يأتي هذا الحديث موصولا بحديث سبق حول رؤية الحزب الجمهوري الأمريكي للسياسة الخارجية مع استهلال سنوات القرن الراهن. ويأتي استكمالا لهدفنا من توضيح هذه الرؤية حيث نعرض فيما يلي من سطور لرؤية الحزب الديمقراطي لشكل العالم ومواقع النفوذ والتأثير فوق خريطته عبر السنوات المقبلة. منافسات السباق على المنصب الأول في البيت الأبيض بين مرشحي الحزبين الرئيسيين جورج بوش الآتي من الجمهوريين وآل جور النائب عن الديمقراطيين.. على أن حديث السطور التالية ربما يتسم بخاصية متميزة عن سابقه, أو نخط هذه السطور وقد حططنا الرحال بالفعل مع جبهة المعارك ذاتها ـ أرض الولايات المتحدة التي حرصنا على أن نزورها هذه الأيام أولا تلبية لدعوة كريمة تتكرر بحمد الله في كل عام للمشاركة بخبرة يعلم الله قدر تواضعها في أعمال الأمانة العامة للأمم المتحدة, وثانيا لأن الدعوة جاءت في توقيت ملائم لكي نرصد من موقعها الأمامي هذا مجريات ومستجدات وربما مفاجآت مهرجان السباق الرئاسي في أمريكا فالشاهد أقرب إلى الحدث من الغائب والمعايشة عن قرب أنجح من حيث الفهم والتفسير من مجرد الرواية أو السماع. شهادة الحزب الديمقراطي والحاصل أن مجلة (الشئون الخارجية) أوفت بوعدها في تقديم شهادة الديمقراطيين عن رؤيتهم لسياسة بلادهم في المجال الدولي وإن كانت قد أفسحت لهم مجالا أوسع من مجال نظرائهم الجمهوريين (أنظر عدد المجلة من مارس لإبريل 2000) وهي لم تفسر هذا السلوك الذي يبدو للوهلة الأولى أنه محاباة أو تحيز.. وإن كنا نراه, بحكم معايشة طالت في تحليل الواقع السياسي الأمريكي أمرا اقتضته ظروف المادة الصحفية بمعنى أن الجمهوريين اكتفوا بدراسة وحيدة عرضت لرؤيتهم للعالم الخارجي وكتبها ـ كما أسلفنا ـ وكيل وزارة سابق للخارجية, فالجمهوريون عادة يميلون إلى تكريس مبدأ مونرو الشهير الذي نادى صاحبه منذ أيام القرن التاسع عشر بعزلة أمريكا القابعة خلف أمواج المحيط الأطلسي في النصف الغربي من الكرة الأرضية وإذا كان بدهيا أن أمريكا قد خرجت عن هذا المبدأ مثلا في الحرب العالمية الأولى وفي عهد رئيسها ويلسون صاحب المبادئ الأربعة عشر الشهيرة في عام ,1918 وأن أمريكا فعلت الشيء نفسه خلال الحرب العظمى الثانية على عهد رئيسها روزفلت في الأربعينيات.. فإن دارسي السياسة الخارجية الأمريكية لا تفوتهم ملاحظة أن واشنطن كانت لا تلبث أن تعود إلى الاحتماء بأسوار العزلة هذه.. وهذا ما شهدته فترة ما بين الحربين حين أحجمت عن التعامل مع عصبة الأمم ثم عاودت نفس المسلك ولعلها ما برحت تتبعه وهو ما يتجلى في موقفها ـ وخاصة على مستوى الكونجرس الحالي الذي يسيطر عليه الجمهوريون ـ من منظمة الأمم المتحدة ـ الفكرة والقيادة والإدارة والأهداف والبرامج والتمويل.. وتلك أمور يطول شرحها ويطول. ولقد نلاحظ من خلال البحث الذي سبق عن السياسة الخارجية للجمهوريين أنهم اتبعوا منطق المخالفة بمعنى أنهم طرحوا آراءهم على أنها عكس ما تبناه الديموقراطيون في عهد رئاستهم الحالية (لم يبق أمامها سوى أشهر ضئيلة في نوفمبر المقبل) ولم