو في حاجة إلى المساعدة من طرف الجميع, بدلا من أن يصبح ألعوبة (مرعبة) ليس الهدف منها سوى استخدامه سلاحا يوجهه كل طرف إلى صدر الآخر. هذا الفيلم الواقعي الذي يفوق الخيال نفسه, والذي شاهدنا أجزاء منه في التليفزيون وصورا منه في الصحافة والانترنت لم يكن سوى جزء من قصة كان الجميع أبطالها عدا صاحب الشأن, الطفل الكوبي إليان اليتيم الذي اختطفته أمه من بلاده أملا في تحقيق حلم الحياة برفقته في بلاد العم سام, ولكنها فقدت حياتها وكادت تقتل طفلها لولا أن الطفل كان معدا لمغامرة اكثر مأساة من مغامرته في البحر لمدة يومين محاطا بالحيتان المتوحشة, المنتشرة على الحد الفاصل ما بين الحلم الأمريكي و(جحيم كاسترو) , و التي تصيب رؤيتها بالرعب حتى لو كانت في السينما في أفلام مثل (الفك المفترس) . إذا كانت حيتان البحر المتوحشة تركت الطفل يومين مبحرا بلا سلاح ولا قناع يقيه من تلك الحيتان دون أن تمسه بسوء, ربما رحمة بضعفه ووحدته المؤلمة, ما أن وصل الطفل الغريق (اليان) إلى الشاطئ حتى تلقفته أيد الحيتان البشرية التي لا ترحم, و التي كانت متعطشة لمص دماء أي ضحية بشرية تقع بين يديها لتمثل بها ابشع تمثيل. حيتان اليابسة لم تكن سوى حفنة من المتطرفين السياسيين فاقدي العقل والمنطق في حربهم (الصليبية) ضد نظام كاسترو, على الرغم من هشاشة وضع الطفل, وتعطشه لحنان ينسيه مغامرته مع حيتان البحر, فإن حيتان اليابسة رأت فيه سلاحا جديدا ضد نظام سياسي يرفضونه, بغض النظر عن التأثيرات السلبية على الطفل نفسه الذي اصبح ضحية الجميع. ما ان كشرت حيتان ميامي عن أنيابها لنهش لحم النظام الكوبي باسم (الطفل الغريق) , حتى برزت أسنان كثيرة لحيتان أخرى, لا تقل شراسة, على جانبي خليج الخنازير الشهير الذي يفصل ولاية فلوريدا الأمريكية عن الجزيرة الكوبية. منذ بداية المغامرة التي وجد الطفل الكوبي نفسه فيها بطلا رغم انفه, كان وضعه طبقا للقانون الأمريكي والدولي واضحا وضوح الشمس التي ضربته بعنف خلال رحلته البحرية الإجبارية, فالأم ماتت في محاولتها الوصول إلى ارض الأحلام الأمريكية, والأب لا يزال حيا يعيش في كوبا ويرغب في احتضان طفله بين ذراعية لان خروجه في تلك المغامرة تم بغير علمه أو رضائه, لذلك لم تكن هناك مشكلة في إعادة الطفل إلى وطنه وأبيه مادام الأب يرغب في ذلك, ويملك الوسائل التي تكفل له تنفيذ هذه الرغبة الطبيعية التي يشعر بها أي أب نحو ابنه. لكن متوحشي فلوريدا من معارضي كاسترو وجدوا في الطفل سلاحهم الذي انتظروه طويلا, خاصة أن تأثيرهم خلال السنوات الأخيرة في الحياة السياسية الأمريكية انحسر, و لم يعد كما كان بعد أن فقدوا الملياردير (ماس كانوسا) , الذي كان زعيمهم الروحي وممول مغامراتهم ضد كاسترو, وممول العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي من أصحاب النفوذ والتأثير في السياسة الخارجية التي تملك تشديد الحصار على النظام الكوبي. من ناحية أخرى قررت الحيتان المتوحشة في الحياة السياسية الأمريكية من ديمقراطيين وجمهوريين استغلال الفرصة لسكب مزيد من الزيت على النار, وزيادتها اشتعالا أملا في جذب أصوات الناخبين من ذوي الأصول الكوبية في معركة الرئاسة الأمريكية, التي يخوضها جورج بوش الابن ونائب الرئيس الحالي (آل جور) , وكل منهما على استعداد لاستخدام أي سلاح يقع بين يديه للفوز بحفنة الأصوات التي تساعده على تحقيق هدفه. تردد