بقلم: شهرزاد العربي في أجواء الاستسلام التي تعيشها المنطقة العربية معبرة عنها بمفردات خاصة بالسلام, جاء الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله ليؤكد ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة التطبيع, حيث بدا تعبيرا عن الحالة التي ستكون عليها المنطقة مستقبلا, وتشمل ثلاث قضايا جوهرية, اولاها: عدم التسليم بالأمر الواقع, من ناحية انسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني الذي لن يكون الخاص بالدولة القطرية أي بلبنان وحدها وإنما يمتد في رأي المقاومة اللبنانية ليشمل هضبة الجولان السورية, وبعيدا عن الاعتراف بالجميل تجاه سوريا فإنه يعني وبدرجة أكبر تلازم المسارين السوري واللبناني, وثانيتها: المطالبة باطلاق سراح السجناء اللبنانيين, في إعلان مباشر عن ضرورة تجاوز الاحتكار الاسرائيلي لقيمة أسراها, و ثالثتها: المصير الذي ينتظر العملاء العسكريين الذين ساعدوا اسرائيل على الاستمرار في احتلالها وتدميرها لـ(لبنان) . تلك القضايا الثلاث تصب في واقع ثقافة المقاومة من ناحية الاستمرارية وهي حالة نحن في حاجة إليها أكثر من الماضي, خصوصا بعد أن تعددت المسارات وأصبحت المصالح الخاصة تتجاوز مصالح الأمة, رغم أن العديد من المحاولات تبذل في الوقت الراهن بهدف تطويع المنطقة للاستراتيجية الدولية, من ناحية القبول بالانسحاب الاسرائيلي بعيدا عن أي تنسيق, وربما يكون رد حزب الله مساويا لتلك التصريحات الاسرائيلية من خبراء وباحثين يهود فحواها: (أن اسرائيل أقوى وعلى العرب القبول بما تمليه عليهم من شروط حتى يتجنبوا خطرها, وما يمكن أن يواجهوه من حملة دولية بعد أن زادت الاعترافات بها من دول كانت الى وقت قريب حليفا استراتيجيا للعرب) . يلاحظ أن ثقافة المقاومة ورغم قلة عدد القائمين بها مقارنة بالمؤيدين أو الداعين للتطبيع مع اسرائيل لاتزال موجودة إن لم تكن على المستوى الجماعي فعلى مستوى كل جماعة داخل المجتمع, وعلى مستوى النخب والأفراد أيضا, ويتضح ذلك فيما قام به المثقفون الخليجيون مؤخرا حين أعلنوا عن تشكيل تنظيم لمواجهة التطبيع, وكذلك الحال في الجزائر إذ شكلت مؤخرا (لجنة مقاومة الصهيونية والتطبيع) وكذلك على مستوى الممارسة في مصر من كثير من قادة الرأي, وهي جميعها مؤشرات تعطي دلالات قوية على أن ثقافة المواجهة لاتزال قائمة, وأن محاولات الأنظمة وقبولها كرها للتطبيع أحيانا لن تمر رغم ما تعيشه المنطقة من محاولات للالهاء والتأثير السلبي على مجرى التنمية, والنشاط العام. لاشك أن انسحاب اسرائيل من لبنان يعد مكسبا بغض النظر عن النتائج المترتبة عنه, وكذلك الحسابات الاسرائيلية الخاصة, وربما تعد المقاومة اللبنانية هي جبهة الصمود الوحيدة في الوقت الراهن, والجبهات الأخرى تخلت عن عملها المنوط بها لتبحث عن بدائل لاعتقاد عام بأن السلام أيضا نوع من الحرب ولكن بأشكال أخرى, وحين تعتبر ثقافة المقاومة عملا عسكريا, فإن ذلك ليس آتيا من العدم, وإنما هو نتاج قناعات تراكمت سواء لكون الأرض مستعمرة أو لأن مفهوم الجهاد لايزال راسخا لدى أولئك الذين يحاربون في عدة مواقع. إن ثقافة المقاومة قياسا على تجربة (حزب الله) يمكن تكرارها على طول العالم الاسلامي وعرضه, فقط أن تأخذ شكلا تنظيميا, لا أن تظل عملا فرديا أو لجماعات رافضة للواقع, وبإمكان الأنظمة هنا وهناك أن تستفيد من روح الثورة لدى شعوبها لتحقيق مزيد من المصالح والمكاسب, ودعم المفاوض على جميع الجبهات, والاكتفاء فقط بالمدح أو الثناء, ثم محاولة عرقلة ذلك باجراء اتفاقات سرية ومشبوهة لافقاد العمل البطولي قيمته, يجعل ثقافة المقاومة تتراجع ضمن ما تعيشه الأمة من تراجع وانكسار في عدة مواطن ومواقف, لذا فإن النظرة لثقافة المقاومة لاتنفصل عن النظرة الأخرى الداعية للتطبيع, صحيح أن هذه الأخيرة صوتها أعلى, وأكثر تأثيرا لارتباطها بالمصالح, ولكن ثقافة المقاومة أكثر تجذرا واستمرارية لكونها ترتبط بالواقع الحضاري للأمة الاسلامية. ثقافة المقاومة لن تكون مجرد ترف فكري, ولا مجرد مدح لما يقوم به الآخرون من مواجهات, ولكنها امتداد للفعل, وتلازمه مع القناعات الثقافية, وهي بالدرجة الأولى محاولة جادة وفعالة وذات مستقبل لتغيير خريطة المنطقة حتى لو أرادت الأنظمة غير ذلك, وإذ يثمن بعضنا الأعمال البطولية للمقاومة اللبنانية, فإنه ينتظر تعميم ثقافة المقاومة, لأن الواقع الحالي يتطلبها أكثر من أي وقت مضى.