تجددت الإحن والمشاحنات بين البيض, خلفاء المستوطنين الأوروبيين, والأفارقة السود أبناء البلاد الأصليين في زيمبابوي. وتأتي هذه الخلافات , بعد نحو عشرين عاما من تصفية نظام الفصل العنصري, وارساء البديل الديمقراطي القائم على المواطنة المتساوية. موجز الأسباب التي قادت الى بعث الشقاق بين البيض والسود من مرقده, أن المجتمع الافريقي الأصل ما عاد يطيق الثروات في البلاد. لقد استكشف الأفارقة أن زوال النظام العنصري, انطوى على ارضاء طموحاتهم السياسية الى حد مُرضٍ , غير أن هذا التحول لم يستتبعه تغير يذكر فيما يتعلق بالسيطرة على الموارد الاقتصادية. فمازال قرابة واحد في المئة من سكان زيمبابوي البيض ذوي الأرومة الأوروبية (100 ألف نسمة), يملكون زهاء 70 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة. وهي معادلة تكاد تجعل عشرة ملايين أفريقي هم قوام المجتمع الأصل في زيمبابوي مجرد شغيلة من الفلاحين في بلادهم الأم عند أحفاد المستوطنين القدماء. والواقع أن ما يجري في زيمبابوي يثير قضية العلاقة بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي وان بشكل غير مباشر, فكثير من الشعوب التي استبشرت بزوال الاستعمار وفرحت باستقلالها السياسي الذي حصلت عليه بنضال نبيل, أدركت لاحقا حجم تغلغل القوى الاستعمارية في أحشائها على الصعيد الاقتصادي. وقد نجم عن ذلك ما يعرف بعملية الاستتباع والاعتمادية التي تعانيها هذه الشعوب في صلتها بهذه القوى. الذي يحدث في زيمبابوي قريب الشبه من هذه الحالة, ولكن في النطاق الداخلي, فالمحاربون القدماء من أبناء المجتمع الأصل, هم الذين يستشعرون الآن الغبن الاقتصادي وتبعيتهم لأبناء المستوطنين البيض. وقد كان مرور عقدين كاملين على زوال التفرقة العنصرية بدون جدوى ملموسة للعهد الجديد على مستوى معيشتهم, كافيا لاقناعهم بأن التغير الذي حدث كان ظاهريا فقط, أما في الواقع المعيش, فان البيض مازالوا يتحكمون في أرزاقهم, كونهم يقبضون على رقبة الاقتصاد. حقا, تمكن نضال الأفارقة من اعادة الاسم التاريخي لمملكة زيمبابوي, بعدما أحاله المستوطنون, وجلهم من البريطانيين, الى روديسيا نسبة الى سيسيل رودس مؤسس الحركة الاستيطانية هناك - ولكن أى فائدة حقيقية من هذه الاستعادة الشكلية عادت على الافارقة, طالما أن البيض, أحفاد رودس يملكون معظم الأراضي المنتجة فضلا عن مناجم الذهب والفحم والتجارة الخارجية؟. وبالمناسبة, يلاحظ أن مستوطني زيمبابوي اختطوا لأنفسهم فلسفة استيطانية, زعموا اختلافها عن أندادهم في نماذج الاستعمار الاستيطاني الأخرى, لاسيما في جنوب افريقيا بالجوار, فقد رفعوا شعار ما دعوه بـالتنمية "المتوازية" مع أصحاب البلاد الأصليين لا المنفصلة عنهم. لكن ما يعتمل الآن, وما ظهر من تجليات لهذه الفلسفة, يثبت أن البيئة الاستعمارية الاستيطانية لها جوهر واحد في كل مكان. إذ لم يتحقق للأفارقة تنمية متوازية ولا متوازنة ولا حتى منفصلة في زيمبابوي أو في جنوب افريقيا.. كما لم تتحقق للشعوب الأصلية في الأمريكتين واستراليا. إن تفهم هذه الخاصة مهم لمن أراد استكناه تجربة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. فكل القوى الاستعمارية الاستيطانية اتشحت دعائيا وتعبويا برداءات انسانية أو دينية, وتخفت في عباءات براقة.. منها ليس على سبيل الحصر, رسالة الرجل الأبيض, تمدين عوالم الآخرين, الاستجابة لوعود السماء, التبشير الديني.. لكنها جميعا أوردت البلاد والعباد الذين استعمرتهم موارد الخراب بحيث لانعرف مكانا ولا شعبا ساقته أقداره لهذا الصنف اللعين من الاستعمار, وعرف طعم الرخاء أو التمدن الذي أثاره فقه الاستيطان. لم ترتق الشعوب الأصلية في كنف المستوطنين, فقد كان المستوطنون دوما حريصين على الاحتفاظ بمسافة سياسية واجتماعية واقتصادية مع هذه الشعوب, ومن لوازم حياتهم في البلاد التي استوطنوها الحفاظ على عالمهم وارتباطاتهم الخاصة بهم, لاسيما مع بلادهم الأم خلف البحار والمحيطات. وها نحن نشهد السياسة البريطانية تتصدر حملة دولية, لفرض عقوبات ضد نظام روبرت موجابي, لإكراهه على صيانة مصالح البيض في زيمبابوي استجابة منها لنداء الأصل المشترك معهم. تماما كما هو حال الغرب عموما مع النخبة الحاكمة الصهيونية في فلسطين. وفي سياق المشابهة, تبدو قضية الاستيلاء على الأرض الخصبة معلما واضحا بين نماذج الاستعمار الاستيطاني. ولعل المثلين الزيمبابوي والفلسطيني بالمعنى الدلالة بهذا الخصوص, ويبدو أن المستوطنين الغزاة, ينطلقون في سعيهم هذا من منظور أن الأرض ليست فقط مصدر كل الثروات في التحليل النهائي, وإنما هي أيضا مناط استقرار الشعوب الأصلية وتآلف أبنائها.. وهكذا فان فك الارتباط بين هذه الشعوب وأراضيها يضعف تكوينها الاجتماعي السياسي فضلا عن تحويلهم الى دائرة الاعتمادية الاقتصادية. ولذلك, لا نتوقع تسوية مقبولة سريعة وسليمة بالكامل لقضية اعادة توزيع الأرض بين البيض والسود في زيمبابوي.. ولا نتوقعها كذلك في فلسطين, فتسوية كهذه تعني القضاء على معاقل القوة الحقيقية للمستوطنين, ومن ثم الفشل الكامل للتجربة الاستيطانية.