بقلم: احمد عمرابي بمجرد سقوط نظام الرئيس نميري عام 1985 ظهر على نحو فجائي ألف كاتب وكاتب سوداني ينتقدون ويهاجمون ذلك النظام الاستبدادي مستثمرين عهد الحريات الديمقراطية الجديد, هؤلاء فضلوا التزام السكوت طوال عهد نميري لمدى 16 سنة. الحديث في هذا السياق عن كتاب المهجر السودانيين في منطقة الخليج بصفة خاصة. اجل.. لقد اطلقوا العنان لأقلامهم بعد ان سكنت العاصفة الدكتاتورية.. ثم استثمروا دون مخاطرة حريات النظام الديمقراطي فأطنبوا في الهجوم على الحكم الديمقراطي الحزبي بلا هوادة وبلا مسئولية, وعندما عاد الحكم الاستبدادي مرة اخرى عام 1989 على يد (الجبهة القومية الاسلامية) لم يشاءوا ان يشرعوا اقلامهم الا بعد حلول ازمة حرب الخليج الثانية حين اطمأنوا الى ان النظام الجديد صار معزولا خليجيا. في مثل هذه الظروف ما أسهل الكتابة! هجومية دون مخاطرة او توقع معاناة, هذا يقودني الى اعادة طرح السؤال الكبير: هل حقا نحن معشر السودانيين نحترم الديمقراطية؟ هل نحن نعرف ما نريد من الديمقراطية؟ القيادات السياسية الحزبية تعرف الاجابة عن هذا السؤال.. لكنني حين استخدم ضمير المتكلمين (نحن) فانني اقصد القطاعات الجماهيرية ـ وعلى الأخص قطاع النخب المثقفة. اجابة الحزبين الكبيرين معلومة على الدوام, فالقيادة في كل منهما تقول لنفسها: نحن بيت المهدي او بيت الميرغني احق من غيرنا بحكم السودان. انتهى البيان. ولذا فان سقوط النظام الديمقراطي لا يعني هاتين ـ القيادتين الكبيرتين خسران سيادة القانون او الحريات المدنية او ذهاب القضاء المستقل بقدر ما يعني انفلات السلطة من ايديهما, ولو كان بوسع اي منهما اقامة نظام دكتاتورية مدنية على نحو ما تضمن بقاء السلطة في ايديهما الى الابد لما تأخرا. ومع ذلك اقول ان الواجب الاول والاخير للنخب المثقفة هو المحافظة على النظام الديمقراطي الحزبي رغم عبث القيادات الحزبية, ولو رعوا هذا الواجب لما تجرأ الانقلابيون على ترجمة افكارهم الى خطط عملية, لكن المحنة الكبرى هي ان النخب المثقفة اكثر القطاعات الجماهيرية استهتارا بالنظام الديمقراطي واكثر الناس تسابقا الى مبايعة الدكتاتورية تكالبا على المناصب, اما نفور قسم كبير من هذه النخب عن النظام الراهن واتخاذهم موقفا عدائيا تجاهه فلأنهم صدموا بأنه ناد مغلق العضوية للاسلاميين فقط. نظام نميري كان النقيض تماما, واذا جاز نعت ذلك النظام بصفة واحدة يمكن القول انه كان نظام (الانتهازية المشاعة) .. فتح نميري مجال التسابق الانتهازي المحموم لكل المثقفين من كل لون وشكل. فانطلقت جموعهم يتقدمهم حملة الدكتوراه منخرطين في معركة التكالب على المناصب عارضين على نميري مفاتنهم العلمية مع قدراتهم العبقرية في خدمة الاستبداد بإلباس الباطل ثوب الحق, والحق ثوب الباطل, ولولاهم لما استطاع نظام نميري الصمود لنحو 16 سنة, أمثال هؤلاء هم الذين يعرضون انفسهم كأبطال عند حلول النظام الديمقراطي. وباستخدامهم حريات التعبير والتنظيم يحركون الشارع نقابيا ضد الحكومة الديمقراطية التي ليس بوسعها استخدام القمع المفتوح ويشنون الحملات الصحفية البذيئة ويبعثون بالمذكرات التهديدية. ورويدا تذهب هيبة الدستور.. وتتدنى شعبية الحكومة ورئيس الحكومة.. وتصعد حرارة التذمر الشعبي.. وترتفع الاصوات الغاضبة تطالب بالبديل. وعندما يسأل عاقل: ما هو البديل؟ يرد عليه صوت متشنج: اي شيء.. حتى لو كان الشيطان (المهم) ان يروح الصادق المهدي (رئيس الحكومة الديمقراطية) في داهية, وتأتي الداهية بعد ان يستوعب الانقلابيون الرسالة.