العجيب أن الناس الذين قلبوا وجه التاريخ الفرنسي رأسا على عقب العام 1789, كانوا يتحدثون بغضب عن نوع غريب من الفساد الاداري كان معروفا في فرنسا قبل الثورة, ذلك الفساد باختصار كان: توارث وظائف الدولة وشراءها وتأجيرها احيانا!! ولا شك أن شيوع حالة شاذة كهذه ستولد العديد من اوجه الفساد والتردي, فحينما يشتري وظيفة قاض مثلا شخص لا علاقة له بالقضاء, كيف ستكون حالة الأمن والاستقرار في المجتمع؟ وحين يرث الابن وظيفة والده المحاسب او الطبيب, ما الذي سيحل بموازنة الدولة وارواح الناس؟ ولنقس على ذلك كل الوظائف, ولنتخيل كيف ستبدو اوضاع بلاد بهذه الفوضى والعشوائية. اليوم وبعد اكثر من مئتي عام على قيام الثورة الفرنسية تتباهى فرنسا بأنها بلاد النور والعلم والقانون, وتتذكر فولتير ومونتسكيو وروسو اصحاب مطالبات الاصلاح والفصل بين السلطات, وتتباهى بهم معتبرة اياهم رموزها ووجهها الحضاري الذي تقدمه للعالم, بينما تضع لويس الرابع والسادس عشر وماري انطوانيت في الجانب المظلم والمخزي من تاريخها. واليوم ايضا ـ وللأسف ـ ما زالت دول وانظمة تسير على ما كان شائعا في فرنسا في موضوع شراء الوظائف وتوارثها غير مستفيدة تماما من الدرس الفرنسي, وبالتأكيد فلا وجود لإعلانات بيع وظائف او تأجيرها, ولكن هناك حقائق تقول ان مناصب كثيرة تستغل بشكل فاحش على طريقة المتاجرة بالوظيفة بيعا وشراء. لنضرب مثالا: مسئول كبير ذو منصب ووجاهة وسمعة, اينما حل وارتحل اموره ميسرة ومعاملاته تحل في لمحة بصر, لا يقف في الطوابير, ولا يطلب منه ان يراجع غدا, وربما ارسلت له معاملاته للمنزل مع باقة ورد ايضا, هذا الرجل (المهم) او الذي اصبح مهما بفضل المنصب, كيف يمكنه ان يتاجر بمنصبه؟ المعروف ان هناك عدة طرق لعل اهمها طريق تجارة (الفيز) او التأشيرات والرخص التجارية, لكن الرخصة التجارية التي يمتلكها هذا المهم تختلف عن الرخصة نفسها التي يمتلكها رجل عادي وبسيط, فقد يؤجر المواطن العادي رخصته بـ (10) آلاف درهم سنويا مثلا, بينما صاحبنا (المهم) ذو المنصب لا يقبل بأقل من (50) أو (70) ألفا سنويا! والسبب ان المستأجر بقدر ما سيدفع فإنه سيأخذ في المقابل! فاسم الرجل (المهم) على الاوراق ككفيل, يكفي لتمرير اية معاملة وحماية اية مخالفة لصاحب المحل او المطعم او الشركة, بمعنى آخر, ان الذي استأجر الرخصة بهذا المبلغ الضخم كان يشتري او يستأجر منصب صاحبها بشكل غير مباشر, ويستفيد من كافة امتيازاته ووجاهته ونفوذه فيما يصح وما لا يصح!! طبعا هناك استغلال منصب بشكل واضح, لكن كيف نواجهه؟ باختصار بمنع هؤلاء الاشخاص اصحاب المناصب من الدخول في لعبة الرخص التجارية والفيز, لان امتيازات مناصبهم تكفيهم وتزيد.