بقلم: د. محمد الرميحي انتهزت بعض وسائل الاعلام اعادة افتتاح دول خليجية ـ بلغ عددها أربع دول ـ لسفاراتها في بغداد بعد عشر سنوات من فشل الاحتلال العراقي للكويت لتقرأ في هذا الفعل السياسي ما تريد من تحليلات, مشيرة إلى نظرية مفادها ان تؤدي هذه الخطوات إلى تأهيل النظام العراقي خليجيا كمقدمة لتأهيلة عربيا ودوليا. على الرغم من الوضوح الذي تكرر أكثر من مرة في بيانات المجالس الوزارية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية, وكان آخرها بيان وزراء خارجية مجلس التعاون الرابع والسبعون والذي صدر في جدة منذ اسبوعين, وأكد ان هذه الخطوات الدبلوماسية لن تكون على حساب الثوابت المقررة لدى دول المجلس, والمجتمع الدولي, بشأن الحقوق الدولية المتعلقة باحتلال العراق للكويت في أغسطس 1990, وهي تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. واللافت ان البيان الوزاري الخليجي الأخير الذي صدر تمهيدا لعقد قمة خليجية تشاورية ثانية تستضيفها سلطنة عمان في مايو المقبل, قد أشار إلى ان موضوع جديد تجاه العراق بجانب الموضوعات التقليدية, هو مطالبة العراق بالكف عن توجيه الحملات الاعلامية المعادية وعن التهديد أو القيام بأي عمل استفزازي تجاه الجيران. هذا المنحى الواضح تجاهلته وسائل الاعلام لتفتح صفحة للاشارة إلى فتح السفارات الخليجية وكأنها خرق اعلامي وسياسي جديد يحسب لبغداد. سر مفتوح هو ان الولايات المتحدة تسعى لاحداث تغيير في العراق, وهناك شخص منتدب من الخارجية الأمريكية هو ريتشارد دوني عمله هو التنسيق في هذا الأمر مع القوى العراقية الحية والرافضة للوضع الشمولي القائم, ولقبه هو منسق التغيير في العراق. فهل هناك تناقض بين ما يسعى إليه المجتمع الدولي من تحقيق تغيير في العراق, وبين ما يرغب النظام العراقي ان يشيعه من انه بدأ يدخل العواصم الأقرب في الخليج, وان في ذلك مقدمة لتأهيله عالميا؟ ذلك هو ما يسعى إليه النظام العراقي في نشر مفهوم خاطئ بين تبادل ديبلوماسيين من جهة, واصرار بلادهم على مواقف معلنة ومؤكدة من جهة أخرى, وهو اصرار على ان عليه تطبيق جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحرب تحرير الكويت كمقدمة منطقية للنظر في تأهيل العراق سياسيا. في العلاقات الدولية نرى انه حتى بين الدول التي تنشب بينها حروب معلنة قد تحتفظ ببعض دبلوماسييها في عاصمة البلد الآخر, والتاريخ الدبلوماسي فيه من الشواهد مالا يحتاج إلى تأكيد في هذا المجال, بل ان العلاقات الدبلوماسية الايرانية العراقية ابان حرب السنوات الثماني دليل آخر, كذلك الأزمة التركية ـ اليونانية بشأن قبرص, إذ ظلت العلاقات فاترة ولكنها لم تقطع بين البلدين, وكذلك بين الهند وباكستان حول كشمير. يبدو ان الاجابة عن تأهيل العراق سياسيا قد تقررت منذ فترة, في صلبها ان المراوغة التي يتخذ منها النظام العراقي سياسة دائمة تطيل امد عزله عن المجتمع العالمي وهي مرواغة اشتهر بها النظام العراقي إلى درجة انها لا تحتاج إلى شواهد. يحاول النظام العراقي جاهدا ان يستفيد من الوضع المتردي للشعب العراقي, على اعتبار انه وضع انساني يستحق الشفقة معتبرا