بقلم: يوسف الشريف انتهت مؤخرا الجولة الثالثة التي قام خلالها وليم كوهين وزير الدفاع الامريكي بتقييم اوضاع الأمن الاقليمي في منطقة الشرق الاوسط, والتفتيش على القوات الامريكية البرية والجوية والبحرية في الخليج, وتلبية احتياجات اسرائيل العسكرية, واطلاع المسئولين العرب على معلومات وتقارير مغلوطة ومرعبة حول تنامي القوة العدوانية لكل من العراق وكوريا الشمالية, بالتزامن مع تسويق المزيد من صفقات السلاح الامريكي, لا عبر قانون العرض والطلب, وانما عبر تقدير البنتاجون منفردا لمواصفات ونوعيات السلاح, بصرف النظر عن ملاءمته من عدمها لخطط الدفاعات العربية, ومدى توافر كم ونوعيات القدرات البشرية المؤهلة لاستخدامه, وعلى سبيل المثال لا الحصر تأتي في المقدمة طائرة (اواكس) الاستطلاعية التي حصلت عليها دولة عربية منذ سنوات واقامت اسرائيل بسببها الدنيا ولم تقعدها, ثم ثبت فشلها الذريع في استكشاف اجتياح العراق للكويت قبل وقوعه, بينما لم نسمع خبرا ولا رأينا صورة تؤكد على ان الايدي والعقول العربية باتت قادرة على قيادة (الاواكس) وتشغيل اجهزتها التكنولوجية المعقدة, وهناك صفقة المدافع الامريكية طراز (بادين) التي ثار بشأنها جدل عنيف في مجلس الامة الكويتي بين المعارضة والحكومة حول عدم صلاحيتها ـ من حيث المرمى وقوة النيران ـ للدفاع عن الكويت, وهل يغيب عن الذاكرة ما وراء سقوط الطائرة المصرية في المحيط الاطلنطي من ريب وشكوك؟ اذ كان بين ركابها المجموعة المنتقاة من خبرة الطيارين المصريين الذين انهوا دورة تدريبية في امريكا على قيادة طائرات (الاباتشي) , وذلك على وجه الدقة ما يستشعره رجل الشارع العربي البسيط, كلما شاهد غطرسة واستكبار وليم كوهين على شاشة التلفزيون خلال جولاته الموسمية الثلاث لتسويق السلاح الامريكي, ومباحثاته بشأنها مع المسئولين العرب, وتوجيهاته في المؤتمرات الصحفية بشأن الاخطار التي تتهدد امنهم القومي, كأنه الوصي الشرعي الذي يقدر ما ينفع او يضر اطفالا قصرا, كما كان عليه حال امتنا إبان عهود الاستعمار الاوروبي, عندما كان المندوب السامي البريطاني والمعتمد العام الفرنسي اصحاب الحول والطول في تصريف شئوننا! ومن عجب ان تستبعد امريكا اسرائيل من قائمة مهددات الامن القومي العربي, سواء بحكم الواقع الذي يشي به مشروعها التوسعي التوراتي, واصرارها على افساد طبخة السلام, وتوحشها الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية, ورفضها الانسحاب من هضبة الجولان وفق قرارات الامم المتحدة الى حدود الرابع من يونيو 1967, والاستئثار بمصادر المياه العربية, وتمسكها بالقدس عاصمة ابدية لها, ورغم ذلك لا تتوانى امريكا لحظة عن ضمان تفوق اسرائيل النوعي في الاسلحة التقليدية على مختلف الجيوش العربية مجتمعة, فضلا عن اعفائها من التوقيع على معاهدات حظر الاسلحة النووية, بل الى حد مواراة عجزها عن اقناع اسرائيل بالامتناع عن بيع الصين صفقة الاجهزة الالكترونية والانظمة الرادارية المتطورة, بعد نجاح اسرائيل في نقل تكنولوجيا صناعتها من امريكا, رغم ما تنطوي عليه الصفقة من اختراق لاستراتيجيتها الكونية في الصميم, اذا اخذنا في الاعتبار مخاوف امريكا العسكرية والاقتصادية من المارد الصيني, واحتمال استخدامه للتكنولوجيا الامريكية الاسرائيلية في ضم جزيرة تايوان لسيادته عسكريا حال فشل الوسائل السلمية! وبجمع المراقبون على ان امريكا ظلت منذ امد بعيد على اهبة الاستعداد للتمركز العسكري وفرض هيمنتها على منطقة الشرق الاوسط التي تضم أضخم احتياطي للنفط في العالم, حتى ولو لم يغامر العراق باجتياح الكويت, وكانت قد احرزت نجاحها المؤزر من قبل حين استجاب العراق لتحريضها بشن الحرب ضد ايران, وما آلت إليه من استنزاف قدراتهما العسكرية ومواردهما النفطية على مدى ثماني سنوات متصلة, واصلت امريكا خلالها تقديم المعلومات لكلا الجانبين عن الاوضاع العسكرية للجانب الاخر وتزويدهما بالسلاح مباشرة او عبر وسطاء, ومذاك اصبحت الدول العربية اهم سوق لتصريف انتاج وراكد