بقلم: خورشيد دلي أثارت الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني زيانج زيمين الى تركيا مؤخرا ومنحه وسام الدولة احتجاجات واسعة من قبل المنظمات والاحزاب التركية القومية والاسلامية, حيث نظمت احدى عشرة منظمة فعاليات مختلفة في انقرة, نددت خلالها بالممارسات الصينية ضد الاقلية المسلمة في الصين وعدت منح تركيا وسام الدولة للرئيس زيمين, وتوقيع اتفاقيات في مجال مكافحة (الارهاب) والتعهد بتعزيز التعاون ضد (اي تحرك ارهابي وانفصالي واصولي) بمثابة تنصل تركي رسمي من قضية الاقلية الاويجورية في تركستان الشرقية وادانة لحركتهم, بخلاف ما اعلنته انقرة في الاعوام السابقة وفي مناسبات عدة تأييدها للاويجوريين الاتراك الذين يتعرضون للتمييز والاضطهاد, والجميع يتذكر العبارة الشهيرة للرئيس التركي الراحل تورجوت اوزال: (حدودنا من بحر الادرياتيكي الى سور الصين) وذلك في اشارة واضحة الى ان الاقلية الاويجورية تمت بصلة القربى الى تركيا, والسؤال الذي يطرح نفسه, هل هناك سياسة تركية جديدة حيال الاقلية الاويجورية المسلمة في الصين؟ هل المسألة مقايضة لللمصالح الثنائية بالحد من التطلعات الثقافية والعرقية للاويجوريين؟ ام انها تتجاوز ذلك وتعني في الجوهر التخلي عن النظرية الطورانية لصالح الخيار الاستراتيجي الاوروبي الذي تتحرق تركيا شوقا اليه؟ في 13/12/1996 اقيمت في استانبول مراسم دينية ووطنية وقومية بمناسبة الذكرى السنوية الاولى لوفاة عيسى يوسف آلبتكين احد اشهر قادة حركة تحرير تركستان الشرقية, وتحولت المناسبة الى مهرجان للتضامن مع الاويجوريين تعهد خلاله الخطباء والحضور بمواصلة الكفاح حتى تحرير تركستان الشرقية, وفي الاساس جرت هذه المناسبة على خلفية احتضان تركيا للمئات من الذين هاجروا او هجروا من تركستان في اعقاب المواجهات العنيفة التي جرت بين السكان والقوات الصينية في مطلع التسعينيات, وقد تجدون هذه المواجهات في عام 1997 لاسباب تتعلق باضطهاد السلطات الصينية لهؤلاء المسلمين. من تركستان الى سينكيانج استولت السلطات الصينية على تركستان الشرقية التي كانت تسمى بـ (قراخند ـ حرة) سنة 1876 واعلنت ضمها رسميا سنة 1884 واطلقت عليها اسم سينكيانج ومعناه (الارض الجديدة) , تبلغ مساحتها 740, 710, 1كم2 عاصمتها التاريخية هي مدينة كاشغر التي سماها الصينيون بـ (شوفو) اما العاصمة الحديثة فيسميها الاويجوريون الاتراك اورونجي وسماها الصينيون (تيهوا) وتقول المصادر الاويجورية ان عددهم في الصين يبلغ نحو 22 مليونا من اصل نحو 80 مليونا معظمهم من القازاق والطاجيك والاوزبك والمنغوليين الى جانب اعداد من العرب وصلوا الى الاقليم مع فتح القائد الاسلامي قتيبة بن مسلم الباهلي لمدينة كاشغر سنة 417 هـ في حين تقدر السلطات الصينية عدد الاويجور بنحو 7 الى 8 ملايين من اصل نحو 25 مليون مسلم في عموم الصين. وبسبب وجود صحارى واسعة في تركستان الشرقية واهمها صحراء تاكلامان حولت الحكومة الصينية مناطق الاقليم الى مركز للتجارب النووية, اضافة الى ذلك فإن احتواء الاقليم على ثروات طبيعية ووقوعه على الحدود الشمالية الغربية الحساسة كل ذلك جعل منه موقعا مهما في الاستراتيجية الصينية, وهذا ما حدا بالحكومة الصينية الى اتباع سياسة خاصة في الاقليم وترجع هذه السياسة الخاصة حيال تركستان الشرقية الى صعود التيار القومي المتشدد في الحزب الشيوعي الصيني الى الحكم بعد عقد من قيام الثورة الشيوعية عام 1949 وذلك على خلفية النزاع السابق مع الحزب