يكادوا يبدعوا جديدا سوى مزيد من الضرب على أوتار هيمنة أمريكا السياسية والاقتصادية ومزيد من المطالبة بتوسيع الإنفاق على القوات المسلحة (يلاحظ هنا تحالف لوبي إنتاج الأسلحة الحربية وهي شركات عملاقة مع لوبي جمعية البندقية الأمريكية التي ترعى بيع السلاح الخفيف لأي مشتر, وبأخف الاشتراطات, في دكاكين البقالين تحت شعارات ملتوية مثل الدفاع المشروع عن النفس أو أن البندقية لا تقتل.. الناس هم الذين يقتلون.. الخ). تهافت التهافت ماذا يقول الديمقراطيون إذن عن سياستهم الخارجية؟ والحق أنهم لديهم ما يقولونه بأكثر كثيرا مما يقول به خصومهم السياسيون من الحزب الجمهوري وفيما تبرع بالرأي الجمهوري صوت واحد عرضنا لمقولاته في حديث سبق, فإن أمامنا أربعة أصوات لعدد من كبار مفكري الحزب الديمقراطي (ثلاثة منهم يعملون حاليا ضمن هيئة المستشارين الاقتصاديين لحملة آل جور المرشح الحالي عن الحزب, فضلا عن شهادة أساتذة كبار للعلوم السياسية في جامعة هارفارد). ويكاد يأتي منهج الديمقراطيين وكأنه رسم مقلوب لمنهج الجمهوريين الذين اعتمدوا ـ كما ألمحنا ـ أسلوب عرض سياسات كلينتون الخارجية ثم قالوا أنهم يرون عكسها.. وهاهم الديمقراطيون يتناولون الكرة من ملعبهم ويتبعون نفس الأسلوب ولكن بالمقلوب حين يقولون إن هذه هي سياسات كلينتون الخارجية وأن رأي الديمقراطيين هو ببساطة تكريسها وتمجيدها وتعميقها وتطويرها إلى استمرارها.. وهكذا نعى الجمهوريون تهافت سياسات كلينتون وجاوبهم الديمقراطيون بأن المتهافت حقا هو نقدهم لتلك السياسات في منطق أقرب كما نعرفه في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية بمنطق (تهافت التهافت) ورحم الله قطبي هذا المنطق وهما أبو حامد الغزالي من المشرق والفيلسوف ابن رشد من المغرب. الدوران حول العولمة بادئ ذي بدء يقف مفكرو الحزب الديمقراطي وفلاسفته عند حقيقة التغيير العاصف الكاسح الذي جاءت به ومازالت تعد به وتنطوي عليه حقبة التحولات الراهنة في أوضاع النفوذ السياسي والتأثير الاقتصادي فوق خريطة العالم, وهي الحقبة التي بدأت في رأيهم وفي رأينا أيضا مع أوائل تسعينيات القرن العشرين وربما تحدد هذا التوقيت مع زوال الإمبراطورية ـ الشيوعية السوفييتية. وفي تبسيط مكثف أراح العالم نفسه حين تلقف المصطلح الذي صكه الأمريكيون في مطابخ البنك الدولي أو الخارجية الأمريكية ليلخص به ـ بعيدا عن وجع الدماغ ـ أبعاد هذه الحقبة الخطيرة من التحولات وهو مصطلح (العولمة) ومن ضفافه تنطلق رؤية الديمقراطيين التي نحاول أن نلخصها في خطوط فاصلة على النحو التالي: * مواصلة الانطلاق من نفس مقولة أن لأمريكا دورا قياديا (وهو التعبير المهذب لدور الهيمنة) في عالم هذه المطالع من القرن الحادي والعشرين وعليها أن تضطلع به وخاصة فيما يتعلق بإنشاء ودعم قواعد التعددية في اللعبة الدولية القائمة على الشراكات بين القوى وأصحاب ومؤسسات المصالح, وخاصة على مستوى دورة الاستثمار والاقتصاد في العالم. * لكي تظل أمريكا في دور قائد القاطرة فعليها أن تكون نموذجا