بقلم: د. تيسير الناشف للحضارة تعريفات مختلفة, ووفقا لاحد التعريفات الحضارة (تطور تدريجي للعلوم وللفنون ولفن الحكم (او فن ادارة شئون الدولة) وللطموحات البشرية وللتعلق بالقيم الدينية والروحية وينطوي هذا التعريف على مفهوم التدرج في الانجاز الحضاري, مفهوم الحضارة التي تتطور تدريجيا. ووفقا لهذا التعريف توجد درجات او خطوات او مراحل مختلفة للحضارة. وهذا التعريف الذي يؤخذ به في هذا العرض. احد المقاييس المهمة للقيم الطيبة للكائن من فرد او مجتمع بشريين وللدولة هو انشاء وتطوير الحضارة ذات القيم التي لها آثار طيبة وقد أنشأت شعوبا كثيرة وطورت حضارات ذات شأن, واسهمت الى درجات مختلفة في الحضارة العالمية, وموضوعيا لا يمكن لشعب او لفرد بشري ان يدعي او يزعم باحتكار ايجاد الحضارة. لقد نشأت وتطورت حضارات متقدمة وعريقة في بلاد الرافدين ومصر وبلاد الشام, وتجلت هذه الحضارة في الزراعة والري وحفر القنوات, وإقامة الممالك, ونشوء الاديان والمعابد, واستعمال المعادن, وتشييد الاهرام, وبناء السفن, وأنظمة الحكم والادارة والرياضيات والقانون والتقويم والكتابة وانتاج الورق والادب والفن وغيرها. لقد انشأ العرب بالمعنى الثقافي واللغوي الاوسع في العصور الوسطى وحتى القرن الخامس عشر حضارة عظيمة ولافتة للنظر وذات اثر باق في الحضارة العالمية, عظيمة بتفسيرها وفهمها للظواهر البشرية والطبيعية, وبتنظيمها للعلاقات البشرية وللعلاقة بين الكائن البشري والمحيط الطبيعي, وباقية بمعنى الصحة الدائمة لبياناتها الواقعية فيما يتعلق بالمجتمع البشري والطبيعة وما وراء الطبيعة, وعالمية بمعنى ان بعض المقولات المتبصرة لهذه الحضارة في المجتمع البشري والطبيعة وما وراء الطبيعة تم تبنيها والاستفادة منها, وان لهذه المقولات تأثيرا على الصعيد العالمي. لقد تأثر عدد كبير من العلماء والمنظرين والمؤرخين الاوروبيين في عهد الانبعاث والنهضة الاوروبيين في صيغهم النظرية المتعلقة بالمادة والمجتمع وما وراء الطبيعة والكتابات العلمية العربية اما في اصلها العربي او في ترجماتها الى لغات مثل اللاتينية والاسبانية والفرنسية والانجليزية. تفاعل حضاري ومن المعروف ـ على اساس الاثار البشرية القديمة والتاريخ البشري المدون ـ انه نشأ تفاعل بين الحضارات, وتوقف مدى هذا التفاعل على عوامل شتى من اهمها مدة هذا التفاعل وكثافته والقرب الجغرافي للشعوب ذات الحضارات بعضها من بعض, والقدرة الامتصاصية الذهنية والثقافية لشعب على تلقي وتمثل خصائص حضارية, والتأثير السياسي الذي يمارسه شعب ذو حضارة على شعوب متلقية للحضارة. وهذه العوامل نفسها تتفاعل بعضها مع بعض, وهي بدورها تتفاعل مع متغيرات اخرى من قبيل النظام السياسي والاقتصادي والثقافي لمجتمع او لدولة. لقد اثرت الحضارات الاشورية والفارسية والهندية والمصرية والبيزنطية واليونانية في الحضارة العربية الاسلامية, واثرت الحضارة المصرية الافريقية القديمة في الحضارة