بقلم: نجيب عبدالله الشامسي على الرغم من اهمية الموروث الشعبي في المحافظة على شخصية المجتمع وهوية الانسان, باعتباره حصنا منيعا في مواجهة التحديات التي تواجه ثقافة المجتمع للحيلولة دون انصهارها في ثقافات الغير, الا ان الاهتمام بهذا الموروث الشعبي لم يكن بدرجة تحقق الهدف من حماية هذا الموروث سواء كان ذلك على المستوى الرسمي من خلال المؤسسات الرسمية كوزارة الاعلام والثقافة او المؤسسات الثقافية التابعة للحكومات المحلية, او على المستوى الاهلي من خلال الجمعيات الشعبية, وظلت الجهود المبذولة في هذا الاطار جهودا فردية تفتقر الى حد ما الى منهجية البحث وضعف الامكانيات. وفي ظل غياب استراتيجية ثقافية من اجل تكريس ثقافة وطنية يكون الموروث محورا اساسيا فيها فإن الجهود التي بذلت في هذا الشأن محدودة وضعيفة حيث لم تراع فيها العلمية و العامل الزمني والدقة في تحليل عناصره ودراسة جذوره التاريخية ومصادره. وفي هذا الاطار فقد ظلت تلك الجهود مبتورة الامر الذي سهل للثقافة الاستهلاكية والثقافات الوافدة الفقيرة المضمون اجتياح المجتمع وجعل الاجيال الحالية اكثر استيعابا لمثل هذا النوع من الثقافات الامر الذي انعكس على الشعور بضعف الولاء والانتماء لثقافة الاصل, واصبح السؤال الذي يطرحه هذا الجيل, ما الجدوى من البحث في الماضي وثقافة الاجداد في وقت دخل فيه مجتمع الامارات الالفية الثالثة حيث اصبح العالم قرية صغيرة, وثقافة الانترنت والفضائيات هي المسيطرة على العالم؟ كيف يمكننا ان نتمسك بثقافة الاجداد والامارات تسابق الزمن كي يصبح لها حضورها في الساحة العالمية كيف نغرس تراث الاجداد في فكر الاجيال الحالية فيما يحمل ذلك التراث اشكالا من المعاناة وقساوة الحياة؟ * لقد كانت كلمات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة والذي يتمتع بنظرته الثاقبة, ولاسيما في موضوع التراث, قد جسدت المعاني السامية التي يؤكد فيها على ضرورة الاهتمام بالموروث حيث قال سموه (من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل) مؤكدا على ان ركيزة الماضي هي ماض عريق بمدلولاته ومضامينه التي تحافظ على كيان المجتمع وتؤكد على ضوابط الانسان واخلاقياته وهذا الحاضر الذي صاغته تلك المضامين والمدلولات يشكل قاعدة الانطلاق نحو المستقبل الزاهر والواعد بالخير والتقدم. ثم كانت كلمته التي جاءت في مناسبة اخرى لتعزز هذا المعنى وهذه النظرة حيث قال (ان تفكيرنا الدائم في الماضي وعظاته, وتفكيرنا في الحاضر وآماله, وتفكيرنا في المستقبل وتطلعاته المشرقة, هو الذي سيقودنا دائما الى بناء وطننا وتقدمه ونهضته) وفي مقولة اخرى لسموه في هذا الاطار قال (التراث يمثل روح الشعوب وحكمتها وابداعاتها المختلفة, والامم تقاس بما لديها من تراث, وامة بلا تراث هي امة بلا ارض او شاطىء تحاول اللجوء اليه من بحر الضياع) مؤكدا سموه حسه العميق بأهمية هذا الموروث الذي يحافظ على تماسك المجتمع ويؤكد على هوية افراده وشخصيتهم امام عوامل التعرية التي اصابت هوية الانسان وشخصيته. * لم تشهد دولة في حجم الامارات انفتاحا اقتصاديا واجتماعيا كالذي شهدته الامارات في السنوات الماضية من عمر الامارات, حيث افرز هذا الانفتاح واقعا سكانيا غريبا اصبح فيه ابناء الامارات يمثلون اقلية في مجتمعهم وفي وطنهم, ومن الطبيعي ان هذا التدفق الهائل من العمالة الوافدة سوف يفرض واقعا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا مغايرا لما اعتاد عليه ابناء الامارات, فلا نستطيع القول بأن هناك ثقافة وطنية او اقتصادا وطنيا, او حتى مجتمعا محليا فالتركيبة السكانية جاءت لتفرض واقعا هو اقرب لان يكون واقعا دوليا من ان يكون محليا. ولعل في مستجدات هذا الواقع ومعطياته في السنوات القليلة الماضية ما يؤكد هذا الرأي, ولعل في تجارب الدول الاخرى كاستراليا وسنغافورة, وحتى الولايات المتحدة وكندا دليلا على