لسائر الراكبين بمعنى أنه على واشنطن أن تعمل جاهدة للحفاظ على الانتعاش الراهن الذي ينعم به اقتصادها وقد وصلت بعض قطاعاته إلى حدود الإزدهار بل والفوائض في بعض الأحيان وهذا النموذج كفيل بأن يجعل الآخرين يسمعون ويهتمون. * أن تدرك أمريكا وهي في ساحة العمل الدولي أن تبنيها دعوة وسلوكيات العولمة أمور لها مغارمها وخاصة وهي تسعى لبناء شراكات مع الآخرين. اقتصاد وقوانين السوق تفضي بالضرورة إلى اندماجات اقتصادية وتلك تقضي إلى ضرورة المنافسة (غير المشروعة أحيانا) بقدر ما تفضي إلى أعداد مهولة ممن فقدوا وظائفهم وممن أصبحت معايشهم ضنكا بحكم خضوع أسعار كل شيء, حتى خبز الكفاف ودواء الكفاف ومدارس الكفاف إلى ذلك الغول الأسطوري غير المرئي واسمه قوانين العرض والطلب وحتميات السوق.. الخ.. وفي هذا الإطار يرى الديمقراطيون أن إدارة كلينتون كانت على وعي بتلك السلبيات ويقولون أنها اصطنعت أدوات للعلاج لابد من وضعها على الفور بين أيدي الذين يصابون بها.. وهي أدوات من قبيل: توسيع نظم التأمين الحي لتشمل غير القادرين أو فئات المستضعفين, وتوسيع نطاق التغطية بنظم تأمين المعاشات التقاعدية.. وتوسيع إنشاء وإدارة حسابات خاصة لأغراض التدريب وإعادة التدريب وفي هذا الإطار اصطنع الديمقراطيون فكرة (مراكز الوقفة الواحدة) التي يقدم فيها التدريب على مهارات جديدة يكتسبها العمال الذين يفقدون وظائفهم القديمة كي تفتح أمامهم فرص أحدث للعودة المنتظمة إلى سوق العمل وكسب القوت.. والمراكز تقدم خدماتها بالمجان ممولة من ميزانية الدولة الاتحادية.. وهناك أيضا الإعفاءات الضريبية السخية للتشجيع على تعميق مهارات التعليم بعد مرحلة الثانوية العامة. * توسيع آفاق التعاون مع مؤسسات التمويل الدولية (البنك والصندوق وما يتبعهما من منظمات وبرامج وخطط ومرافق للتمويل) وفيما يضرب منظرو الديمقراطيين المثل على نجاح هذا التعاون مشيدين بدور صندوق النقد الدولي في تخفيف الأزمة أو الصدمة الاقتصادية التي ألمت بجنوب شرقي آسيا خلال غروب القرن الماضي, فنحن نرد عليهم بأن ليست كل الأزمات نمطية لا من حيث الأسباب ولا المسارات ولا السياقات التي تقع فيها.. ووصفات الصندوق ليست بالعصا السحرية ولا الترياق الشافي من كل داء.. وهاهو الصندوق يتعرض لمواجهات قاسية جماهيرية.. ودامية أيضا على نحو ما شهدته العاصمة واشنطن بمقر دار البنك والصندوق من مظاهرات وحشود غاضبة إزاء تنميط سياسات العولمة ومعاملة مشاكل الشعوب والناس وأقواتهم ووظائفهم من منظور القولبة الجامدة التي تفرض النظرية الاقتصادية على معطيات الواقع الحي دون أن تمعن أولا في قراءته ومحاولة فهم أبعاده وأهمها ما يتصل بمطالب البشر واحتياجات الناس. * يدرك الديمقراطيون أن سياستهم الخارجية في السنوات المقبلة لابد وأن تتعامل مع كتل وقوى وحقائق تفرض نفسها بالضرورة والواقع وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي لا في شكله الراهن وحسب ولكن في شكله الأوسع المتوقع حيث سيضم أعضاء جددا مثل بولندا والمجر وتركيا وجمهورية