اليونانية, واثرت الحضارة العربية الاسلامية في العصور الوسطى في الحضارة الاوروبية, وكانت عاملا رئيسيا او عاملا هاما ـ على الاقل ـ في النهضة الاوروبية التي شكلت الاساس الفكري للغرب كما نعرفه اليوم. وفضلا عن وجود التأثير المتبادل بين الحضارات يوجد اختلاف في مدى التأثير الذي تمارسه حضارة واحدة في حضارة اخرى. ويتوقف مدى هذا التأثير على عوامل, منها مدى الحرية الفكرية ومدى قدرة الحضارة على اقامة التوازن بين المقتضيات المادية والروحية للكائن البشري, والمراحل التي كانت الحضارات تمر بها حينما حدث الاتصال بينها. وعلى الرغم من تسليم عدد من العلماء الغربيين بحقيقة ان النهضة الاوروبية تعزى الى اسباب من اهمها نقل الحضارة العربية الاسلامية, وبالتالي ممارستها للتأثير, فإن كثيرين من العلماء الغربيين ينكرون وجود هذه الحقيقة او يتجاهلونها او يستخفون بقيمتها. ولأسباب منها النية المتعمدة, لم تشع هذه الحقيقة في الغرب. الكثيرون من الناس العاديين في الغرب لا يعرفون وجود هذه الحضارة, ناهيكم عن قيامها بدور هام في النهضة الاوروبية من العصور المظلمة. ومن الحقائق التاريخية ان عقولا عربية وغير عربية اسهمت في البيئة الحضارية التي اوجدتها الدول العربية والاسلامية في العصور الوسطى اسهاما اصليا في الحضارة. ان اسماء علماء وفلاسفة من قبيل الكندي وابن حزم وابن خلدون وابن العربي وابن رشد والفارابي وابن سيناء والمعري وغيرهم الذين يعدون بالآلاف مثبتة في تاريخ الحضارة. ولا يمكن موضوعيا انكار الاسهامات الاصلية والثقافية لهؤلاء في ميادين المعرفة البشرية الكثيرة, ومما له صلة بالموضوع ان نقول ان كتبا علمية وفلسفية عربية كانت حتى القرن السابع عشر من الكتب المقررة في بعض الجامعات الاوروبية. ويروى ان طبيبا عربيا كان ينصح في وقت من العصور الوسطى طبيبا اوروبيا بألا يستعمل فأسا وبأن يستعمل بدلا من ذلك سكينا حادة لازالة تورم في جسم مريض. ان تراثنا الحضاري الذي لم يكتشف بعد قدر كبير منه برهان ـ اذا وجدت حاجة الى برهان ـ على اننا شعب ذو حضارة عريقة. وخصائص حضارتنا مودعة في كتبنا وفي مخطوطاتنا التي تحصى بمئات الآلاف والتي لم تنشر بعد الاغلبية الساحقة منها. ان ايجاد او عدم ايجاد شعب من الشعوب لحضارة يتوقف على مزيج من الظروف المناخية والاجتماعية بالمعنى الاوسع للعبارة, بما في ذلك الظروف السياسية والاقتصادية والنفسية والتاريخية والقانونية والايديولوجية. ان ذلك الايجاد او عدم الايجاد نتيجة ذلك المزيج. ومما يؤيد هذا القول الحقيقة المعروفة ان كائنا بشريا معينا او جماعة بشرية معينة قد لا تنتج اثارا حضارية في محيط اجتماعي معين, وقد تنتج هذه الآثار في بيئة اجتماعية مختلفة. من المعروف على سبيل المثال ان افرادا من الوطن العربي في الوقت الحاضر لم تكن لهم منجزات مهمة في ميدان العلم في بلادهم الاصلية وضعوا في الولايات المتحدة مؤلفات علمية تشكل يقينا اسهاما في الحضارة في