مخزون المصانع الامريكية من السلاح التي بدأت تعاني الكساد والبطالة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة ثم نهاية حرب الخليج! ليس من قبيل الانحياز الى منطق المؤامرة اذا سبرنا اغوار الدور الامريكي الشرق اوسطي المشبوه, فالوقائع والنيات معروفة وعلى المكشوف, وتواجد القوات الامريكية في الخليج الذي اكده كوهين مرارا في تصريحاته المتبجحة, وزاد عليها قوله (سواء سقط نظام صدام حسين ام ظل في السلطة فسوف يستمر الوجود العسكري في الخليج) , ومن هنا يمكن ادراك مغزى واهداف مسعى امريكا الحثيث للحيلولة دون رفع العقوبات المفروضة على العراق, ومواصلة قصفه يوميا بالصواريخ الامريكية والبريطانية من باب القيام بالواجب في تقليم اظافره العدوانية اولا بأول بدعوى الالتزام بأمن الخليج, واجهاض عقد قمة عربية لرأب صدع الخلاف بين العراق والدول الأخرى, وتأجيج مخاوف دول مجلس التعاون الخليجي, سواء على صعيد تفعيل منظومته الدفاعية الاقليمية وهكذا وصلت اجتماعات دول اعلان دمشق الى طريق مسدود رغم مشاركة مصر وسوريا عسكريا في تحرير الكويت, وذلك هو المناخ السياسي والنفسي الملائم لتسويق السلاح الامريكي وجني أرباحه الطائلة تباعا, بينما الحقيقة تشي باستخدامه للحفاظ على الامن الداخلي الذي لا يحتاج ـ في أسوأ الاحتمالات ـ الى الطائرات والدبابات والمدافع ذات التقنية الحديثة ولامنظومات الصواريخ الامريكية المعقدة, بالتوازي مع زيادة ضخ مخزون النفط العربي لصالح امريكا باعتبارها اكبر الدول الصناعية, وخفض اسعاره لحرمان التنمية العربية من عائداته! والشاهد ان جيمس بيكر وزير خارجية امريكا الاسبق كان اول الداعين الى ربط الامن الاقليمي للشرق الاوسط بمنظومة دفاعية, كاحتياطي خلفي للحلف الاطلسي من جانب, وتأمين المصالح الامريكية في المنطقة من جانب آخر في اطار الاستراتيجية الامريكية الرامية الى الهيمنة على مقدرات العالم, منذ اصبحت امريكا اكبر قوة كونية احادية بلا منافس, وترتيبا على ذلك تتولى القيادة الامريكية المركزية في المنطقة توجيه الآليات العسكرية للمنظومة الدفاعية الاقليمية للتصدي لأي مخاطر متوقعة بامكاناتها الذاتية, الى حين حشد ونقل القوات الامريكية جوا وبحرا من قواعدها البعيدة, وتحتاج الى وقت يتراوح بين ثلاثة الى خمسة اسابيع والى مجهودات لوجستية ضخمة على نحو ما اسفرت عنه تجربة التحالف الدولي ابان تحرير الكويت. على ان الفكرة شهدت بعد ذلك تطورا وتطويرا كبير, من حيث تسويق مبيعات السلاح الامريكي للدول العربية واسرائيل وتركيا, بنوعيات وكميات تنسجم مع الخطط الدفاعية الامريكية على نحو خاص, مع تشجيع الدول العربية على المشاركة في المناورات المشتركة مع القوات الامريكية التي قوامها استخدام السلاح الامريكي, وتغيير العقائد القتالية للجيوش العربية بما يتلائم مع هذه الخطط, وان تتم هذه الترتيبات تدريجيا في حرص شديد وسرية تامة, مع الترويج الاعلامي المكثف للمخاطر الخارجية المحدقة بالعرب, وتأجيج الحماس الوطني حول شهادات القادة الامريكيين للقوات العربية بالبلاء الحسن والنظام واستيعاب تقنيات الاسلحة الامريكية الحديثة خلال المناورات المشتركة, واذا كان الاردن قد اعتذر عن المشاركة في المناورات التركية الاسرائيلية وفضل اختيار دور المراقب, فعلينا التنبؤ بالمستقبل الوخيم مع توالي الهرولة العربية للتطبيع مع اسرائيل سرا وعلانية! على ان الصحافة الامريكية رغم كيلها بمكيالين لاسرائيل على حساب العرب, الا انها كشفت الستار مؤخرا عن تقارير موثوقة في مصادرها, تؤكد على تمرير خطة امريكية جديدة تستهدف نشر شبكة من الصواريخ الامريكية الدفاعية في منطقة الخليج مع نهاية عام 2005, وهذه الصواريخ, يمكن في وقت الازمات تحميلها برؤوس نووية, وهنا يثور السؤال عن الجهة المسئولة عن تقدير طبيعة تلك الازمات وما اذا كان الخطر على الامن الخليجي ام المصالح الاستراتيجية الامريكية.. فهل يا ترى وعينا الدرس؟ والجواب بالقطع نعم, ورغم ذلك يظل الحال على ما هو عليه حتى اشعار آخر.