التشيك وسلوفينيا واستوانيا (البلطيقية). * ويدرك الديمقراطيون في هذا الإطار أن روسيا ستظل حسب تعبيرهم هي (أشق التحديات وأشدها مراسا) ومن ثم يرون أن على واشنطن مواصلة سياسة المشاركة البناءة أو التعاطي الإيجابي مع روسيا, أيا كانت وضعيتها, ولكن أيضا مع استخدام صندوق النقد الدولي كلاعب أساسي على الرقعة الروسية وجذب الدول الصناعية الكبرى في الغرب إلى مشاركة أمريكا في هذه المشاركة مع موسكو كما تواصل التخلي بداية عن أسلحة الدمار الشامل التي تملكها (وهو ما يخفف بداهة من أعباء التكاليف النفسية والمادية التي تتحملها واشنطن). * بقيت عدة بلدان أساسية ترى سياسة الديمقراطيين الخارجية أن لها أهمية خاصة بالنسبة إلى واشنطن في الفترات القريبة المقبلة وهي: اليابان التي بدأت أميركا تنتبه إلى أنها استردت أخيرا رباطه جأشها الاقتصادي وشرعت في إصلاح ما شاب اقتصادياتها من خلل في الفترة القريبة الماضية ويلخص الديمقراطيون هذه المقولة في العبارة التالية: جهود اليابان المضنية في إعادة هيكلة اقتصادها وتصحيح مساره جديرة حتما بجعلها منافسا عنيدا لا يشق له غبار. * نفس الشيء يقال عن الصين التي ينادي الديمقراطيون بمواصلة سياسة كلينتون إزاءها قائمة كما يقولون على حكاية التعاطي الإيجابي وصولا ـ كما يتصورون أيضا ـ إلى قيام نظام ديمقراطي ( لم يحددوا معالمه عمدا) . ومن عجب أن تقول وثيقة السياسة الخارجية عند الحزب الديمقراطي حذار من فرض عقوبات (كما يطالب الجمهوريون) على الصين. لانها ستؤدي إلى جعل سلوكها أسوأ في مجال حقوق الإنسان. سياسة الصفقة الجديدة وسواء صحت هذه المقولة أو كانت مغلوطة أو موهومة, فالعجب هنا أن القوم يحذرون من مغبة العقوبات على مسار السياسات في هذا البلد أو ذاك.. فما بالهم سادرون لا يزالون في فرض العقوبات على شعبنا العربي في العراق وهم أول من يعلم أنها لم تنل فقط من حقوق الإنسان في التعبير أو المشاركة السياسية بل وحقه في الحياة وفي التنمية وهما أسمى الحريات الأساسية لأي إنسان. هناك أيضا كل من الهند والبرازيل وتصنفهما وثيقة الديمقراطيين بأنهما من بين اللاعبين الرئيسيين في الحقبة القريبة المقبلة وذلك في إطار اللعبة العالمية ـ هل نقول العولمية ـ الكبرى التي تطلق عليها الوثيقة وصفا من أدبيات الخطاب الكلينتوني وهو: الصفقة الجديدة المعولمة وفي مثل هذا المصطلح يكاد المحلل يشعر أن القوم يحملون أو فلنقل يتحملون تراث زعيمهم الأكبر فرانكلين روزفلت الذي أنقذ بلاده من وهنة كساد الثلاثينيات بفضل سياسته التي أطلق عليها أيامها وصف (الصفقة الجديدة ـ نيوديل) . وها هم ديمقراطيو القرن الحادي والعشرين يعاودون المسيرة ولكن بعد أن يضيفوا إليها حسب موضة العصر مصطلح غلوبال بمعنى عالمي أو كوكبي أو عولمي.. والله أعلم. ملحوظة مهمة: الجزء التالي يتم وضعه داخل إطار في قلب الموضوع: (ليست كل الأزمات نمطية لا من حيث الأسباب ولا المسارات ولا السياسات التي تقع فيها.. ووصفات صندوق النقد ليست بالعصا السحرية ولا الترياق الشافي من كل داء)