بقلم: احمد عمرابي في يوم ما خلال النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم التف جمع من المتسوقين والبائعين في سوق الخضار بالخرطوم حول رجل في عقد السبعينيات بعد ان اكتشفوا هويته. كان ذلك هو الفريق ابراهيم عبود الرجل الذي قاد انقلاب 1958 وحكم البلاد عسكريا لمدى ست سنوات انتهت الى اسقاط حكمه شعبيا وسبه وشتمه, اما في ذلك اليوم من منتصف الستينيات فان الجمع الذي التف حول ذلك الحاكم السابق بعد نحو اربع سنوات فقط من نهاية عهده كان يهتف: (ضيعناك وضعنا معاك يا عبود!) . وبقدر ما كان ذلك الهتاف البليغ تقريظا بأثر رجعي لحكم عسكري, بقدر ما كان تعبيرا عن احباط وخيبة امل تجاه الائتلاف الحزبي الذي كان يتولى السلطة للفترة من عام 1965 الى عام 1969 في اطار الديمقراطية الثانية. هذا المثال يلخص المشكلة. فالسودانيون لا يطيقون الحكم الاستبدادي العسكري.. لكنهم في الوقت نفسه ليسوا على استعداد للصبر على الديمقراطية والحديث في هذا السياق ليس عن الزعامات السياسية الحزبية بقدر ما هو عن الجماهير.. سواء المنظمة او غير المنظمة. ان النظام الديمقراطي هو بطبيعته عملية بطيئة بوجه عام. وفي العالم الثالث تحديدا, فان ارتكاب الاخطاء الجسيمة من جانب هيئة الحكم وتنظيمات المعارضة على حد سواء واعتماد اسلوب المناورات والكيد وتسجيل النقاط على حساب العمل الجاد تجاه القضايا القومية الجادة يجب ان يقبل به كجزء لا يتجزأ من عملية التجريب الديمقراطي بأمل ان تتحسن الامور مستقبلا مع استمرار التجربة الديمقراطية. لكن المشكلة اننا كشعب لسنا مستعدين للصبر على البطء الديمقراطي المشروع وعلى اعطاء الديمقراطية فائدة الشك على اساس ان الديمقراطية المعيبة خير من غيرها من الانظمة والمناهج قاطبة. وهذا مما يعجل بنهاية الربيع الديمقراطي في كل مرة. ان الانقلاب العسكري على النظام المدني الديمقراطي لا يأتي من فراغ.. والضباط المغامرون الانقلابيون لا يهبطون من كوكب المريخ. العملية الانقلابية في الحقيقة استجابة مباشرة بصورة حاسمة لتصاعد حالة عدم الصبر عندما تعم كافة القطاعات الشعبية, واستثمار لاستهانة الجماهير بالنظام الديمقراطي وهز هيبته وخلخلة جذوره عن طريق الاستغلال السيء لما يوفر من حريات التعبير والتنظيم. عندما وقع انقلاب 30 يونيو 89 كان عدد الاضرابات النقابية التي حدثت ضد الحكم الديمقراطي الائتلافي 66 اضرابا في غضون ثلاث سنوات فقط, هي عمر النظام الديمقراطي حتى ذلك الحين. وتخلل الاضرابات المتتالية ما لا يحصى من مذكرات مطلبية قاسية اللهجة من القادة النقابيين الى الحكومة, كلها تتضمن مطالب شبه مستحيلة... وما لا يحصى من مظاهرات كان هاجس قادتها الاوحد احراج الحكومة وتعجيزها. ولا احب ان يفهم من هذا انني انصب نفسي محاميا للدفاع عن حكومة ائتلاف حزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي في ذلك النصف الثاني من الثمانينيات وتحقير المطالب النقابية. لقد كان للحكومة آنذاك اخطاؤها الجسيمة وانغماسها في سفاسف الامور واهمال الاصلاحات الجادة. لكن هذا يجب الا يمنعنا من الاعتراف بخطأنا كجماهير وقطاعات شعبية, خاصة النقابات: كنا نستهتر بالنظام الديمقراطي ونسيىء استغلال مزاياه ونتعامل معه عموما بأعلى درجات اللامسئولية.