الشيوعي السوفييتي فالأقليات العرقية والدينية التي عاشت في بداية عهد الثورة في ظل دعوات ازالة التمييز والظلم للاقاليم ومنها (جمهورية تركستان الشرقية) سرعان ما وجدت نفسها امام سياسة الصهر القومي والسياسي من قبل التيار المتشدد الذي صعد الى السلطة في نهاية الخمسينيات فلم تعد هذه الاقليات تتمتع بصلاحيات الادارة المحلية السابقة واتبعت السلطات الصينية سياسة التغيير السكاني والثقافي في الاقاليم وخصوصا في تركستان الشرقية من خلال توطين الصينيين المنحدرين من عرق الهان في الاقليم حيث تقول الاحصائيات ان عدد هؤلاء في الاقليم بلغ نحو عشرة ملايين نسمة عام 1990 في حين كان عددهم في الاقليم اقل من مئتي ألف نسمة عام 1949 كماتقوم السلطات الصينية بفرض اجراءات أمنية قاسية ضد السكان الاصليين لاجبارهم على الهجرة الى الاقاليم او الى الخارج, وقد هاجر قسم كبير منهم الى تركيا. وفي موازاة سياسة (اعادة التوطين) تمارس السلطات حربا منهجية ضد عقائد هذه الاقليات وثقافاتها وحسب مصادر تركية فإن الرئيس الصيني زيانج زيمين لعب دورا كبيرا في اصدار قرارات الهدف منها القضاء على الهوية العرقية والدينية لهذه الاقليات وذلك من خلال ترؤسه للاجتماع الذي عرف بـ (اجتماع بكين) ومن اهم القرارات التي صدرت عن الاجتماع المذكور: حظر تدريس المواد الدينية (التربية الاسلامية) قصر الوظائف على منتسبي الحزب الشيوعي, التنسيق بين صفوف القوات والاجهزة الامنية وعناصر الحزب الشيوعي لمراقبة الاحزاب والافراد في الاقليم وممارسة الضغوط ضدهم لدفعهم للهرب الى الخارج, وعقد معاهدات مع الدول المعنية (تركيا, كازاخستان, قيرغيزستان) للتنسيق ضد الحركات والاحزاب العاملة في تركستان الشرقية. وكان الحزب الشيوعي الصيني قد اصدر في عام 1982 الوثيقة رقم 19 التي حددت الممارسة الدينية في الاقليم بهدف ابعاد الناس عن الاسلام في تركستان الشرقية, وعدت الوثيقة الدين نظرة غير علمية ويعكس مصالح طبقية معادية للاشتراكية وافكار ماوتسي تونج, وبموجب هذه الوثيقة حظرت السلطات الصينية ممارسة النشاطات الدينية خارج اماكن العبادة وفي اوقات محددة وعلى ان تكون جميع تلك النشاطات تحت اشراف الحكومة, ومنعت السلطات ترميم المساجد واصلاحها وبناء الجديد منها إلا بأمر خاص علما ان الاحصائيات تقول ان المسلمين شيدوا في عهد الصين الوطنية (1911 ـ 1948) نحو 42372 مسجدا وقد تعرض قسم كبير منها للهدم والانهيار, وشملت سياسة التغيير الديمقراطي اسماء الاماكن والبشر على نحو الحسين والحسن (حا) ومحمود ومحمد (ما) ونصر ونصير (نا) وعقب المواجهات العنيفة التي اندلعت في مدينة يينج 1990 بسبب هدم السلطات مسجدا في المدينة شنت السلطات حملة شاملة ضد السكان وتقول الاحصائيات ان هذه السلطات اعدمت عقب المواجهات 1700 شخص واعتقلت سبعة وخمسين ألف شخص. تاريخ من الانتفاضات والثورات منذ فرض السلطات الصينية سلطتها على تركستان الشرقية عام 1644 وارتكابها العديد من المجازر ضد السكان قام المسلمون بالعديد من الانتفاضات والثورات من ابرزها: انتفاضة تشو بقيادة محمد أمين عام 1782 وثورة شن فان بقيادة شيسان عام 1785 وثورة اكسينجانج 1821 ـ 1830 وثورة منطقة يونان بقيادة محمد سلمان 1880 ـ 1885 وقد استمرت هذه الثورات الى عام 1911 اي عام قيام الثورة الوطنية الصينية التي وضعت حدا لاضطهاد المسلمين حيث اعترف مؤسس الجمهورية الصينية صن يات صن بأن الامة الصينية تتألف من خمسة شعوب هي: (الهان المانشو, والمنج, المسلمون, الشانج) واعطيت