بقلم: عبدالكريم محمد غالبا مايجنح بعض الكتاب والمؤرخين وتحديدا العرب في تناولهم للمواقف الامريكية من قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي لارجاعه الى بدايات قيام دولة اسرائيل على الارض الفلسطينية, مغفلين جملة من الحقائق التي تتصف بها السياسة الخارجية التي انتهجتها واشنطن منذ وقت مبكر, من عمر هذا الصراع الدامي. فمنذ الفترة الواقعة بين عامي 1953 ـ 1957, التي اتسمت بزيادة حدة الحرب الباردة والتي حاول آنذاك الرئيس الامريكي ابزنهاور استغلالها بغية استقطاب البلاد العربية الى جانب المعسكر الغربي وضمها ضمن احلاف عسكرية. وكان من نتيجة هذه السياسة اعطاء وزن ومكانة اكبر لمشاعر البلدان العربية وبالتالي تقييد التأييد الامريكي لإسرائيل من أجل عقد حلف يضم الدول العربية تحت قيادة الغرب. كما اكدت ذلك وثيقة سرية صادرة عن مجلس الامن القومي رقم (155/1, تاريخ 14 يوليو 1953 تحت عنوان اهداف الولايات المتحدة وسياستها إزاء الشرق الادنى), وقد ظهر ذلك واضحا في الموقف الامريكي المتشدد ضد اسرائيل في عام 1953 حيث اوقفت قرضا لها بـ 75 مليون دولار نتيجة عدم احترامها لطلب لجنة مراقبة الهدنة ووقف العمل في تحويل نهر الاردن, من جانب واحد واعلنتها على الملأ في مجلس الامن اثر الغارة الدموية التي شنها قائد الوحدة الخاصة رقم 101 ارئيل شارون على قرية قبية الواقعة على الحدود الاردنية في العام نفسه. وشهدت تلك الفترة خاصة في عام 1955 محاولات امريكية لمساعدة اسرائيل في تعويض او اعادة توطين اللاجئين الفلسطينين ومحاولة لمساعدة كل من اسرائيل والبلدان العربية اقتصاديا من خلال خطة اقليمية للري (مشروع اريك جونستون) من اجل المشاركة في مياه نهر الاردن. وقد سبق هذه المرحلة والتي تقع ما بين 1948 حتى عام 1956 سعي الولايات المتحدة لإدخال الشرق الاوسط في نظام الدفاع الغربي وذلك في اطار سياسة الحصر الامريكية الموجهة ضد الاتحاد السوفييتي. وكانت المصالح الامريكية في هذه المرحلة والتي تطلبت التقرب من البلدان العربية تتصادم مع الاهتمام الاخلاقي والتعاطف مع اسرائيل مما ادى الى توتر العلاقات الامريكية الاسرائيلية. غير ان هذاالتصادم قد تفاوت من فترة الى اخرى في هذه المرحلة. اما بالنسبة لتسوية الصراع في تلك الحقبة فقد كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو حصر النزاع في اضيق الحدود لمنع تدخل الدول الاخرى خوفا من المد الشيوعي. وهكذا حاولت منذ البداية تحقيق الصلح بين اطراف الصراع وتبنت بالاشتراك مع فرنسا وتركيا تأسيس لجنة التوفيق الفلسطينية, ولكن سرعان ما خابت آمالها وحصرت هدفها في المحافظة على اتفاقيات الهدنة وتنفيذها تحت اشراف منظمة الامم المتحدة لمراقبة الهدنة. كذلك سعت الى المحافظة على الامن والاستقرار الاقليمي, وذلك عن طريق اشتراكها مع بريطانيا وفرنسا في اصدار البيان الثلاثي في 25 مايو 1950 الذي يهدف الى ضمان وحماية خطوط الهدنة وعدم خرقها الى جانب حفظ التوازن في ميزان التسلح بين العرب واسرائيل. لكن على ما يبدو ان ثورة 23 يوليو 1952 في مصر واتساع مشاعر العداء للغرب المترافق مع تزايد حدة التوترات العربية ـ الاسرائيلية التي بلغت ذروتها مع ازمة السويس, غيرت بدورها كثيرا من الفرضيات الامريكية المتعلقة بالمنطقة وبإسرائيل. ومن هذه الاحداث سباق التسلح بصورة خاصة, فإن اعلان الرئيس جمال عبدالناصر في 27 سبتمبر 1955 عن صفقة السلاح التشيكية, والذي بدوره ادى الى تدمير احد اسس اعلان 1950 الثلاثي وقد خلقت هذه القضية جانب الحذر والحيطة عند الامريكيين ازاء المصريين, وهذا ما تجلى بالرفض الرسمي الامريكي المساهمة في تمويل بناء سد اسوان في يوليو 1956, واعطاء السلاح لإسرائيل علنا. ونقل الخبرة الصناعية الامريكية الى الصناعة العسكرية