عندما تكون السيادة في المجتمعات لرجال الفكر والمعرفة ولأهل العلم والقلم تنفتح آفاق التقدم على مصراعيها, وتشرع الابواب امام رقي الامم وتطور الحضارات, واذا كان من المهم ان يحظى العلماء بالتكريم من الجمهور العام, فإن الاهم أن يحصلوا عليه من رجال السلطة ومالكي زمام الامور الذي يمسكون بخيوط الحل والربط. فعلى عاتق اصحاب القرار واصحاب الفكر, يتوقف مستقبل اي بلد, وعلى كاهلهم يقع القسط الاساسي من واذا رجعنا الى الادبيات, ولاسيما السياسية والتاريخية منها, نجد كتابات كثيرة تعالج مسألة العلاقة بين السلطة والطبقة المثقفة, وتحكي حكايات علماء ومفكرين نال بعضهم التكريم والتبجيل, على يد الحكام, وتعرض بعضهم الاخر للنفي والتشريد والالقاء في غياهب السجون. ان اصحاب القرار, هم الذين يقودون قارب البلاد, وبصمات اصابعهم هي التي تظهر في كل منحى من مناحي الحياة, فاذا كان هؤلاء من محبي العلم ومشجعي الثقافة, ومن اصحاب الرؤى الفكرية فإن هذا سينعكس ايجابيا وبصورة حاسمة, على اوضاع البلاد, فتزدهر تبعا لذلك المؤسسات الثقافية وينتعش الفكر, وتعلو راية العلوم وتزدهر الفنون والاداب. وبتعبير اخر, عندما يكون رجل السلطة مدركا لقيمة العلم والعلماء, فإنه سيختار مستشاريه والمقربين اليه, من بين رجال العلم والفكر والادب, وفي هذه الحالة, فإنه سيتأثر بهم ويعتمد على قراراتهم وفتاويهم ويعمل بنصائحهم, فتكون النتيجة ان كل وزارة او مؤسسة او مركز او نقابة او ادارة, سيرأسها رئيس مثقف. وهذا بدوره سيختار معاونيه ومديريه من المفكرين والمثقفين, الاكفاء وبذلك تسير جميع الامور تقريبا في الدولة, في الطريق الصحيح, فتتطور الادارة وتزداد الانتاجية, وتحترم القوانين والانظمة, ويتراجع الفساد اما عندما لايعبأ صاحب القرار بالعلم ولايقيم الوزن الصحيح للعلماء والمثقفين, فإننا نجد الامور تتحرك في الطريق المعاكس, فيتولى شئون الوزارات والادارات العامة رجال غير مثقفين وغير مدركين لقيمة العلم, فتهزل الادارة, ويقل الانتاج, وتنتهك الانظمة, وتسود المحسوبية, وينتعش الفساد, ويبرز التسيب. نخلص من كل ذلك الى تأكيد البدهية المعروفة, وهي ان السلطة التي تشجع العلم والعلماء, انما تندفع بالبلاد في طريق الازدهار والحضارة, والعكس صحيح وهذا ما تثبته الشواهد التي لاتقع تحت حصر, ولاسيما الشواهد التاريخية. فاذا عدنا الى التاريخ العربي والاسلامي, لنتسقط اخباره ونهتدي بعبره, نجد ان العرب قد احروزا اعظم انجازاتهم وابرز انتصاراتهم في الفترات والعهود التي كان حكامهم خلالها يقربون رجال العلم والفكر والادب ويكرمونهم ويستنيرون بآرائهم وافكارهم ففي العصر الاموي ولاسيما في عهد معاوية الثاني, وعهد الوليد بن عبدالملك, كان العلماء والفنانون يحظون بأكبر الدعم والتشجيع وفي العصر العباسي كان قصر المأمون مرتعا لكبار الاطباء والفلكين والرياضيين من امثال موسى بن شاكر ويحيى بن منصور وحنين بن اسحق وعبدالله المروزي وغيرهم. وقبل ذلك, تمكن العرب في عصر هارون الرشيد بفضل رعايته للعلماء وتقربه اليهم, من صياغة كافة اسماء النجوم والكواكب, وتحديد رموزها الفلكية ونذكر كذلك من حكام العهود الاخرى, سيف الدولة الذي فتح ابواب قصره للفارابي, والسلطان عضد الدولة الذي احتضن الرازي, والحكم الثاني الذي صادق أبا القاسم الزهراوي, ولا ننسى كذلك نور الدين الزنكي الذي كان هو نفسه ضليعا بالعلم وصديقا للعلماء. وفي الاندلس اقترن ازدهار الحضارة العربية باعتماد رجال الحكم على اصحاب الفكر. ونذكر في هذا المجال السلطان الموحدي الذي تبنى ابن طفيل, والخليفة المنصور الذي قرب ابن رشد. ان هذه مجرد امثلة بسيطة تبين كيف كان اصحاب القرار في ايام المجد العربي, ينزلون رجال العلم والفكر المنزلة الرفيعة التي يستحقونها. هكذا كان حالنا في الماضي, عندماكان للعرب شأن ووزن, وكانت لهم حضارة زاهية يضرب بها المثل, فكيف حالنا اليوم؟ تختلف الاوضاع في الاقطار العربية, الآن وتتفاوت, من قطر الى اخر, ففي بعض الاماكن نجد اصحاب العلم والفكر والقلم يتبوؤون مكانة سامية ويحظون بالتقدير والتكريم, كما انهم يحصلون على مردود مادي جيد لقاء مساهماتهم الفكرية والعلمية والكتابية, مما يمكنهم من نيل المكانة الاجتماعية اللائقة بهم, ولكن على الرغم من ان هؤلاء قد استطاعوا الوصول الى حقوقهم المادية والمعنوية على الصعيد الشخصي, فإنهم لم يصلوا الى حد تسلم سدة السيادة على المجتمع والقدرة على اتخاذ القرارات المصيرية والسياسية, وان كان بعضهم يشارك في ذلك ضمن حدود معينة. وفي اماكن اخرى من الوطن العربي, نجد الصورة اسوأ بكثير فالحل والربط والقدرة على اتخاذ القرار, هي في ايدي اناس لايقدرون العلم والعلماء ولاينزلونهما المنزلة السامية التي يستحقانها. وهم يفضلون لاسباب خاصة بهم, دعم طبقات اجتماعية اخرى, من بينها العامة والدهماء اما المثقفون ورجال الفكر فليس لهم في مثل هذه الاماكن, حظ او باع, وبعضهم يهاجرون الى خارج بلادهم التي لم تورثهم سوى ضيق اليد وشظف العيش, ويتسربون الى حيث يجدون من يقدر مؤهلاتهم العلمية. كما ان بعضهم الاخر يزجون بالسجون لمجاهرتهم بآرائهم الحرة وفضلا عن ذلك نجد المردود المادي للعمل الفكري ضئيلا جدا, بالقياس الى مردود الاعمال الاخرى التي لاتستلزم توافر قدرات علمية وفكرية مميزة اي ان الدخل الفردي للمثقف او الكاتب يكون اقل من دخل صاحب الحرفة او التاجر او السمسار. ان رجال الفكر في الاقطار العربية التي لاتكرم الفكر ليسوا خارج السلطة وخارج ساحة اتخاذ القرار, وخارج امكانات الثروة والعيش الرغيد, فحسب بل انهم ايضا, غير قادرين على الاسهام بصورة فعالة في حل مشكلات بلادهم وتوجيهها نحو المسارات الصحيحة, وذلك بسبب عجزهم عن التعبير عن آرائهم. خلاصة القول ان اوضاع رجال الفكر في الوطن العربي تتراوح بين التكريم ونيل بعض الحقوق المادية والمعنوية, دون الوصول الى حد السيادة السياسية والاجتماعية في احسن الاحوال, وبين التعرض للفقر والقهر, في أسوأ الاحوال. وهذا الوضع ليس في صالح الامة العربية, وغير مقبول على الاطلاق, بل هو من اكبر عوامل تخلفها, فلا يمكن للعرب ان ينهضوا ويسيروا في المسار الصحيح, الا اذا اصبح لرجال العلم والفكر الباع الطويل والتأثير الملحوظ في صنع القرارات المصيرية التي يتوقف عليها مستقبل الامة, ان المتعلم هو الذي يجب ان يوجه الامي, والعالم هو الذي ينبغي ان يقود الجاهل, والمفكر المثقف هو الذي يفترض ان يسير الانسان العادي, هذا هو السبيل الطبيعي والوحيد لتحقيق التقدم, اما اذا حدث العكس, واحتل الجاهل مكان العالم, وحل الأمي محل المتعلم, كما يحدث في بعض الامكنة من وطننا العربي, فإن الامور كلها تسوء, وتسير نحو التدهور واخيرا تصل الى حد الانهيار الكامل. ان اصحاب القرار المخلصين لا يخشون رجال العلم, بل يعدونهم الوسيلة الاساسية التي عليهم ان يستعينوا بها لتحقيق نهضة البلاد, اما ذوو النوايا السيئة منهم فيخشون العلماء والمفكرين ويرون فيهم مصدر خطر على سلطتهم مما يدفعهم الى محاربتهم وافقارهم, في السر والعلن. وفي الوقت نفسه نجدهم يدعمون الطبقات الجاهلة, لانها لاتشكل مصدر تهديد لهم. واذا اردنا ان نحكم على وضع بلد ما من حيث موقع رجال العلم ومكانتهم فيه فإن علينا ان نراقب العديد من المؤشرات التي يمكن ان تنبئنا بذلك, مثل مدى انتشار الجامعات والمدارس والمكتبات ومراكز البحث العلمي والتربوي والمؤسسات الثقافية وحركة اصدار الصحف والمجلات والمطبوعات المختلفة, ومقدار المردود المادي للعمل الفكري الكتابي والانجاز العلمي, وكذلك مدى توفير الحوافز للعباقرة والموهوبين والمخترعين. فالبلدان التي تقصر في هذا المجال, تنشط فيها هجرة العقول وتسرب الكفاءات الى الخارج, ولو تم منح هذه الصفوة من رجال العلم والفكر, كامل حقوقهم ومستحقاتهم المعنوية والمادية, وانزالهم المنازل السامية التي يستحقونها, وتكريمهم بما يتناسب مع مواهبهم وقدراتهم, لما احتاجوا الى شد الرحال والاغترب الى بلدان اخرى من العالم, سعيا وراء العيش الكريم وبحثا عن بيئات متطورة تسمح لهم باستغلال كامل قدراتهم العلمية والفكرية, لصالحهم ولصالح الانسانية جمعاء, وانه لمن المؤسف ان يسهم هؤلاء في تطوير حضارات الاخرين, بينما ترزح بلادهم تحت اوزار التخلف, والمسئولية في هذا المجال مشتركة, فعلي الدول ان تقدر الامور تقديرا صحيحا وتوفر لعلمائها الاجواء المناسبة التي تقنعهم بالبقاء في اوطانهم وخدمة مصالحها العلمية, وعلى رجال العلم انفسهم ان يتحملوا مسئولياتهم ويضحوا ببعض حقوقهم من اجل مصلحة الوطن. كاتب سوري