الصدامات العنيفة المستمرة في جنوب لبنان, والتهديدات الاسرائيلية ضد سوريا والمقاومة الوطنية اللبنانية, والضغوط الامريكية والفرنسية والاسرائيلية ضد دمشق وبيروت, تؤدي جميعا الى رفع حدة التوتر في المنطقة وتشير الى احتمالات صيف ساخن, لكنها لم تسفر عن شلل عملية التسوية, بل يبدو ان النار الحامية تدفع لمزيد من الاتصالات بين العواصم الاقليمية والدولية المعنية فيما يبدو وكأنه سباق بين الحلول السلمية والانفجارات الدامية. فليس مصادفة ان تعلن مادلين اولبرايت عن جولة قريبة في المنطقة لتقوم واشنطن (بتعزيز دورها أثناء الجولة المقبلة للمفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية في إيلات والتي يمكن ان تكون حاسمة) واذا كان هناك من يرى ان تنشيط المسار الفلسطيني هو مجرد عملية ضغط على المسارين السوري واللبناني ضمن (لعبة المسارات) الا ان هناك من يعتبر هذا الدفع خطوة ضمن محاولة حسم كل عملية التسوية قبل انتهاء ولاية كلينتون. وفي جنوب لبنان ليس بخاف تبلور الموقفين السوري واللبناني تجاه الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب الى تأييد قوي لهذا الانسحاب شريطة ان يكون (كاملا وشاملا من كل الاراضي اللبنانية برا وبحرا وجوا وان يكون غير مشروط والى ما وراء الحدود المعترف بها دوليا) . كذلك يمكن رصد تحركات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الى كل من بيروت وباريس, والتحركات الاوروبية والامريكية والكندية المتواصلة, ووصول عزمي بشارة الى العاصمة السورية, كمؤشرات على تبادل الافكار والآراء لتنشيط عملية التسوية على المسارين السوري واللبناني. لكن ذلك كله لا يخفي بالمقابل الضغوط الفرنسية والامريكية المعلنة ضد سوريا, كما لا تغيب عن المشهد امتدادات هذه الضغوط في الداخل اللبناني والتي تعبر عنها جماعات ميشيل عون وغيره من القوى المتأثرة بمواقف باريس وواشنطن, كما تستمر حالة شبه الحرب المتواصلة في جنوب لبنان والتحذيرات الاسرائيلية من تزايد محتمل لهجمات حزب الله, وتلك التهديدات التي لاتكاد تنقطع من قبل قادة دولة العدوان الصهيونية ضد سوريا ولبنان. واذا كان يمكن تفسير هذه المواجهات باعتبارها شكلا من اشكال (عض الأصابع) لحسم اخر نقاط الخلاف التفاوضية, الا ان ذلك لا يعني ان هذه الضغوط قد تفلت وتنفجر وتؤدي الى حرب عنيفة تخلط كل الاوراق وتعيد الصراع الى مواجهة صفرية خطيرة ودامية. وترجيح اي من الاحتمالين مرهون بمدى اختيار اسرائيل وحلفائها بين اعادة الاعتبار للشرعية الدولية والحقوق العربية وبين الضغط العدواني التوسعي الذي قد يقلب كل الموائد ويذكر بحقيقة صراع الوجود وآثاره الخطيرة على الأمنين الاقليمي والدولي.