اعداد: حسين علي الحمادي مما لاخلاف فيه ان دولة الامارات العربية المتحدة, اكدت وحدة شعبها منذ قيام اتحادها انطلاقا من وحدة العقيدة والوطن, ووحدة اللغة والثقافة, ووحدة التاريخ والشعور, ووحدة الارادة والمصير. والتربية هي الاداة الفاعلة التي تعمق هذه المقومات من خلال تفاعل عملياتها مع المتعلم ومجتمعه كما انها المنطلق والمنطق الذي يوجه الافراد نحو تجاوز التخلف والجهل, ومواجهة التحديات الصعبة والخطيرة التي تواجه مجتمعنا, والمتمثلة بالاخطار الصهيونية والتركيبة السكانية, وحاجات الأمن الثقافي والبيئي والصحي والغذائي, واخطار المخدرات والزحف الصحراوي وظاهرة الامية الادارية والتعليمية, وما يتفرع عن هذه الاخطار والقضايا من مشكلات آنية ومستقبلية. هذا ما جعل التربية والتعليم من اولويات السياسات التي ينبغي ان تحظى بنظرة اتحادية شاملة واحدة, وبعمل او جهد اماراتي مشترك. كما تتطلب مسارا (وسيناريو) واضح النهج محدد المخط والمعالم. إذ لا يمكن للتربية والتعليم في دولتنا ان تحقق مزيدا من الاهداف, وخاصة في رؤيتها الاخيرة الى 2020 دونما تجديد في نوعية التعليم واساليبه وزيادة كفاية النظام التربوي الداخلي والخارجي وتحقيق ملاءمة التعليم مع متطلبات المجتمع الاماراتي وسوق العمل الممزوج بالعادات والتقاليد الاسلامية. فالتربية والتعليم مازالا مجمدين في مناهجها ودورهما اما غائب او متعثر او محدود في تعديل مسار المناهج منذ قيام اتحادنا وينبغي لها ان تتمحور في حياة العمل والانتاج من جهة, وفي مجالات الابداع والابتكار من جهة اخرى. الشجرة التعليمية تتبع اهمية هذه الدراسة من مشروع المستقبل الاماراتي وبالتحديد من امارة دبي والدعوة التي غرس اولى لبناتها الاساسية رسميا في القرن الحادي والعشرين الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع, الذي طلب بسرعة تغيير المناهج الدراسية الحالية التي لا تواكب العصر, الى مناهج تتبناها استراتيجية الانطلاق التعليمية التي توقد في ابنائها الوعي والارادة المصممة على التغيير الذي يحقق التقدم والاستقلال والقوة, التي هي سبيل الحياة وسط المنافسة الشرسة ونادي الاقوياء في هذا القرن. وحين نمعن النظر بمشروع المستقبل الاماراتي علينا ان نتذكر ان هذا المشروع تنطلق صياغته من البنية التعليمية في فلسفتها ونظمها ولوائحها, والتي انبثقت من مفهوم الشجرة التعليمية الذي يرتبط فيه التعليم بأرضه وتربته ومناخه وجذوره, فبغير هذا الاصل والانتماء لا يكون للتعليم فعالية وحياة. ومفهوم الشجرة التعليمية يفيد النماء المستمر. أي يتحول التعليم الى كيان حي دائم الحركة والنمو يغرس في الناشئة مفهوم النمو المستمر في تعليم مدى الحياة. ومفهوم الشجرة التعليمية يقوم على وجود جذع اساسي واحد الا وهو (المنهج) الذي لابد ان يمر به كل ابناء هذا الوطن ليكتسبوا معا الاساسيات والتوجهات التي تكفل للوطن وحدة الفكر والاتجاه, ثم يتفرعون بعد هذا القدر المشترك الى فروع واغصان متنوعة بعد الجذع (المنهج) مما يمكن المتعلم من ان يتسلق ايا منها حسب قدراته واختباراته. وهي بما تمثله من نماء وامتداد التوجه في صياغة البنية التعليمية تتيح للمتعلم ان ينتقل من فرع الى فرع اذا ما توافرت له الرغبة والقدرة والامكانات وسمحت بذلك طبيعة الفرع, فالتعليم وفق هذا المفهوم والمنهج مرن متنوع ليس له سقف محدد, فنهاياته مفتوحة تسمح بالامتداد والنمو. ودور وزارة التربية والتعليم والشباب في رعاية هذا الجذع (المنهج) ستشجع المعلم