الإدارة الأمريكية الحالية ما بين تنفيذ القانون حفاظا على حقوق الطفل ووطنه الأصلي, وما بين تطلعها إلى الأصوات التي يمكن أن يخسرها نائب كلينتون لو تمت إعادة الطفل بالقوة إلى بلاده وضعت الطفل الكوبي في مغامرة جديدة, تلك المغامرة التي قررت وسائل الإعلام الأمريكية أن تدخل طرفا فيها بحثا عن زيادة جمهورها, وذلك من خلال برامج وبث مباشر من داخل وحول البيت الذي يأوي الطفل, وكأننا على أبواب حرب عالمية ستشارك فيها القوات الأمريكية الآن ويقع مقر قيادتها في البيت الذي يسكنه الطفل (اليان) . كذلك الشركات الأمريكية الاستهلاكية قررت ألا تقف مكتوفة الأيدي إزاء حدث (مهم) مثل هذا, فتلهفت على دخول (المعركة) لتحقيق مزيد من الأرباح, و بدأت في إشعال حربها الخاصة, حرب إعلانية من خلال ملابس للطفل, وغذاء للطفل, وألعاب للطفل, إلى آخر تلك السلسلة من الوسائل الدعائية التي تجيدها شركات الدعاية والاعلان بغض النظر عن النتائج النفسية السلبية المحتملة على (البطل الصغير) . حتى الإعلام الغربي وجد خلال الأيام الماضية وسيلة لتهميش أحداث أكثر أهمية من خلال إشعال الحديث عن قضية (الطفل الغريق) , فقد تغاضى الإعلام الغربي كله وأغمض عينيه عن (قمة الجنوب) في هافانا ليحدثنا مراسلوهم عن ردود أفعال الشعب الكوبي تجاه قضية (اليان) , على الرغم من أن قضية هذا الطفل في عمقها من أهم القضايا التي كانت وراء عقد (قمة الجنوب) , لأنه ببساطة لولا التأثيرات السلبية للعولمة الاقتصادية ما كانت أم الطفل دخلت هذه المغامرة من أصلها, ولا كانت هذه القضية. من جانبه فيدل كاسترو لم يكن أقل حماسا في استخدام (الطفل الغريق) في حربه ضد الولايات المتحدة التي لم تهدأ منذ أربعين عاما, شهدت فيها أمريكا أقسى ما يمكن أن تشهده قوة سياسية كبرى, وهي هزائمها المتلاحقة في كل الأماكن التي واجهت فيها قوات كاسترو بدءا من هزيمتها الناتجة عن فشل عملية خليج الخنازير. في كل هذا لم يكن الطفل (إليان) سوى مجرد طفل يتيم فقد أمه ويبحث عن (وطن) قديم أو (وطن) جديد يأويه, الطفل إليان مأساة إنسان شاء حظه أن يعيش في عالم أقل ما يمكن وصفه به أنه (مصاص دماء) , كل من فيه على استعداد لاستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لنشر أفكاره, لذلك شكل (اليان) في كل هذا انموذجا للإنسان الضحية, الذي يمكن أن يكون مرفوضا في لحظة وفي لحظة أخرى يكون مطلوبا, ولكنه في الحالتين كلتيهما يؤدي دورا هو مجبر على أدائه. هذا الطفل الذي تحولت القوى السياسية في الولايات المتحدة فجأة إلى المطالبة بمنحه اللجوء السياسي, مع عبثية مثل هذا الطلب لطفل لم يبلغ السادسة من عمره, تقف ضد منح تأشيرة دخول الآلاف من الكوبيين إلى أراضيها مما يدفع المخدوع منهم بالحلم الأمريكي إلى المغامرة كما فعلت أم اليان, فكانت نهايتها المحتومة, وتسببت في هذ ا المشهد المأساوي الذي عاشه ويعيشه ابنها اليان, وتقف تلك القوى السياسية الأمريكية أيضا ضد منح مثل هذا اللجوء لمئات الآلاف الذين يعيشون بالفعل داخل الولايات المتحدة ويطاردهم البوليس ليل نهار, ويمثل بهم أبشع تمثيل. (معركة اليان) معركة مفتعلة, وكل أطرافها تشارك فيها بوعي من أجل تزييف مواقف الطرف الآخر, وآخر ما يهم جميع تلك الأطراف هو الطفل نفسه, أو آثار تلك المعركة على حياته المستقبلية. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا.