بقلم جلال عارف ينبغي الوقوف طويلاً أمام التصريحات الخطيرة التي أدلى بها وزير الدفاع الفرنسي آلان ريشار والتي اتهم فيها سوريا برفض الاتفاق حول الجولان مع اسرائيل إذا كان هذا الاتفاق سيهدد (هيمنتها) على لبنان! وأسباب الخطورة في هذه التصريحات كثيرة: أولا: لأن لفرنسا دورها ونفوذها في لبنان, حيث مازال البعض (من الطوائف المسيحية خصوصا) يعتبرونها الأم الرءوم التي يستمدون منها العون والتأييد في المواقف الصعبة.. داخليا وخارجيا. وثانيا: لأن فرنسا كانت حريصة على اقامة علاقات وثيقة بالعالم العربي, ولم يقتصر سعيها في هذا المجال على مستعمراتها السابقة في شمال افريقيا وسوريا ولبنان, وإنما تعداه الى غيرها من الدول.. وقد كانت فرنسا الشريك الأكبر للعراق بين دول الغرب في التجارة وغيرها , ورغم المأساة التي يعيشها العراق فمازالت فرنسا تحاول الاحتفاظ بموقع قدم هناك. ووجودها في الخليج ومصر محسوس ويتم دعمه باستمرار. ثالثا: أن فرنسا منذ أن طوت صفحة حرب الجزائر ومعركة السويس التي شاركت فيها بالعدوان على مصر الى جانب بريطانيا واسرائيل, تحاول تصحيح أوضاعها في العالم العربي, وقد جاءتها الفرصة في حرب 67 حين أعلن الجنرال ديجول أن فرنسا ستقف ضد من يبدأ بالعدوان.. وبالتالي أدان موقف اسرائيل, واستمر الموقف الفرنسي بعد ذلك أكثر إنصافا للعرب, ومتميزا في هذا المجال عن الموقف الأمريكي والموقف البريطاني التابع له على طول الخط. وقد جنت فرنسا ثمارا عربية كثيرة لهذه السياسة وخاصة في المجالات الاقتصادية وتجارة السلاح. رابعا: إن تصريح وزير الدفاع الفرنسي لايمكن التعامل معه على أنه (زلة لسان) كما نفعل كثيراً في مثل هذه الحالات تهرباً من مسئولية المواجهة, فهو تصريح مقصود, وفي هذا الوقت بالذات الذي تواجه فيه سوريا ضغوطا هائلة لكي تقدم التنازلات المطلوبة.. أمريكيا وعسكريا. وأيضا.. فلا يمكن التعامل مع التصريح من زاوية الخلافات داخل الحكم الفرنسي ولا الصراع المبكر استعداداً لانتخابات الرئاسة المقبلة, كما فعل البعض مع تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي جوسبان أثناء زيارته الأخيرة للمنطقة والتي وصف فيها المقاومة اللبنانية الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي بأنها (إرهاب) . هذه المرة قطع المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية الطريق على مثل هذه التكهنات, وأعلن: (إن فرنسا تتحدث بصوت واحد) . وقبل أن نمضي في الحديث, يجب أن نتذكر هنا أن جزءاً كبيراً من ردود الفعل المتناقضة التي عاشتها فرنسا أثناء أزمة جوسبان لم تكن بسبب التصريحات ذاتها, وإنما كانت بسبب الاهانة التي لحقت بصورة فرنسا عندما اعتدى الطلبة الفلسطينيون عليه في جامعة بيرزيت. أيضا يجب أن نتذكر أن جوسبان رغم كل ما حدث لم يتراجع عن تصريحاته, بل أعلن تمسكه بها, وذهب الى البرلمان الفرنسي ورد على من انتقدوه, وأنهى الموقف لمصلحته. وأيضا.. يجب أن نتذكر أن جوسبان لم يكن يعبر عن رأيه باعتباره زعيما للاشتراكيين الفرنسيين الذين تربطهم باسرائيل علاقات وثيقة وقديمة, ولكنه كان يتكلم كرئيس لوزراء فرنسا, ورغم أن البعض يومها حاول أن يوحي بتأثير هذه العلاقات (التاريخية) بين الاشتراكيين الفرنسيين وعلاقاتهم باسرائيل ونفوذ اليهود الفرنسيين داخل صفوف اليسار, في مقابل الديجوليين والرئيس شيراك الأكثر قربا للعرب. رغم ذلك فان تصريحات وزير الدفاع الفرنسي تأتي لتؤيد النظرة القائلة بأن القضية أكبر من صراع بين الديجوليين والاشتراكيين الفرنسيين, وأبعد من التمهيد لمعركة الرئاسة الفرنسية المقبلة بين شيراك وجوسبان, وأن الأمر يبدو وكأنه تغيير استراتيجي في السياسة الفرنسية تجاه المنطقة ينبغي رصده والتعامل معه بالجدية الواجبة. لماذا هذا الانقلاب.. والى أين؟ يقول المراقبون إن فرنسا أدركت ومنذ زمن بعيد أن الهيمنة الأمريكية على العالم هي الحقيقة المؤكدة, وأن قصارى جهدها وغاية أملها أن يكون لها دور بجانب هذه القوة المهيمنة, وأن حكاية العالم متعدد الأقطاب التي كان يروج لها شيراك لم يعد لها مكان, خاصة بعد تضاؤل الأمل في وجود سياسة أوربية موحدة في المدى القريب. هذه النظرة التي يؤمن بها أساسا قطاع كبير في اليسار الفرنسي, عبر عنها وزير الخارجية هوبير فيدرين حين دعا الى التخلي عن الأوهام بدور مركزي فرنسي في العالم والقناعة بدور الشريك الأصغر مع الولايات المتحدة, وهو دور تستطيع فرنسا أن تجني منه وفقا لهذه النظرة الكثير من المنافع. وطوال عدة سنوات كان الصراع بين هذه النظرة ومعارضيها قائما, وكانت مظاهر الصراع تتجلى في العالم العربي في أمرين: أولهما: الاصرار على دور فرنسي متميز وخاصة في المجال الثقافي. وثانيهما: تبني نظرة أقرب الى الموقف العربي في الصراع مع اسرائيل أو مع أمريكا. وإن كانت الملاحظة هنا أن الموقف الفرنسي كان يترجم نفسه بصورة أقرب الى تسجيل الموقف المعارض في البداية, ثم الرضوخ للمنطق الأمريكي في النهاية.. والمراجعة الدقيقة للموقف الفرنسي في الأزمات التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الماضية تؤكد ذلك. الآن يبدو أن الخلاف قد حسم لأنصار الاقرار بالهيمنة الأمريكية بين صّناع القرار في السياسة الفرنسية.. ولقد ساعدهم على ذلك بلا شك الموقف العربي البائس منذ مأساة غزو الكويت وما تبعها من تداعيات.. ضاعت فيها العراق كقوة عسكرية وسياسية واقتصادية مؤثرة, وتأكدت السطوة الأمريكية في الخليج, وبدأت مسيرة (سلام الشجعان) إياها ففتحت أبواب التطبيع والهرولة على مصراعيها, وترسخ اليقين في العالم العربي من الجزائر والمغرب الى اليمن وجيبوتي بأن الطريق الى قلب وعقل أمريكا لابد أن يمر باسرائيل. وإذا كان العرب أنفسهم قد دخلوا سباق الهرولة فلالوم على الآخرين, وإذا كانت اسرائيل قد نجحت في إستغلال المسيرة العرجاء لـ(سلام الشجعان) في فك العزلة التي كانت مضروبة حولها, وفي بناء علاقات وثيقة بكل القوى المؤثرة في العالم.. فلماذا تبقى فرنسا استثناء ً من هذا؟! واذا كان العرب قد تركوا الساحة خالية للاسرائيليين ليقدموا أنفسهم باعتبارهم القوة الديمقراطية المتحضرة وسط غابة من التخلف العربي.. فمن الذي يتحمل المسئولية عن الانقلاب الاستراتيجي الذي حدث في السنوات الماضية إذا كان بعض العرب قد ذهب راجياً دول العالم أن تفتح البوابات لاسرائيل باعتبار أن ذلك سيشجعها على المضي في مسيرة سلام الشجعان, فكانت النتيجة أن فقد العرب حلفاءهم, وكسبت اسرائيل الجولة بالتهاون العربي قبل أن تكسبها بالتفوق الاسرائيلي. كانت معظم افريقيا تقاطع اسرئيل وتؤيد العرب. وكانت الدول الاسلامية تنافس العرب في تحمسهم لفلسطين ونضالهم من أجل تحرير القدس, وكانت الصين في صف العرب, وكذلك الهند, والاتحاد السوفيتي قبل انهياره.. فماذا حدث في ظل مسيرة سلام الشجعان؟ في الأسبوع الماضي كانت الصين ممثلة في رئيسها تحتضن اسرائيل وكان التعاون التكنولوجي والعسكري هو مجال المباحثات عند زيارة الرئيس الصيني للكيان الصهيوني. وكانت اسرائيل تفتعل معركة مع أمريكا نفسها حول تزويدها الصين بطائرات عسكرية متقدمة تعتمد على تكنولوجيا حصلت عليها من أمريكا. والعلاقات الاسرائيلية الهندية تسير على نفس المنوال. وأفريقيا كلها بما فيها الدول العربية مفتوحة أمام تل أبيب. ورئيس أندونيسيا المسلمة يقود بنفسه مسيرة التطبيع مع اسرائيل.. والحبل على الجرار. فلماذا نتصور أن فرنسا ستبقى بعيدة عن كل ذلك؟ ولماذا نتصور أن سياسة فرنسا العربية ستبقى كما هي.. وهل نلوم الآخرين إذا كانوا يعتقدون أن العرب قد أنتهوا كقوة مؤثرة وكمشروع قومي كانوا يحسبون له ألف حساب؟! .. ويبقى الجانب العاجل من القضية, فتصريح وزير الدفاع الفرنسي يأتي في إطار حملة منظمة تريد تحميل سوريا مسئولية الفشل في الوصول الى التسوية السياسية. فمنذ اجتماع جنيف الذي اعترفت الصحافة الاسرائيلية بأنه كان كمينا للرئيس الأسد, وبعد تبني أمريكا على لسان الرئيس كلينتون للمشروع الاسرائيلي كاملا والاعلان بأن الكرة في ملعب سوريا وأن عليها أن تقدم التنازلات المطلوبة عن الأرض والسيادة والمياه.. بدأت عملية تسخين للموقف تظهر اسرائيل بمظهر حمامة السلام الوديعة التي تواجه (البعبع) السوري الذي لايكتفي برفض التسوية المعروضة للجولان, وإنما يحاول تعطيل الانسحاب الاسرائيلي المرتقب من جنوب لبنان لتظل (رهينة) تحت هيمنته. والموقف السوري اللبناني واضح بالنسبة لقضية الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب المحتل. فالانسحاب هو بكل المقاييس انتصار للمقاومة الوطنية الباسلة التي كبدت اسرائيل من الخسائر ما جعلها عاجزة عن تحمل المزيد. والانسحاب هو الهزيمة الكاملة للعسكرية الاسرائيلية, ولكن الانسحاب لابد أن يكون شاملا لكل التراب اللبناني والمياه والأجواء اللبنانية, والانسحاب لايعني أن تتحول الحكومة اللبنانية الى حارسة لأمن اسرائيل الذي سيظل مهددا مادامت تحتل أرضا عربية, ومادام الحل الكامل الشامل بعيدا, ومادامت القضايا الأساسية في الصراع بدون حل, ومادام هناك على أرض لبنان فقط 350 ألف لاجئ فلسطيني محرومون من حق العودة لوطنهم السليب. لقد جرى تشويه هذا الموقف ليصبح رفضا لبنانيا لاستعادة أرضه المحتلة! واصراراً سورياً على (الهيمنة) على لبنان! وبات واضحاً أن المطلوب عزل سوريا وإرغامها على التسليم بالمطالب الاسرائيلية والأمريكية. وفي هذا الاطار كان ملحوظاً ان هناك موقفاً أوربياً متحفظا إزاء المخططات الاسرائيلية الأمريكية, حاولت الدبلوماسية السورية استغلاله بمناشدة أوربا أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في تحقيق السلام العادل الشامل في المنطقة. ومن هنا تجئ الصدمة من تصريحات وزير الدفاع الفرنسي, خاصة إذا رافقتها تأكيدات الخارجية الفرنسية بأن (فرنسا تتحدث بصوت واحد) . إن إنضمام فرنسا الى الحملة الاسرائيلية الأمريكية على سوريا, وبهذا العنف الذي جاء في تصريحات وزير الدفاع الفرنسي يعني أن الموقف يزداد خطورة, وعندما يترافق ذلك مع تصريحات مهادنة من المسئولين السوريين وسعي لدور أوربي أكثر نشاطا, فإنه يعني أن المطلوب هو إغلاق كل الأبواب أمام دمشق لترضخ وتقبل ما سبق أن رفضته. ويزداد الأمر خطورة إذا تذكرنا بعض تصريحات وزير الدفاع الأمريكي (أيضا وزير الدفاع!) عند زيارته الأخيرة للمنطقة عن تنشيط التحالف العسكري الاسرائيلي التركي وتوثيق روابط الأردن به, وعن مناورات عسكرية قرب سواحل سوريا, وعن استمرار الدعم الأمريكي بلا حدود لضمان تفوق اسرائيل العسكري. وتكتمل الصورة بحديث رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك عن رفض سوريا للسلام لأنه يعني نهاية النظام هناك, والتي يذكر فيها أن شاوشيسكو حاكم رومانيا الأسبق قد فتح حنفية على الغرب ليحصل على قطرات من المياه, ففوجئ بسيول المياه تقتلعه وتقذف به من حنفية أخرى في الجانب الآخر!! وسقوط دمشق كما يحلم البعض سوف يكون كارثة عربية بلا حدود.. فهل ينتبه العرب, وهل يكون الدعم العربي لسوريا وموقفها المبدئي هو الرد على ما يتم تدبيره؟ وهل تتوقف مسيرات التطبيع وسباقات الهرولة؟ وهل تعي القوى الوطنية والقومية في الوطن العربي مسئولياتها, فتتجاوز الخلافات وتوحد الصفوف في دعم الموقف السوري اللبناني الصامد.. وهل آن الأوان ليكون الرد على كل من يدعم عدوانا هو أن يدرك جيداً أن مصالحه عندنا لن تكون آمنة, وأنه إذا شاء أن يلعب (اللعبة الاسرائيلية) فعليه أن يدفع ثمن ذلك.