ميادين الطب والفلك والنقد الادبي والتاريخ وغيرها. وعلى نفس المنوال كانت شمال افريقيا وآسيا الجنوبية الغربية العربية في اوقات معينة اراض فيها سادت ظروف اجتماعية معينة افضت الى القيام بالنشاط العلمي الذي كان له اثر دائم في الحضارة العالمية. التأثر والتأثير لقد وضعت نظريات كثيرة في ارتقاء الحضارات وانحطاطها. والنظرية اداة لوصف الظواهر الاجتماعية والطبيعية ولتفسيرها وللتنبؤ بها. والتفسير هو الكشف عن علاقات سببية بين الظواهر الاجتماعية او الظواهر الطبيعية او الظواهر الاجتماعية والطبيعية. لقد وضع علماء وفلاسفة ومؤرخون عرب وغير عرب نظريات في ارتقاء الحضارات وانحطاطها, ووضع ابن خلدون وتوينبي, على سبيل المثال, آراءهما النظرية في هذا الموضوع, وان علم النفس والعصبية الدينية والقرابة الدموية والمناخ وهوية الذين يسيطرون على وسائل الانتاج وهوية النخبة السياسية وغيرها من الظواهر حظيت بمكان هام في محاولة تفسير ارتقاء الحضارات وانحطاطها. في هذا العرض يجري تفسير ارتقاء الحضارات وانحطاطها باستعمال مفهوم النتيجة الصافية عن تفاعل القيم الانسانية في المجتمع البشري. المجتمع البشري يعني وجود مجموعة من البشر يعيشون في محيط من العلاقات الاجتماعية تحيطه بيئة طبيعية مقيدة (بكسر الياء) وفي اي مجتمع بشري فإن التأثير الذي يستمد من مصادر متعددة يمارسه افراد وجماعات على افراد آخرين وجماعات اخرى, ويعني التأثير جعل شخص او اكثر من شخص يقومون بشيء ما او يمتنعون عن القيام به, وتوجد مصادر فكرية وعاطفية ونفسية واقتصادية وغيرها من مصادر التأثير. ولكل انسان قيمه, وتعرف القيمة بأنها خاصية الظاهرة التي بسببها ـ اي بسبب الخاصية ـ تحظى الظاهرة بالتقدير او تصبح مرغوبا فيها او مفيدة. وتوجد قيم اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية وغيرها, والقيم تلبي حاجات بشرية, منها الاعتزاز بالنفس على سبيل المثال الذي يفي بحاجة نفسية, نظرا الى انه يطمئن الذات. وللكثير من القيم صبغة مؤسسية, العادات والزواج وانشاء الجامعات امثلة على قيم ذات صبغة مؤسسية. والقيم اما ان تكون لها اثار طيبة او آثار سيئة. النظام الخلقي العام والنظام الثقافي العام السائد ومفهوم الرفاه العام للمجتمع والضمير الجماعي ـ هذه هي بعض العوامل التي تقرر ما هي القيم التي لها اثار طيبة واثار سلبية على الصعيد العالمي, وهناك قيم اخرى قد تكون لها اثار طيبة في بعض المجتمعات وآثار سيئة في مجتمعات اخرى. وبالعكس فالتحرر من الخوف, والتعليم, واعتبار الذات, والنزاهة والاحساس بالمسئولية وحب الوطن واحترام الاجداد وبعث الآثار الحضارية امثلة على القيم. وكثير من القيم التي لها آثار طيبة تتداخل بعضها في بعض كما تتداخل قيم كثيرة ذات اثار سيئة بعضها في بعض بمعنى ان قيمة ذات اثر طيب يمكن ان تنتمي الى مجالين او اكثر من مجالات القيم. على سبيل المثال, التحرر من الخوف قيمة نفسية واقتصادية واجتماعية