بقلم : احمد عمرابي ربما يكون الفارق في الوسيلة.. لكن الغاية واحدة. هذا هو وجه المقارنة بين جمال عبدالناصر في خمسينيات القرن الماضي وروبرت موجابي في تسعينيات القرن الحالي. والعنوان الكبير في كلا الحالتين هو (الاصلاح الزراعي) .. كناية عن تحرير الارض الزراعية من الاقطاع واعادة توزيعها. وكما تعرض عبدالناصر لحملة غربية شرسة لتشويه غرضه والاساءة الى شخصه عندما نفذ مشروع انتزاع الاراضي من حفنة عائلات من طبقة الباشوات المتبطلين يتعرض موجابي رئيس زمبابوي الان لحملة مماثلة. لكن مهمة موجابي اشد صعوبة من مهمة عبدالناصر. فطبقة الباشوات في مصر الخمسينيات كانت على ثرائها الاسطوري ذات هشاشة سياسية, بينما شريحة ملاك الارض من الاقلية البيضاء ذات الاصول البريطانية في زمبابوي اليوم ترتكز الى قوة الدولة البريطانية وسند غربي عام. هذا الدعم البريطاني والغربي لاصحاب المزارع البيض في زمبابوي ربما يفسر لنا السبب في ان موجابي اشعل ثورة الاصلاح الزراعي متأخرا عشرين سنة. على مدى هذه الفترة من اعلان الاستقلال عام 1980 ظل موجابي يقدم رجلا ويؤخر اخرى مفضلا اسلوب التفاوض السلمي بين الحكومة الزمبابوية من جهة, وملاك الاراضي البيض والحكومة البريطانية من جهة أخرى.. دون ان يحقق اي نتيجة. روبرت موجابي ثائر اشتراكي ذو نزعة ماركسية. وبهذه الصفة قاد ثورة مسلحة ضد الادارة الاستعمارية البريطانية وحلفائها ملاك الاراضي البيض الى ان تحقق الاستقلال. وعلى هذا النحو فان قصة الاستعمار البريطاني في هذه الحالة لا تختلف جوهريا عن قصة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وقصة الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية. فهو في الحالات الثلاث استعمار استيطاني يختلف عن الاستعمار البريطاني في السودان مثلا والاستعمار الفرنسي في السنغال مثلا. القصة بدأت فصولها عند أواخر القرن التاسع عشر عند دخول البيض جنوب افريقيا للمرة الاولى ومن هناك انطلقوا شمالا الى ما يعرف اليوم بزامبيا وناميبيا وملاوي. في كل الجنوب الافريقي تخير البيض اخصب الاراضي الزراعية وطردوا اهلها المواطنين الافارقة الاصليين اما بقوة السلاح او عمليات (الشراء) بأثمان بخسة وفق (عقود) كان يبصم عليها زعماء القبائل اما بالخداع او القهر. ومن هنا ومع مرور السنين صارت بلدان الجنوب الافريقي مستعمرات استيطانية تتركز فيها قوة الثروة وقوة السلطة في يد أقلية من البيض ذوي الاصل البريطاني. وقبل ان تبتكر زمبابوي لنفسها هذا الاسم الافريقي عند الاستقلال كان الاسم الذي اطلقه عليها المستوطنون البيض هو (روديسيا الجنوبية) . اما (روديسيا الشمالية) فهي (زامبيا) الحالية. و(روديسيا) اشتقاق من اسم (سيسيل رودس) .. رائد الاستيطان البريطاني في القرن التاسع عشر. وعندما بدأت المستعمرات البريطانية تنال الاستقلال السياسي ابتداء من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة في اربعينيات القرن الماضي وعبر الخمسينيات والستينيات بطريقة سلمية احتفالية تبلغ ذروتها بتصفية الادارة البريطانية وجلاء القوات البريطانية (كما جرى في الهند وباكستان والسودان ويوغندا مثلا) كان من الواضح ان بلدان الجنوب الافريقي الخاضعة لاستيطان بريطاني يحتكر افضل الاراضي الزراعية على نحو اقطاعي مقيم قصة مختلفة تماما. فلا سلام ولا احتفاليات: الثورة المسلحة كانت الخيار الاوحد.