في رعاية هذه الشجرة النامية من (المتعلمين) وسوف يصبح دوره دور وعي وتفهم لما يعين على ازدهار هذه الشجرة وما يؤجج جذور الحياة داخلها, ينطلق في اساليبه من يقين بأن النبت لا ينمو بالقسر (ما نلاحظه في مناهجنا) بل بالاهتمام والرعاية, ولا يزدهر بأن يفرض عليه نمط مستور خارجي النمو فكنوز هذه الشجرة داخلها, ودور وزارة التربية والمعلمين ان لهذا النمو الانفتاح على الحياة بأجوائها وشمسها وهوائها فتنطلق من داخلها حركة النماء. مشكلة وأهداف تستهدف الدراسة الحالية رصد الحاجة الماسة في دولة الامارات الى الاتجاه لتطوير المناهج لترسي وتغرس في الاجيال المقبلة (أجيال العولمة الاسلامية) مفاهيم الوحدة والانتماء وتعمق في الاطفال منذ بواكير الطفولة اهمية التربية والتعليم وحاجات المجتمع الاماراتي ومتطلباته الاساسية وتبني التخصص العريض لمواجهة عالم متغير ليكون التعليم بوتقة هذه الدولة الذي يصهر فكرها في اصالتها ونقائها ويوحد التلاحم بين ابنائها وتحمي به ما هو سائد الآن في منهجية الحفظ والحشوالزائد المنثبقة من المنهجية الضيقة المتعصبة الثابتة. ورحلة الاعداد لمنهجية جديدة لمواجهة القرن الحادي والعشرين وعولمته تتطلب التخلص من قيود واثقال تشدنا الى الخلف وتمنع تحركنا الى الامان وتخلصنا من مشكلات سكانية واقتصادية واجتماعية وسياسية تتبناها اولويات الانفاق وامور يعرفها الجميع, ونحن هنا ليس بصدد التعرف على رصد الارقام والدراسات وانما نبحث عن الانفاق التربوي الذي نستطيع من خلاله تحدي المستقبل المخيف, فالحاضر وما تحتويه مناهجنا ايضا ينم بوضوح عن وضعنا المستقبلي. ان التنوع في المنهج الدراسي بما يخدم كافة قطاعاتنا سواء كانت حكومية او غير حكومية قوة وثراء شيء مطلوب ولكن التنوع شيء والتشتت والتشرذم شيء آخر , كما هو حاصل الآن, فلا تنسيق بين جميع القطاعات, وهو الذي اوصل مناهجنا الى هذا التشتت والتشرذم والضعف في مخرجات التعليم وتهميشه. وجعل القدوم الى المدارس من اجل الحصول على شهادة فقط! فإلى متى سيظل هذا التشتت والتشرذم والحلول في ايدينا؟ وها هي الدول الاوروبية لم تمح اسم اي منها من الخارطة بل نسقت بين جهودها ومواردها وسياستها لتواجه العالم مجتمعة لا منفردة. ان تربية القهر لا تحصد الا العبد الخاضع المذعن امام التحديات والذي يوليها الظهر عند مواجهتها تاركا للسيد وحده مسئولية مواجهتها! وقد يثار تساؤل في هذا المجال. متى ستقوم وزراة التربية والتعليم والشباب بتطبيق رؤية 2020 الخاصة بالمناهج؟ للاجابة عن هذا السؤال وكما تعودنا نحن بصدد الحالة الانتظارية لتطبيق هذه الرؤية ولكن حينما نرجع الى الواقع التاريخي للتعليم في دولتنا سنلاحظ ان حداثة نظامنا التعليمي, وارتفاع نسب النمو السكاني قد تجاوزت مشكلة (الكم) حيث لا يمثل استيعاب الاطفال في المراحل الاولى اية مشاكل اساسية من المشاكل التربوية! فالكم لم يعد مشكلة لكن القضية التربوية الاساسية هي قضية (الكيف) وهي تعني ـ بالدرجة الاولى ـ تهيئة الفرص التعليمية, المتوافرة بالفعل, وبناء انسان اماراتي في اطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ليكون اكثر قدرة وفعالية ونتاجا وهذه المقومات لا ترى النور الا اذا سبقها حوار مستفيض ودارسات علمية, تحاول ان تلتمس الذاتية الثقافية الاماراتية, واحتياجات التنمية والظروف المشتركة بين ابناء الامارات والآمال التي تسعى اليها دولتنا في مستقبلها الذي يعتبر أساسا تنطلق منه لرؤية مطورة وموحدة لمناهجها تستجيب لخصوصية دولتنا. تحديات أساسية: السؤال الآن. ما التحديات التي نواجهها وتحول دون تحقيق الكيف في مناهجنا؟ الاجابة: تتمثل التحديات التي نواجهها في الجوانب التالية: 1) التحدي الفلسفي الحضاري: اوضحت بعض الدراسات ان دولتنا تفتقر الى فلسفة تربوية موحدة تتمثل الجمع بين الاصالة والمعاصرة, فقد تبنت في بداية التعليم حركة الاصالة ثم توقفت. وبالاخص في اعدادها لاجيالها التي لابد ان تغرس فيهم ذاتيتهم الثقافية الاصيلة وقيمها التاريخية والحضارية. وابرزت تلك الدراسات ان دولتنا هي اشد حاجة الى مثل تلك الفلسفة المتميزة بها اذ سيظل غياب تلك الفلسفة عاملا من عوامل الضعف في مواجهة الثقافات الاخرى في القرن الحالي, وسببا من اسباب تفكك الفرد وانحرافه عن ثقافته. ومن اجل الوصول الى فلسفة حضارية موحدة, لابد ان نؤكد على الجوانب الايجابية الاصيلة في التراث الحضاري الذي لاغنى عنه متمثلا في تحرير العقل واعماله, ونبذ التقليد الاعمى, وتنمية القدرات الابداعية والتفكير, واحترام العمل والكسب الحلال, وتقبل النصيحة الخ. كما ان للفلسفة الحضارية مبادىء وهي: المبدأ الانساني, والمبدأ القومي في التربية, والمبدأ التنموي والمبدأ الديمقراطي للتربية وللعمل, ومبدأ التربية للعلم, مبدأ التربية المتكاملة, ومبدأ التربية للانسانية. 2) التحدي الاقتصادي: المتمثل في الاعتماد على النفط واهمال الموارد الاخرى والحقيقة التي لابد ان نذكرها ولانذكرها, ان لاكتشاف النفط في دولتنا ايجابياته الخاصة حيث اصبح تأثيره واضحا في كل المجالات والحمد لله. ولكن الذي نود ان لا نتجاهله ايضا انه لكي يصبح للعملية الاقتصادية دور فعال في العملية التعليمية بشكل ايجابي, فلابد من تنشيط مختلف المناشط الاقتصادية القادرة على ايجاد روابط انتاجية, وبما يوجد فرصة اكبر للاستثمارات التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع, وتكتسب قوة دفع ذاتية, وهو ما لا يتحقق الا بتوافر موارد بشرية قادرة ومنتجة, بما تمتلك من ثقافة واتجاهات ايجابية نحو العمل والانتاج, حيث ان مفتاح التنمية الشاملة هو الانسان ومدخله التعليم اذا احسن اداؤه. 3) التحدي السكاني: يمكن ان نقسمه الى قسمين, الاول يتمثل في مفهوم التركيبة السكانية في دولة الامارات وآثارها السلبية ومشكلاتها التي باتت تشكل خطرا حقيقيا على هوية المجتمع واستمراريته. وهذا امر لا خلاف عليه. إلا ان العملية ليست احادية الجانب ولا تعتمد على الحتمية المتعلقة بوجود العمالة الاجنبية وجعلها (شماعة) لتعليق كل المشكلات, ضمن آلية الدفاع عن الذات. وهذا يقودنا الى القسم الثاني, ألا وهو مفهوم التربية السكانية, التي نلقي اللوم فيها على المواطنين, واعني بها توفير المعرفة بالشئون وبالسياسات السكانية, والحياة العائلية والوالدية المسئولة, والعلاقة بين ديناميات السكان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتشجيع القدرة على تحليل القضايا السكانية, والتربية السكانية هي عملية التعلم بمجملها وتقصد من مساعدة المتعلم في الحفاظ على اللغة العربية وتنظيم حياته وتحسينها دونما تناقض مع القيم الثقافية للحتميات الاماراتية. 