وسياسية. دور تنظيمي يجري التفاعل بين مختلف القيم. وهذا التفاعل نشيط (دينامي). وفي هذا التفاعل تؤثر القيم بعضها في بعض, تأثيرا بطيئا او سريعا, وتدريجيا او جذريا, وجزئيا او كليا, او تغير بعضها بعضا, او تضعف بعضها بعضا او تعزز بعضها بعضا او تتناقض بعضها مع بعض, او هي محايدة فيما يتعلق بتأثير بعضها في بعض. وتتفاوت القيم من ناحية مدى تحقيقها. من هذه الناحية يمكننا ان نتصور وقوع القيمة على خط يبدأ من المفهوم المجرد الى التحقيق التام, والانسان هو اداة تحويل القيمة المجردة الى القيمة المحققة. البشر هم وكلاء هذا التحويل, هم الفاعلون المحققون للقيمة. المجد قيمة مجردة لتحقيق هذه القيمة او لجعلها ملموسة, من اللازم ان تتخذ الوكالة او الاداة البشرية اجراء مثلا تخليص امة من التخلف, وهو التخليص الذي يستحق النعت بأنه (مجيد) . والقيم سواء كانت مجردة او محققة تختلف في مغزاها بالنسبة الى حالة المجتمع البشري, وتختلف في نطاق تأثيرها في هذا المجتمع. من القيم التي لها اثر طيب في بعض قطاعات المجتمع العربي اطلاق الرصاص في الجو احتفالا بعقد قران مثلا او بمناسبة سعيدة بيد ان المغزى والفائدة الاجتماعيين لهذه القيمة ليسا مثل الاثر الطيب للحس بالعدالة والحرية والديمقراطية والحرص على الحياة وأولوية المصلحة العامة وتفادي النفاق وتشجيع طلب العلم وتحرير المرأة وازالة الامية والتخلص من الفقر واستئصال او تقليل التباين الاقتصادي والاجتماعي وازالة مركب الشعور بالنقص وتفادي المبالغة وغيرها. وعلى الرغم من ان القيم في حالاتها الواقعة بين التجريد والتحقيق تمارس تأثيرا في قيم اخرى فإن للقيم المحققة تأثيرا اكبر وكما انه يمكن ان نتصور القيمة من حيث مدى تحقيقها واقعة على خط يبدأ من المفهوم المجرد الى التحقيق التام فإن تأثير القيمة ايضا يمكن ان نتصوره واقعا على خط يبدأ من القيمة في شكلها المجرد الى شكلها المحقق. واذ نبدأ من الشكل المجرد كلما زاد تحركنا عى الخط صوب تحقيق القيمة زاد تأثير تلك القيمة في المجتمع. وقد ذكرنا ان الافراد هم المحققون للقيم, حيث يقوم تأثير متبادل بين الافراد ذوي القيم ذات الاثر الطيب وذات الاثر السيء الممارسين للتأثير. ان قيم الفرد ذات الاثر الطيب والسيء هي التي تقرر له في اطار البيئة الطبيعية المقيدة (بكسر الياء) كيف يجعل القيم ذات مفعول في هذا التفاعل النشيط ويكف يستعمل او لا يستعمل مصادر التأثير التي يمتلكها في ذلك التفاعل. وبالتالي فإن نتيجة ذلك التفاعل ذات اتجاه قيمي. وان هوية الناس ذوي النفوذ الاكبر, وحكام المجتمع والاشخاص المتحكمين وموجهي المجتمع هي نتيجة التفاعل الدينامي للناس اصحاب مصادر النفوذ المختلفة الآخذين بمجموعات القيم ذات الآثار الطيبة والسيئة. وبعبارة اخرى فإن الاشخاص الذين يمارسون نتيجة عن هذا التفاعل قدرا اكبر من التأثير يصبحون المؤثرين الرئيسيين اي حكام المجتمع. المجتمع البشري يجري تنظيمه على مختلف