معطيات هذا الواقع, ومن هنا فنحن امام تحد قوي وصريح يتجسد في استمرار مجتمع من عدمه, فذوبان ثقافة المجتمع المحلي واقتصاده ومكوناته الاجتماعية المتمثلة في الاخلاقيات والسلوكيات في محيط التدفق السكاني هذا, يضعنا امام تساؤل كبير هل ستكون هناك معالم محلية او وطنية, ام ان طوفان الوافدين سوف يمسح او يقتلع كل تلك المعالم والاثار ولن يكون هناك ما يمت او مايتم التعرف من خلاله على تاريخ المنطقة واثار شعبها سواء الماضي او الحاضر او المستقبل!! * ان السنوات الثمانية والعشرين الماضية من عمر الدولة قد افرزت واقعا ثقافيا هشا وضعيفا تبنته مؤسسات ثقافية غاب عنها التخطيط وغيبت هي الاخرى الثقافة الجادة المستمدة من اعماق المجتمع واصالته, وساعدت وسائل اعلامنا المختلفة على تسويق تلك الثقافات الهشة والفاسدة التي تتعمد الهدم لا البناء, الامر الذي يجعل من الموروث الشعبي احد اوعية الثقافة الجادة والنوعية ورافدا للتنمية الثقافية لمجتمع ينشد التقدم والازدهار, واحد المحاور الرئيسية في التخطيط الثقافي المطلوب وذلك متى وجد الاهتمام المناسب ومتى تم توظيفه على نحو يخدم قضايا التنمية الشاملة ولاسيما الثقافة الوطنية. وفي هذا الاطار فإن بحثنا عن الذات الثقافية والهوية الوطنية لمجتمع الامارات والتي تعاني من الضعف بفعل المتغيرات والتحوات التي شهدها المجتمع خلال تلك الفترة والتي افرزت ثقافات تفتقر الى البنية التنموية وتحمل بذور الانهيار لثقافتنا, يجعل عبء المسئولية كبيرا على المؤسسات والافراد ولاسيما المثقفون في الذود عن ذاتهم وهويتهم من خلال تحصين الثقافة بعناصر الموروث الشعبي اسهاما في صياغة الوعي والعقل الثقافي في الامارات. * ان دراسة موروثنا الشعبي من مختلف عناصره المكونة له والمجسدة لشموخه شعرا كان او تراثا قصصيا او فنا او العابا او الغازا, انما يعني ذلك دراسة التطور الاجتماعي الذي شهده مجتمع الامارات خلال تاريخه الطويل, ويؤكد على الجذور الحضارية العريقة لهذا المجتمع ومدى التطور الحضاري والنضج الابداعي والثقافي الذي وصل اليه انسان الامارات خلال مرحلة معينة. فالموروث الشعبي الذي يشكل مخزونا عميقا يحمل في طياته قيم الانسان وابداعاته انما هو صورة صادقة للمجتمع الحي بجميع اتجاهاته النفسية والفكرية والابداعية واي دراسة علمية تحليلية او تسجيلية لاي من جوانبه انما هي جهود تساهم في الحفاظ على الماضي برواسخه, فهذا الموروث يجسد حقيقة المجتمع والبيئة الثقافية التي نشأ فيها ابناء الامارات ومنهم المبدعون ادبا وكتابة, وبالتالي فإن دراستنا لهذا الموروث انما هي دراسة للبعد الاخلاقي والاجتماعي وتحليل لاعماق انسان الامارات وكيف استطاع الانسان في هذا المجتمع ان يواجه التحديات الطبيعية وقساوة الحياة انذاك من الجانب المادي, وكيف تغلب هذا الانسان بارادته الصلبة وايمانه العميق بارضه وانتمائه الشديد لشعبه على كل تلك الظروف وكيف قهرها. ان تجربة انسان الامارات الطويلة في وقتها, العميقة في معناها, العريقة في جذورها ومكنوناتها هي ضرورية لتعريف الجيل الحالي واجيال الغد التي لا تفقه عن ماضي الاجداد ولاتجارب الاولين الا القليل النادر, والتجربة هذه تعيد لها الايمان بنفسها وبأرضها وبعدها لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية. وليس هذا فحسب وانما استعراضنا لهذه التجربة وتقديم موروثنا الشعبي بالقالب الصحيح والمنهج العلمي السليم انما يشكل اكبر رد على المشككين في اصالة مجتمعنا وعروبة دمنا وثقافتنا وبعد نظرنا, وعمق تجربتنا وقدرتنا على تجاوز كل تحديات عصرنا هذا.. هذا بالاضافة الى ان الاهتمام بالموروث الشعبي يسهم في تنمية الشخصية الوطنية لدى جيل اليوم بحيث تملك هذه الشخصية قابلية التطور وتستوعب حركة الابداع الانساني بالاسهام فيه. * ان تأكيد اصالتنا الثقافية وجذورها التاريخية من خلال الاهتمام بعناصر الموروث الشعبي والتعريف بمفرداته الحية بهدف تكريسها وزرعها في عقول ووجدان اطفالنا واجيالنا من طلاب وطالبات المدارس والجامعات من خلال المناهج التربوية والبرامج الاعلامية والمكتبات وعقد الندوات واللقاءات انما يعني تجربة ناجحة في العملية التعليمية التي اضحى فيها الطالب لا يعرف عن ماضي ابائه ولا تاريخ وطنه سوى النزر اليسير الذي تمت الاشارة اليه في المناهج. كما ان صياغة ثقافة الطفل في الامارات من خلال تلك الوسائل ومن خلال دراسات تستند الى مقومات فكرية واجتماعية مستمدة من تراث هذا المجتمع يعني تكوين ثقافة متميزة ونوعية للطفل والجيل الناشىء تربطه بتراثه وتمده بمقومات واقعية وبروح امته العربية الساعية الى تحقيق تقدمها وتطورها, كما ان تعريف الاجيال الحالية بماضي الاجداد, انما يعني تعريفهم بالتجربة الغنية ومطالبتهم بالفهم الصحيح لعمق هذه التجربة ليتسلح بها هذا الجيل لمواجهة تحديات عصره وليتواصل من خلالها (اي التجربة) مع جيل الامس. وهذا التعريف من شأنه ان يعزز ثقة المواطن بوطنه ويعمق من انتمائه لارضه ويذكي روح الحب والولاء لثقافة اجداده وتراث وطنه, ويجسد نبراسا حيا في نفوس ابنائنا وافئدتهم وعقولهم ويسهم في صياغة منهاج حياتي لهذه الاجيال نظرا لما يحمله من معان وقيم واخلاقيات, وفي نهاية الامر لابد ان تفرز هذه المعرفة وهذا التواصل ثقافة جديدة وتجربة جديدة تجسدان تراثا غنيا يتركه هذا الجيل للاجيال المقبلة ليكون هذا التراث رافدا للثقافة الوطنية, وامتدادا حضاريا لشعب الامارات وجسرا ثقافيا مع الثقافة العربية الاسلامية فالانسانية وشاهدا على تاريخ المنطقة وجذورها الحضارية والتاريخية والانسانية. * ان النزعة الاستهلاكية هي سمة اساسية من سمات مجتمع الامارات خلال فترة الثماني والعشرين سنة الماضية, وهذه النزعة الاستهلاكية الجارفة اثرت بشكل كبير في البنية الاجتماعية والثقافية فضلا عن البنية الاقتصادية, لذا فإن البحث والتقصي عن المدلولات الاجتماعية والثقافية لمجتمع الامارات من خلال دراستنا للموروث الشعبي وغرس القيم والمعاني السامية المستمدة من هذا الموروث يساعد الى حد كبير في الحد من هذه النزعة الاستهلاكية التي اجتاحت المجتمع بمكنوناته ووحدته الثقافية والتراثية, ذلك ان هذه النزعة والرغبة الجامحة لدى افراد المجتمع لتغيير واقعهم المادي المعيش جعلتهم يتخلون عن الكثير من تلك المدلولات الاجتماعية والاخلاقية والسلوكية التي نشأ عليها السلف والاجيال الباقية ممن عاصروا المرحلة التي سبقت الطفرة البترولية وهذا السلوك الجديد لدى ابناء المجتمع ساعده جنوح الوافدين الذين اعتاد البعض منهم على سلوكيات مماثلة وكذلك توفر السيولة اللازمة لتغيير هذا الواقع وتجسيد هذا السلوك, وكل هذه العوامل ادت الى تغييب الوعي الثقافي والابداع الفكري وبروز النزعة الاستهلاكية, والتشدق بعد ذلك بثقافات وافكار وسلوكيات فكرية لا تمت بأية صلة الى واقعنا الثقافي والاجتماعي وحتى الاخلاقي واصبح البعض من المفكرين والادباء والكتاب يتعاطون هذه السلوكيات الثقافية ليس من منطلق التطوير والابداع وانما من منطلق مجاراة الاخرين والسير في طريقهم وتبني افكارهم والولوج في ثقافتهم بينما نبذوا ثقافة الامس وسلوكيات الاجيال الاصلية وكأن هذه الثقافة او هذا الموروث يمثل لهم تخلفا او ثوبا باليا يتطلب تطورهم وابداعهم وسلوكهم الحضاري ان يخلعوه عن انفسهم او حتى يحجروا عليه في محاجر الزمن. انها الحقيقة التي مازال يعاني منها المجتمع لذا فإن الموروث الشعبي يعتبر معينا غنيا ورافدا مهما في التركيبة الثقافية وفي الوعي الاخلاقي والسلوكي والحضاري لمن يرغب في نهج الثقافة والابداع والنهوض بنفسه وبمجتمعه فالماضي بكل معانيه هو حجر الاساس في معطيات الحاضر, وهذه المعطيات متى كانت اصيلة وحقيقية فإن مستقبلا باهرا ينتظر الفرد المبدع والانسان عامة والمجتمع بأسره. كاتب وباحث من الامارات