4) التحدي المنهجي: الذي يعبر عنه اجماع اماراتي, على ضرورة تغيير (كيف التعليم) وبالنظر الى الواقع التربوي الى يومنا هذا, نلاحظ ان الصيغة التربوية للكتاب واحدة لم تتغير اذ يوصف الكتاب المدرسي في مدارسنا بشكل عام بأنه المرادف للمناهج ويستخدم باعتباره مصدرا اساسيا ووحيدا للتعليم في ترجمة الاهداف والآمال والتطلعات لتغيير الناشئة! وحينما نرجع الى الواقع التعليمي في وقتنا الحالي نلاحظ ان الكتاب لم يعد الوسيلة الوحيدة للتعليم, وهناك بعض السلبيات التي تشترك فيها كتبنا المدرسية منها ان معظم مواد الكتب لم توضع على اساس بحوث ميدانية تجريبية بل انها نتيجة اجتهادات شخصية من فريق عمل (التأليف) سواء كان هؤلاء من داخل النظام التربوي التابع لوزارة التربية او من خارج النظام التربوي. وقد غابت عن هذه الكتب الاهداف السلوكية التي تأخذ بيد الناشئة الى صناعة الاشياء, والمبادأة والمبادرة والانفاق والتخطيط وبمعنى آخر (غير واضح اسلوب التأليف) وان الدقة العملية وخاصة في التخصص العلمي من ناحية التوظيف والتعبير غير محددة, ويلاحظ ان الكتاب المدرسي في دولتنا ما زال يتبع فيه اسلوب التقويم التقليدي المعتمد على اعادة المعلومة المدروسة ناهيك عن ابتعاده عن اسلوب المتعلم في التعلم الذاتي. 5) التحدي القومي: مما لاشك فيه ان هناك مجموعة من القضايا المحلية والعربية والاسلامية ينبغي ان تكون من ابرز عناصر الفلسفة التربوية الاماراتية في هذا القرن, فعلى الصعيد المحلي مثلا, لابد من اعطاء مساحة اكبر في المناهج الدراسية وخاصة في التربية الوطنية والمهارات الحياتية وكتب التاريخ والاجتماعيات بخصوص مسألة ارسال قوات الامارات التي كوسوفو وقيامها بدور فعال في حفظ السلام والامن الدوليين ومساعدة الشعب المسلم من جهة واكساب ابناء الدولة المهارات اللازمة في التدريب العسكري من جهة اخرى. فالصياغة التي نريدها من وزارة التربية ان تضع هدفا عاما تريوبا بخصوص المبادرات الوطنية لدولتنا اذ انها تشكل احد مظاهر القدرة الوطنية الحضارية للتصدي للأخطار التاريخية والحضارية على المدى البعيد. وهكذا هناك العديد من المبادرات الاماراتية القومية لابد من ادراجها في مناهجنا في كل عام دراسي مثل, شعارات مهرجان دبي للتسوق الذي يمثل احد الفعاليات الهامة في جمع الحضارات بأنواعها وابراز القدرات الوطنية الامارتية في عملية الاعداد والتنظيم مما يغرس في ابناء الوطن الثقة القومية, كذلك الامر بالنسبة لأيام الشارقة المسرحية وتناولها العديد من القضايا الاسلامية مثل مسرحية (القضية) التي تعبر عن سقوط غرناطة في عام 1492م واعتقد انها تشكل حقبة تاريخية مهمة من التاريخ الاسلامي الاندلسي ولابد من الاهتمام بمثل هذه الاحداث. اما على الصعيد العربي فلابد من اعطاء مساحة اكبر للقضايا العربية واولها القضية الفلسطينية وجنوب لبنان والجولان وغيرها من القضايا وادراج كل جديد فيها, وبخاصة في توضيح الهوية العنصرية للحركة الصهيونية ومطامعها التوسعية وارتباط انتصاراتها بمصالح الدول الاستعمارية وبضعف العمل العربي المشترك وغياب الوحدة العربية! 6) التحدي التعليمي: تعتبر تربية المتفوقين ورعايتهم من سمات نظامنا التعليمي المتطور نوعا ما, حيث تم اختيار افضل المعلمين بل وانسبهم, ويوجد اتجاه لأن لاختيار افضل المناهج وطرق التدريس لهم, وتوفير تسهيلات تعليمية ملائمة لتلك الفئة وترقيتها الى الحد الذي يزيد من الفروق الفردية بين المتعلمين في الوقت الذي سيشجع انتشار الدروس الخصوصية اكثر مما مضى. وفي المقابل لم تدو صيحة واحدة جماعية تنادي برعاية الفئات ذوي الاحتياجات الخاصة (بطيئي التعلم) يحيث تقلل من الهدر التربوي, حيث تمثل هذه الشريحة تحديا اعظم من تحدي تربية المتفوقين. فإن التصدي لهذه النوعية يعد مؤشرا على تقدم دولتنا وحضارتها في هذا القرن. كاتب وباحث من الامارات