المستويات في ميادين الحياة العديدة. ويقوم المؤثرون الرئيسيون في المجتمع, اي حكام المجتمع بهذا التنظيم ان كميات التأثير يمكن ان تصنف باعتبارها طبقات او مستويات من التأثير بدءا من مستوى ادنى من التأثير وحتى نهاية المستوى الاعلى منه وكلما زاد مستوى التأثير ارتفاعا زاد شمول ومغزى اثره على ذلك المستوى وعلى المستويات الاخفض ولحكام المجتمع التأثير الاكبر على المجتمع عموما. ومن شأن المجموعة الحاكمة الملتزمة بقيم مثل المسئولية العامة والوطنية والتحصيل العلمي ان يكون لها تأثير اكثر شمولا واهمية في تحقيق تلك القيم في المجتمع من التأثير الذي يمارسه رئيس لمجلس بلدي, اي فرد او مجموعة تمارس التأثير على مستوى اخفض. وكلما زاد ارتفاع مستوى مصدر التأثير الذي يمارسه الناس ذوو القيم التي لها آثار سيئة ازداد الضرر اللاحق بالمجتمع وبالعكس اي كلما زاد ارتفاع مستوى مصدر التأثير الذي يمارسه الناس ذوو القيم ذات الآثار الطيبة عادت على المجتمع فائدة اكبر. وفي التفاعل بين القيم ذات الآثار الطيبة والسيئة تكون الغلبة فيه للقيم ذات الاثار الطيبة على القيم ذات الاثار السيئة, والذي يكون فيه مصدر التأثير على المستوى الاعلى اناس ذوو قيم ذات آثار طيبة هو المجتمع الذي يكون فيه احتمال اكبر لازدهار الحضارة, لان ذلك المجتمع هو المجتمع الذي يحتمل احتمالا اكبر ان تقام فيه العدالة والامن والانسجام وهي بعض الاسس الرئيسية للنزعة الى الابتكار والابداع والانعتاق الفكري والعاطفي. الحرية والابداع في الاراضي العربية تسود في الوقت الحاضر قيم غير قليلة لها اثر في اعاقة ازدهار الحضارة. ممارسة الحرية مسئولية كبرى عن ارتقاء الحضارة وادميتها وعلى الرغم من ان من الصعب قياس الحرية او الاتفاق على ذلك القياس فإن تحقيق قدر ادنى من الحرية من شأنه ان يساعد على ازدهار الحضارة, والمقصود بالحرية الحرية السياسية والحرية الفكرية وحرية التعبير عن الرأي والديمقراطية والتمثيل الحقيقي. ويتناقض الطغيان والبغي والاستبداد والاملاء مع ازدهار الحضارة. والمجتمع الذي لا تمارس فيه الحرية الفكرية والسياسية يصعب عليه ان ينتج حضارة متطورة تدوم وقتا طويلا لان الابداع يسهم في انتاج الحضارة, واعضاء المجتمع الذي يفتقر الى الحرية يصعب عليهم ان يكونوا مبدعين, بالنظر الى ان انعدام الحرية والخوف من نتائج ممارسة الحرية يزيلان او يضعفان الدافع النفسي والفكري الى الابداع. في مثل هذا المجتمع فإن الميل الى الابداع اذ يثبطه النظام القيمي السائد, ينكمش او يختفي او يبقى ساكنا. ومما لا يقبل الجدل ان الحرية السياسية والفكرية منعدمة في اجزاء كثيرة من العالم, ويوجد قدر من العداء للمفكرين وللنزعة الفكرية والفلسفية, مما يجعل المفكر الحر مفكرا خائفا وقلم المفكر او قلم المفكرة يرتعد خوفا. ومما يزيد الامر سوءا التبعية الاقتصادية القوية والدائمة وفاقة الاغلبية الساحقة من الجماهير العربية. قسم كبير من هذه