بقلم : احمد عمرابي وسائل الاعلام البريطانية والامريكية عموما تصور الرئيس روبرت موجابي وكأنه زعيم عصابة لقطاع الطرق. ويتخذ الاعلام الغربي من التوجيهات الصادرة عن موجابي الى الفلاحين وقدامى المحاربين من كوادر الثورة المسلحة التي حققت الاستقلال الوطني عام 1980 محورا اساسياً للحملة الشرسة ضد رئيس زمبابوي. تبني موجابي لاسلوب العنف المباشر حقيقة لكنه نتيجة وليس سببا. ولنعد الى جذور الازمة. كان على رأس اولويات الرئيس الزمبابوي عندما تسلم الحكم قبل عشرين عاما تنفيذ مشروع للاصلاح الزراعي يقضي برد ملكية الاراضي الزراعية الخصبة الشائعة الى اصحابها الحقيقيين من المواطنين الافارقة الاصليين. ولم يشأ موجابي ان يلجأ الى اسلوب المصادرة التعسفي. ولو فعل ذلك لما تجاوز مبادىء العدالة. فأسلاف عائلات الاقلية البيضاء من ذوي الاصل البريطاني نهبوا الاراضي الزراعية الخصبة نهبا... ومن ثم اخذ ابناؤها يتوارثونها جيلا بعد جيل. كان مشروع موجابي للاصلاح الزراعي يقضي بتعويض ملاك الارض البيض ماليا تعويضا مجزيا على اساس اسعار السوق السائدة مقابل التنازل عن الملكية. لكن من اين يأتي تمويل التعويضات؟ لم تكن الحكومة الزمبابوية حينئذ وليست الان في موقف يمكنها من تحمل كلفة التعويضات. وعلى مدى العشرين سنة منذ الاستقلال وحتى اليوم تبلور مشهد بشع من مشاهد العولمة الرأسمالية الشريرة. رفضت بريطانيا تمويل الاصلاح الزراعي الزمبابوي رغم انها القوة الاستعمارية التي اشرفت على عمليات نهب الاراضي عند اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتوجهت حكومة زمبابوي الى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للتمويل فوجدت نفسها تجرجر الى سلسلة لا تنتهي من الجولات التفاوضية العقيمة حصيلتها النهائية رفض غير مباشر. وهذه النتيجة تبلورت بضغط متصل من الولايات المتحدة. وهكذا لخص موجابي الموقف لنفسه: القوى الرأسمالية العالمية تتحالف على صعيد واحد مع القوة الرأسمالية المحلية في زمبابوي المتمثلة في ملوك الاقطاع البيض ضد جمهرة الفلاحين الافارقة اصحاب الارض الاصليين وحكومتهم ورئيسهم. هي صورة مصغرة للوضع السائد عالميا الذي يتكون من عنصرين متناقضين: شمال غني يزداد غنى.. وجنوب فقير يزداد فقرا من هنا كان لجوء موجابي الى اسلوب العنف والتحريض عليه.. فالقوى الرأسمالية العالمية والمحلية لم تترك له خيارا اخر. وربما ادرك موجابي ان العنف الشعبي في زامبيا واقع لا محالة بغض النظر عن موقف الحكومة. والان.. كيف تتفاعل المشكلة في المستقبل المرئي؟ اولا ليس بوسع بريطانيا والولايات المتحدة والغرب عموما اتخاذ موقف المتفرج وهم يرون جموع المزارعين السود في زمبابوي ينتزعون الاراضي من البيض بأسلوب العنف المباشر. لكن القوى الغربية لا تستطيع ان تتدخل بقوة دون ان تخاطر باشتعال فتيل الثورة الدموية ضد الاقليات البيضاء في الجوار: جنوب افريقيا وزامبيا وناميبيا.. في كل هذه البلدان تعاني الاغلبية الوطنية السوداء من احتكار البيض للاراضي الزراعية. هل ترضخ القوى الغربية اذن فتوفر تمويلا لمشروع موجابي لاعادة توزيع الاراضي؟ عناصر الاجابة الاولية لهذا السؤال ليست متوافرة في الظرف الراهن. علينا ان ننتظر.