بقلم: احمد عمرابي أول محاولة انقلابية ناجحة في السودان وقعت قبل ان يكمل اعلان الاستقلال الوطني سنته الثالثة ـ تحديدا في 17 نوفمبر 1958 ـ ومن ثم وعبر 42 عاما حتى اليوم ظلت المسبحة تكر: انتفاضة يعقبها نظام ديمقراطي يعقبه انقلاب عسكري, ثم من جديد تدور الدورة بوقوع انتفاضة تفرز نظاما ديمقراطيا.. الى آخر الدورة المتكررة. في هذه الاثناء ـ وعلى طول الخط ـ تطغى شعبيا نظرية (الملاك والشيطان) . في انتفاضة اكتوبر 64 الشعبية التي اطاحت بطغمة 17 نوفمبر كان الفريق ابراهيم عبود في نظر الجماهير (شيطانا) .. ولكن خلال ثلاث أو أربع سنوات, بعد أن ضجر الناس من فشل القادة الحزبين في اطار النظام الديمقراطي صار الفريق عبود (ملاكا) يتحسر الناس علنا على عهده. وعلى هذا الخط صارت نظرية (الملاك والشيطان) تتجدد من حين لآخر حتى يومنا هذا.. حتى صار لكل زعيم سياسي شخصيتان متناقضتان تماما, وكذلك التنظيمات السياسية. جعفر نميري في ذروة عصره كان (ملاكا) لأنه في نظر الجماهير آنذاك أدب (الحزب الشيوعي) الذي كان (رمز الالحاد) . وفور سقوط نظامه صار نميري (شيطانا) والآن, وفي ظل حكم (الجبهة القومية الاسلامية) اتضح ان نميري لايزال له جماهير تعتبره (ملاكا) وأعجب من ذلك ان (الحزب الشيوعي) الذي بطش به نميري نفسه رفع ايضا الى مرتبة (ملاك) .. فقد تذكر الناس الآن ان الشيوعيين خير ترياق للجبهة الاسلامية. والامثلة تكاد لاتحصى: جون قرنق تحول من رمز للتمرد الى رمز للخلاص الوطني. ود. منصور خالد كان يتهمه خصومه من الشيوعيين واليساريين بأنه يعمل لحساب الاستخبارات الامريكية (ولا استطيع ان اقول على وجه الدقة انهم صادقون أو كاذبون) فصار بطلا وطنيا يستشهد بحكمته وبلاغته واخلاصه للوطن والامة. ومحمد عثمان الميرغني والصادق المهدي يمكن ان يكون كل منهما اما رمزا للنضال التقدمي او رمزا للطائفية الرجعية حسب تقلبات الظروف السياسية. الان تطالب أقسام عديدة من السودانيين باسقاط (نظام الجبهة) الراهن. وهي مطالبة ليست بلا مبرر. فمن حيث المبدأ ليس هناك أفضل من الديمقراطية الليبرالية التعددية.. وثانيا, فإن حال السودان في التعقيد السياسي والمساحة الجغرافية والتنوع الطائفي, بحيث يستحيل ان تحتكر فيه السلطة قوة سياسية واحدة.. ليس (يستحيل) فحسب, بل ويجب ألا يكون. لكن اسأل أيا من يصادفك من اصحاب هذا التوجه عن تصوره لمستقبل السودان ولن تظفر باجابة علمية شافية. غاية ما يمكن ان تسمعه هو ان الديمقراطية التعددية بما توفر من حريات وحقوق وآليات لمحاسبة الحكم هي البديل المطلوب. غير ان النظام الديمقراطي من حيث التنظير وعاء هيكلي خال من المضمون.. وليس هذا مما يعيبه او ينتقص منه. ان العيب في هذه الحالة هو عيب الزعيم أو التنظيم العاجز عن ابتداع توجهات وتصورات وبرامج محددة لملء هذا الوعاء الهيكلي الخالي, والا لما رأى مثل هذا الزعيم او التنظيم في النظام الديمقراطي سوى أداة تستغل للثراء الشخصي والمجد الذاتي ليس إلا. لايكفي ان ينهض امامنا زعيم سياسي ليقول ان هدفه هو اسقاط النظام القائم.. ثم يسكت.. أو ربما يستطرد قليلا ليقول ان الهدف من اسقاط النظام هو استعادة النظام الديمقرطي.. ثم يسكت نهائيا. المطلوب ان يقول لنا ماذا يريد أن يفعل بالديمقراطية..ما هي افكاره تجاه مستقبل السودان في عالم العولمة الرأسمالية والتمدد الصهيوني واستعمار صندوق النقد الدولي والصراع الطبقي المتفاعل بين شمال العالم الغني وجنوبه الفقير؟