الجماهير فقير وسيء التغذية وذو مستوى تعليمي منخفض, ويعيق الفقر ازدهار الحضارة بالنظر الى ان هذا الفقر يضعف التفكير او يشتته او يفقد الكائن البشري توازنه. والمجتمعات البشرية تتطور, وفي ظل ظروف معينة من شأن هذا التطور ان يؤدي الى اختفاء الطابع الديمقراطي او الى نشوء النظام الاستبدادي. ان المجتمعات العربية, التي كانت خاضعة للحكم العثماني طيلة قرون, خضعت في وقت لاحق للحكم الاستعماري الغربي الذي اسهم في تعطيل العملية الطبيعية للتطور الاجتماعي, وكان ذلك التعطيل عاملا ذا شأن في منع نشوء انظمة ديمقراطية في بعض الاراضي. وتختلف المجتمعات البشرية بعضها عن بعض في طبيعة القيم التي تفي بالحاجات البشرية. في بعض المجتمعات ثمة ميل اكبر الى الوفاء بالحاجات البشرية عن طريق تحقق قيم ذات اثر سيء, وفي مجتمعات اخرى العكس هو الصحيح. المجتمع الذي يميل فيه الناس الى الوفاء بحاجاتهم عن طريق تحقيق قيم ذات اثار طيبة مجتمع يوجد فيه احتمال اكبر لأن تنشأ الحضارة وتزدهر وتدوم وقتا اطول فيه, لان تلك هي القيم التي تفضي الى الانسجام والطمأنة الاجتماعيين والثقة بالذات والتشجيع الاجتماعي والامن الاجتماعي, ومعالجة القضايا من منظور المصلحة العامة وهي بدورها تشكل الاساس للانعتاق الفكري والعاطفي. وكما اسلفنا فإن نشوء الحضارة وتطورها ينطويان على الابداع, يعني او يتضمن الانحراف عن الامتثال او الالتزام المعياري, المجتمع الذي يسود فيه الامتثال المعياري وخصوصا الامتثال المعياري الصارم مجتمع فيه يحبط التشجيع على الابداع و(أو يقيد) و(أو يتعرض للمعارضة) و(أو يهمل) . ويشاهد الامتثال الاجتماعي المعياري في اجزاء مختلفة من البلاد العربية. الامتثال المعياري الاجتماعي المهيمن يضعف الميول نحو الفردية الفكرية, ويؤدي الى غمر الفردية الشخصية في الجماعية الفكرية الاجتماعية, والى الامتثال الجماعي, تقلل هذه الحالة احتمال نشوء الحضارة واحتمال ازدهارها الى ان الابداع ناجم الى حد كبير عن الشخصية الفردية الفكرية غير الممتثلة. وتشجع الملكة الفكرية تشجيعا قويا نشوء الحضارات وازدهارها والحاجة ماسة الى توفر ملكة تفكر تفكيرا واضحا ومنطقيا ورشيدا وموضوعيا ومتجردا ومبدعا مهما امكن ذلك والتعليم والتنشئة من الآليات التي ينبغي ان تناط بها مهمة تعزيز الملكة الفكرية. من المهم لنا ابناء الشعب العربي, ان نستعيد مكاننا الحضاري وان نشغله على هذا الكوكب وان نبعث الجوانب الطيبة في تراثنا الحضاري وان نكون في صفوف الذين يسيرون على طريق الحضارة طيبة الخصائص في الوقت الحاضر. ما هو السبب في اهمية ذلك؟ انشاء الحضارة مقياس للفكر البشري او مؤشر او دال عليه, في اوقاتنا, كما كان الامر في اوقات غابرة كان فيها الفكر الطيب او انعدامه مقياسا هاما به تحترم الشعوب او لا تحترم بعضها بعضا من السليم والطيب ان نبدي تملكنا لملكة الابداع الفكري حتى نكون محترمين. العرب والتحديات ثانيا للكائن البشري اثر قوي في ادارة شئون الحياة على الارض والبيئة المادية حوله وحتى نكون ذوي اثر قوي في هذه الادارة نحن بحاجة الى انشاء حضارة نحقق بها هذا التأثير. وثالثا فإن اشد قيمنا اهمية وبقاءنا تهددها قوى كبيرة متحدية على نحو غير عادي من الخارج في كل ميادين الحياة العسكرية والامنية والاقتصادية والنفسية وغيرها, في الوقت الذي فيه لم نحشد القوة الكافية لصد هذه القوى, وفي الوقت الذي فيه تمارس هذه القوى السيطرة, ولم تبعث وتنشر الوجوه الطيبة لحضارتنا العربية الاسلامية وذلك لتعزيز مركزنا الحضاري ولصد هجمة القيم الغربية ذات الآثار السيئة, ولا تمكن مقاومة هذه التحديات القوية وكبحها والتغلب عليها دون انشاء حضارة قوية مبدعة طيبة تجعل من الممكن ان نتغلب على هذه التحديات المهددة للبقاء. ان من الصحيح ان للعرب في الوقت الحاضر بعض الجوانب الحضارية البارزة كما تتجلى في ميادين مثل الادب والابحاث وفن العمارة والرسم والتصوير والموسيقى والتخطيط والتنظيم الحكومي والاداري والاقتصادي وغيرها, غير ان العرب يجب عليهم ان يقطعوا طريقا طويلا ليصبحوا اقوياء حضاريا وليردموا الفجوة الواسعة او على الاقل ليضيقوا الفجوة القائمة بينهم وبين البلدان الغربية, هذا الطريق طويل بسبب ما عشش في النفوس العربية وفي الوعي واللاوعي العربيين ولما نما وترعرع في المجتمعات العربية من الوان المفاسد والادواء المهلكة. وكما اسلفنا فإن تحقيق الحضارية يتوقف على التفاعل, عن طريق الوكالة البشرية, اي افراد المجتمع, فيما بين مختلف القيم الدينية والاقتصادية والسياسية والنفسية والثقافية والتاريخية في محيط اجتماعي معين تحيط به بيئة طبيعية مقيدة, مع العلم بأن تأثير هذه القيم يختلف تبعا لمدى تحقيق هذه القيم. والظواهر تختلف بعضها عن بعض في بساطتها وتعقدها, وكلما زاد عدد القيم التي تدخل في عملية التفاعل في ايجاد الظاهرة ازدادت الظاهرة تعقدا, وبالنظر الى كثرة وتغير القيم التي لها دور في انشاء ظاهرة الحضارة تتسم هذه الظاهرة بالتعقد, وبسبب هذا التعقد لا يمكن تفسيرها والتنبؤ بها وبتطورها إلا بلغة الاحتمال. ختاما ومن منطلق هذا التفكير فإن اعطاء الاولوية لبعض القيم مثل الحرية الفكرية في مجالات متعددة وللتحرر من العوز الاقتصادي, ولتوفر مناخ اجتماعي واقتصادي وسياسي مشجع للتجديد والتفكير, والالوية للتنشئة على التفكير وعلى توخي طرق عملية لمكافحة التحديات المهددة, بالاقتران بأضعاف القيم ذات الآثار السيئة مثل النزعة الى طمأنة النفس التي لا مبرر لها والمبالغة والتقليد الاعمى والطغيان السياسي والاجتماعي وتهميش المرأة والاتكالية والاستخفاف باعتبارنا لانفسنا حيال الاجنبي وخصوصا الغربي, واستخفافنا بتراثنا الحضاري الطيب وغيرها, هذه الاولوية وهذا الاضعاف يحتمل احتمالا كبيرا ان يكونا مفضيين ـ لو تحققا ـ الى انشاء حضارة عربية طيبة وقوية ومتقدمة ومحترمة عالميا. باحث متخصص بدراسات الشرق الاوسط بالولايات المتحدة