ان هذا المسلك انما يمثل غطاء للتصلب واستمرار التعنت, وهو أمر بحد ذاته يبرز انتفاء الوسائل العقلانية التي يفكر فيها النظام للوصول إلى حلول سياسية بالاذعان لقرارات دولية تخرج العراقيين من هذا النفق, فالوضع الانساني المتردي ليس السبب, بل هو النتيجة لسياسات طويلة الأمد في انتهاك حقوق الانسان العراقي. لقد كتب الكثيرون, ومنهم كتاب عراقيون ثقات في المنفى, ان رفع الحظر المفروض على العراق لا يستطيع وحده ان ينهي الكارثة الانسانية التي وقع فيها الشعب العراقي, فلابد من ان يتزامن ذلك مع وضع حد لسياسات النظام التي تهدف الى الترويع وادامة الخوف والفزع بين صفوف الشعب العراقي, وهو ما لا يتحقق الا بوقف الاعدامات العشوائية والاغتيالات الفردية وتصفية السجناء السياسين, وباختصار وقف كل الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان. ولعل التذكير بقرار مجلس الامن الرقم 688 والصادر مبكرا في الخامس من ابريل سنة 1991, والمطالب بالوقف الفوري لانتهاكات حقوق الانسان في العراق, وافساح المجال للمنظمات الانسانية لتقديم مساعداتها لجميع المحتاجين الى مثل هذه المساعدات, واقامة حوار مفتوح بين الفئات العراقية لكفالة احترام حقوق الانسان والحريات السياسية لجميع المواطنين العراقيين هو الاولى بأن يذكر. وقد اتخذ هذا القرار الدولي تحت مظلة البند السابع من ميثاق الامم المتحدة والذي يجيز التدخل في الشئون الداخلية بعيدا عن فقرات الميثاق الاخرى, كما اصبح بحد ذاته مرجعا دوليا يبرر التدخل في الشئون الداخلية بسبب انتهاك حقوق الانسان. اللافت ان هناك عناصر جديدة في العلاقات الدولية تنطلق من الوضع العراقي, وهي باتجاهين فلأول مرة في تاريخ هذه العلاقات تتقدم دولة او مجموعة دول لتعيين (منسق تغيير) معلن يتعاطى مع الشأن العراقي ومع القوى العراقية الواسعة والمقاومة للوضع السائد في العراق من اجل احداث التغيير. والثاني ان هناك دولا تتعامل مع ثلث اراضي الدولة العراقية بعيدا عن سيادة بغداد, فكأن هذه المنطقة قد صارت دولة خارج العراق, واقصد هنا الاكراد في شمال العراق. في الامر الاول فإن الولايات المتحدة قد اعلنت انها تنسق مع العراقيين الساعين الى عملية الانتقال الى الديمقراطية في ظل حكومة جديدة, بغية ان يعيش كل العراقيين في كنف حكومة وطنية ومسئولة امامهم, وهي سياسة رسمية ومتبعة. فلا تربط الولايات المتحدة بعلاقات طبيعية او حسنة مع حكومة بغداد, وكذلك الكثير من الديمقراطيات ولكنها من جانب اخر تتعامل بانفتاح كبير مع عراقيين, منهم اكراد وعرب وتركمان واشوريون عراقيون وهم معارضون للوضع القائم سواء داخل العراق او في شماله البعيد عن السلطة المركزية او خارجه. وهو ليس تعاملا انفصاليا كما يتبادر الى الذهن, فإن الموقف الدولي يؤكد ضرورة الحفاظ على وحدة العراق وسلامة اراضيه وسيادته الوطنية كاملة غير منقوصة. الا ان هذا التعامل, وهو غير مسبوق دوليا يشكل مبدأ مهما, تتعاطاه الآن الدول المتحضرة, وهو تعامل يقضي بالربط بين الوضع الداخلي من احترام لحقوق الانسان ومساواة المواطنين وبين اعتدال الدولة وتعاملها الخارجي. لقد ثبت ان