بقلم: د.احمد القديدي في شهر نوفمبر من العام 1948 بعد شهور قليلة من احداث الخبز الشهيرة التي وقعت في تونس في يناير 84 والتي جاءت نتيجة الشروط المجحفة التي وضعها صندق النقد الدولي للرفع من سعر الضروريات في شهر نوفمبر 84 كان بورقيبة يتعافى من ازمة صحية خطيرة ألزمته سريرا بمستشفى الرابطة لأيام طويلة.. وكان في فترة نقاهة في خريف ذلك العام, وصادف ان دعيت الى مؤتمر انعقد بواشنطن حول موضوع مستقبل العلاقات الاستراتيجية بين العرب والغرب وقدمت فيه ورقة عمل بعنوان (البحر الابيض المتوسط بين ان يكون بحيرة سلام او بؤرة صراع) تحدثت فيها عن الاهمية الاستراتيجية القصوى التي تكتسبها الضفتان الشمالية والجنوبية للمتوسط بحيث يمثل جبهة متقدمة للعلاقات السياسية والاقتصادية والحضارية بين العرب والغرب وعرضت للتصور البورقيبي القديم, منذ عهد الاستعمار الى عهد الاستقلال, لما يمكن ان تقوم عليه العلاقات المتوسطية. وحضر ذلك المؤتمر عدد كبير من اعضاء الكونجرس والجامعيين نظرا لانشعال واشنطن الطبيعي بقضية الازمات المرصودة في المغرب العربي ومدى تأثيرها على الاتحاد الاوروبي, وعند عودتي الى تونس دعيت للحديث عن مشاركتي في المؤتمر في برنامج اذاعي مباشر يبث صباح كل يوم ويسمعه بحرص دائم الزعيم الحبيب بورقيبة وكان رحمه الله كما هو معروف يعلق اهمية قصوى على كل ما يأتي من الولايات المتحدة الامريكية او يقع فيها او يصدر عنها, نظرا لاسباب تاريخية, فبورقيبة لم ينس ابدا مقابلته مع وزير الخارجية الامريكية في الخمسينيات (دين اتشيسني) قبل استقلال تونس وكيف نشرت صورة في ذلك اللقاء لتجعل الحكومة الفرنسية انذاك تعيد الاعتبار لشخصية الزعيم وتقرأ حسابا لعلاقاته مع الادارة الامريكية. المهم سمعني الرئيس بورقيبة من خلال تدخلي بالاذاعة وفي نفس اليوم بعد ساعة رن جرس الهاتف في بيتي لاجد صوت وزير الاعلام انذاك الاستاذ عبدالرزاق الكافي يخبرني بأن الرئيس (كما كنا ندعوه جميعا) سيستقبلني على الساعة التاسعة من صباح الغد وكنت في الموعد لأجد وزير الاعلام ورئيس الحكومة واقفين في البهو الرئيسي الداخلي الى جانب السيدة وسيلة حرم الرئيس التي كانت توصينا بعدم الاثقال على بورقيبة بالنظر الى صحته, وادخلنا السفير عبد المجيد القروى مدير التشريفات على الرئيس الذي كان في غرفة نومه ويرتدي بيجامة و (روبا منزليا) وجلسنا نحن الثلاثة على مقربة من سريره فبدأ هو الحديث بعد عبارات المجاملة ليقول لي: (لقد سمعت تعليقك في الاذاعة صباح امس وعرفت انك القيت محاضرة في واشنطن.. واردت ان اراك لتحدثني عنها) وفعلا حدثت الرئيس عن موضوعها وكان يريد ان يعرف مستوى الحاضرين من اصحاب القرار السياسي وقلت له فيما قلت انني تحدثت عن رأي الرئيس بورقيبة في علاقاتنا بالغرب حتى قبل استقلال تونس وكيف ان الزعيم التونسي اختار جانب الحلفاء ضد قوات المحور النازي في عز الحرب العالمية الثانية بالرغم من ان اوطاننا كانت محتلة من طرف فرنسا. فقاطعني الزعيم ليشرح هذه النقطة قائلا: لقد كنت في سجن القلعة بمدينة ليون الفرنسية سجين السلطات الفرنسية ودخل الالمان واحتلوا فرنسا عام 1941 وجاءني لسجني الضابط في القوات الهتلرية الخاصة 55 وهو ركلوس باربي واطلق سراحي ناصحا اياي ان اعلن تأييد الحركة الوطنية التونسية لهتلر, فرفضت بل ناديت بمعاداة النازية لانها اخطر من الاستعمار, كنت في قرارة نفسي اعتقد ان هتلر سيهزم وان الحلفاء سينتصرون وسأنتصر على فرنسا لاحرر وطني, في حين سعى كثير من رفاق الكفاح الى الانضمام الى هتلر شماتة في فرنسا) ثم قلت للزعيم: لقد شبهت كفاحكم ياسيدي الرئيس بكفاح القائد النوميدي (جوغرتا) الذي اراد ان يحرر شمال افريقيا من الرومان عام 180 قبل الميلاد ولكنه وقع اسيرا في يد القياصرة ولم يكمل ملحمة المقاومة ومات في السجن بروما. فقاطعني بورقيبة في زهو وافتخار قائلا: ولكنني انا جوغرتا الذي انتصر.. لقد انتصرت انا لكنه مع الأسف لم يكمل ملحمة كفاحه ضد روما..) . وكانت السيدة وسيلة بين الفينة والاخرى تطل من الباب لتسعجلنا لكنه لم يكن يأبه لها ويواصل الحديث. استاذ بكلية الاعلام ـ جامعة قطر