هذه الشعوب حق المساواة في القانون الاساسي الذي اعلن عام 1913. شكل المسلمون في عهد الصين الوطنية عشرات الجمعيات اهمها: جمعية مسلمي الصين الوطنية, الجمعية الاتحادية الاسلامية, جمعية اتحاد المسلمين, الجمعية الثقافية الاسلامية الصينية, وشارك المسلمون في الحياة السياسية في البلاد. وفي عام 1933 اعلن المسلمون عن اقامة جمهورية تركستان الشرقية بزعامة الشيخ خوجانيازي وشكلت فيها حكومة برئاسة السيد ثابت داملا الا ان السلطات السوفييتية التي خشيت من تأثير هذه الجمهورية على اوضاع المسلمين في داخلها حرضت السلطات الصينية ضد الجمهورية الفتيةوفعلا نظمت حملة مشتركة ضدها انتهت باجتياح القوات العسكرية للجمهورية واعدام الشيخ نيازي والسيد داملا, واستمرت الانتفاضات والثورات في الاقليم حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي انتهت بتصادم المصالح الروسية والصينية في المنطقة الحدودية وفي عام 1945 نجح علي خان الذي استفاد من هذا التصادم في الاستيلاء على منطقة ايلي وانشأ ادارة محلية فيها, الامر الذي دفع بالمناطق الاخرى الى الثورة ضد الحكم ونالت تركستان الشرقية استقلالا ذاتيا برئاسة الدكتور مسعود صبري وعين يوسف عيسى آلبتكين سكرتيرا عاما للحكومة, وقد انتهت هذه الجمهورية ايضا باجتياح القوات الصينية لعاصمتها في سبتمبر عام 1949 اي عقب قيام الثورة الشيوعية ومع دخول القوات الصينية الجمهورية هرب معظم قادتها الى الخارج ولجأ قسم كبير من الاويجوريين الى تركيا ومن ابرزهم عيسى يوسف آلبتكين الذي اصدر في استانبول مجلة (صوت تركستان الشرقية) بالانجليزية والتركية والعربية , ونجح آلبتكين الى جانب (منظمة تحرير تركستان الشرقية) في خلق تيار شعبي كبير داخل الاحزاب والمنظمات التركية القومية والاسلامية لتأييد الاويجوريين ومن اهم هذه المنظمات والاحزاب: حزب الاتحاد الكبير بزعامة اوكاش تشام ونيلار وحزب الوحدة العظمى بزعامة محسن اوغلو, وحزب الحركة القومي بزعامة دولت باهجلي, وحزب الفضيلة بزعامة رجائي كوتان. معادلة المصالح والخيارات في الاساس برز التيار الداعم للاويجوريين في تركيا في عهد الرئيس التركي الراحل تورجوت اوزال الذي اتخذ من البعدين القومي والديني (العثمانية) عنصرا لبناء السياسة الخارجية التركية في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة, الا انه بوفاة اوزال والتطورات السياسية التي شهدتها تركيا لاحقا على صعيد السياسة الخارجية وخصوصا قبول ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي لم يعد البعد السابق يشكل عنصرا اساسيا في السياسة الخارجية التركية. بل تحاول تركيا توظيف هذا العنصر في بناء سياسات اساسها المصالح الاقتصادية والانضمام الى العضوية الاوروبية والدور الاقليمي. وقد كشفت الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني زيمين الى تركيا اخيرا عن جانب من هذه السياسة فتركيا تريد زيادة التبادل التجاري مع الصين والذي يبلغ نحو 930 مليون دولار عام 1999 الى ملياري دولار من خلال زيادة الصادرات اضافة الى جلب المزيد من الاستثمارات الصينية في مجال الطاقة والسكك الحديدية, حيث اقترح الرئيس سليمان ديميريل على نظيره الصيني احياء طريق الحرير القديم, وقبل هذا وذاك الحصول على الخبرة العسكرية الصينية في مجال التصنيع الحربي لمختلف انواع الاسلحة حيث تطمح تركيا بأن تصبح دولة مصدرة للسلاح في القريب العاجل, بقدر طموحها واحتراقها الى نيل العضوية الاوروبية.