الدول الديمقراطية في الداخل تنحو في اتجاه التعامل مع الخارج بمثل تلك الروح, والعكس صحيح, كما اثبت التاريخ البشري. فالعلاقة بين انتهاك حقوق الانسان في الداخل وتهديد السلم والامن الدوليين هي علاقة مباشرة وتكاملية. والمعادلة التي يطبقها النظام العراقي هي معادلة قديمة مرت على كثير من الشعوب تتركز في تطويع الجبهة الداخلية عن طريق (التطهير) والابقاء على جبهة خارجية مشتعلة, كما انها معادلة يعرفها جميع الطغاة. ومن المعروف ان المقرر الخاص السابق لحقوق الانسان في العراق فان دير شتويل قد قدم تقارير سنوية عدة الى لجنة حقوق الانسان والى الهيئة العامة للأمم المتحدة معتمدا على القرار الرقم 688, وقد بين في هذه التقارير ـ والتي هي الآن محفوظة لدى ادارات تلك المؤسسة ـ ادانته لهذه الجرائم والانتهاكات المتواصلة والفظيعة لحقوق الانسان العراقي. ومن المفارقة ان تقول بعض فقرات تقاريره (ان التنظيم السياسي والقانوني لجمهورية العراق هو في حد ذاته سبب مستمر لانتهاك حقوق الانسان) . تسعى القوى المعارضة العراقية لبلورة اجماع وطني يكون جاهزا في اليوم الذي تنتهي فيه الممارسة الشمولية, كما يدرك الجميع ان التغيير في العراق هو شأن عراقي, ومن الواضح انه سوف يأتي من الداخل, بعد سنوات طويلة من الحروب والمعاناة والخوف والجوع. وهذه القوى العراقية يصفها ريتشارد دوني بأنها ذات دلالة ومصداقية تفوق ما يتمتع به النظام العراقي الذي يتصور انه عندما يعتلي ممثلوه مقعد العراق في الامم المتحدة انما يتحدث باسمهم وباسم العراقيين جميعا. يدرس العالم منذ الاسابيع القليلة الماضية, ومن خلال مجلس الامن, مدى صدقية العقوبات وتأثيرها وقدرتها على تحقيق الاهداف التي فرضت من اجلها, وهو امر يرحب به الجميع من محبي السلات, كما انه يقود بالضرورة الى القول ان العقوبات ليست هدفا بذاتها وانما فرضت لتحقيق اهداف انسانية تتمثل في سرعة رفع المعاناة وردع الدولة او السلطة المعنية لوضع حد لأي سلوك غير مقبول, واذا فشلت العقوبات بهذا المعنى في تغيير السلوك, فإن المجتمع الدولي مطالب بأن يجد طرقا او وسائل تعالج التهديدات الموجهة للأمن الاقليمي والدولي. والقرارات الاخيرة لمجلس وزراء الخارجية في دول مجلس التعاون الخليجي واضحة في هذا الامر فهي تطالب الحكومة العراقية (بإثبات حسن نواياها تجاه جيرانها قولا وعملا) . ذلك ما لم يفعله النظام العراقي في السنوات العشر الماضية, وليس من المتوقع ان يفعله الآن, لأنه بنى توجهاته على استفزاز في الخارج ابتغاء ادامة التسلط في الداخل, ومن ثم فإن المتوقع ان تستمر جهود التغيير التي تنادى بها بشكل اكثر قوة وصدقية القوى العراقية المعارضة. بقي ان نعرف ان هذا الملف قد يطول فتحه دون الوصول الى نتيجة قاطعة تجاهه, وذلك لأسباب كثيرة منها الوضع الاقليمي القلق, ومنها قدرة المعارضة العراقية بألوانها المختلفة على الائتلاف والتلاقي والحشد. ولكن المؤكد ان اشكال العذاب التي يعانيها العراقيون في مجملها سوف تظل معلقة ونازفة وكلما قرب انقاذهم من ذلك العذاب قدمت البشرية خيرا لهذا الشعب العربي, ولعل في وجود منسق للتغيير ما يبشر بذلك.