الاسرائيلية بذلك تمكنت اسرائيل من انتهاج سياسة غربية اكثر فعالية بإقامتها شراكه استراتيجية مع فرنسا منذ ربيع 1956 لكن رغم هذا التطور الكبير بالعلاقة الاسرائيلية ـ الغربية بصفة عامة وتحديدا فيما بين مرحلة اندلاع الازمة اللبنانية الداخلية عام 1958 حتى حرب 1967, لم يكن الصراع العربي ـ الاسرائيلي يحظى كثيرا بمكانة خاصة بأجندة السياسة الخارجية الامريكية ولا حتى في اعلامها الداخلي المعبر الحقيقي عن الرؤية السياسية الكونية. وكان تركيز السياسة الخارجية يصب في مناطق النفوذ السوفييتي آنذاك فقد ركزت السياسة الخارجية في تلك الحقبة على (أزمة برلين, وأزمة الصواريخ الكوبية ولاوس والكونغو والدومينيكان وفيتنام), وكانت لا تزال اسرائيل بنظر صانعي السياسة في واشنطن تجربة جينية ترضخ للكثير من الاحتمالات بما في ذلك السقوط والانكفاء عن دورها الذي نيط بها من قبل الدوائر الغربية وبالتحديد فرنسا وبريطانيا حتى خلال الستينيات. دأبت امريكا على المحافظة على الاستقرار في الشرق الاوسط عن طريق توازن القوى في المنطقة, وبدأت تعامل اسرائيل على انها وكيلها العسكري, وتحولت بالتالي الى مورد هام للسلاح في ايام كنيدي وجونسون وقد اكد الرئيس كنيدي عام 1962 لوزيرة خارجية اسرائيل انهما حليفان واقعيان. وعلى أية حال لم تحصل اسرائيل من امريكا على الالتزام الامريكي الرسمي الذي دأب رئيس الوزراء بن غوريون على المطالبة به خلال الخمسينيات. لكن بعد الانتصار الكبير لاسرائيل على الامة العربية في عام 1967 اخذت واشنطن تنظر الى اسرائيل على انها حليف فعلي في سياق تحدي الدول العظمى, ثم تحول الالتزام الامريكي باتجاه اسرائيل لموازنة الوجود السوفييتي في المنطقة اضافة الى استخدامه اداة اجبار في البحث عن السلام. ولهذا السبب بالذات اقدم الرئيس نيكسون بشكل خاص ومن اجل اقناع اسرائيل بقبول مشروع روجرز في 23/7/1970 على عرض تحالف سياسي رسمي على اسرائيل اذا تم التوصل الى معاهدة سلام, وقد عتم العرض على اقتراح السناتور فولبرايت بتاريخ 26/8/1970 لعقد معاهدة دفاع متبادلة متممة لسلام مفروض ومضمون من الامم المتحدة, بشرط ان تنسحب اسرائيل الى حدود 1967, وقد اعتبر كثير من المراقبين هذا العرض على انه ابعد امتداد ممكن للعلاقة الواقعية ونتيجة لنتائج حرب أكتوبر, تكرر تأكيد الالتزام الامريكي طويل المدى تجاه امن اسرائيل في اطار سياسة امريكا العربية, وقد اتبعت الولايات المتحدة المذعورة من تجدد استخدام سلاح النفط العربي, سياسة مساعدة دبلوماسية وعسكرية لاسرائيل تستند الى شرط يفترض ان تقوم اسرائيل بتسهيل التوصل الى تسوية سلمية. وهنا تم تكرار الاشارة الى فكرة الضمانات, ولكن, بالتأكيد هذه المرة مع تعويض اسرائيل عن انسحابها المتوقع, وقد صرح كسينجر وزير الخارجية في شهر نوفمبر عام 1973 حين كان في بكين وبشكل علني ان معاهدة امن متبادل هي خيار محتمل لضمان مستقبل حدود اسرائيل, ولكن ذلك مشروط كالعادة بأن البحث في شكل الضمانات يجب ان يتبع مفاوضات السلام, وهذا بحد ذاته تأكيد على السياسة الامريكية المستجدة بعد حرب اكتوبر, وذلك باعتماد (سياسة عربية جديدة) تأخذ في اعتبارها بعض المطالب العربية وعلى اية حالة ومنذ بداية عام 1975 قيل انه امر بإجراء دراسة عن ضمانات لاستقلال اسرائيل وامنها مقابل انسحابها الى حدود 1967, وعلى ما يبدو ان دبلوماسية الخطوة خطوة التي اتبعها كسينجر تبدت في اتفاقية الفصل بسيناء عام 1975, وعلى ارضية هذه الرؤية لواقع الكيان, كانت الولايات المتحدة تسعى وعلى الدوام لايجاد حلول تسوية بين الطرفين العربي والاسرائيلي, وهذه الرؤية انتجت فيما بعد اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978, والتي تمت برعاية ادارة الرئيس جيمي كارتر, والتي اقرت حكما ذاتيا كاملا للفلسطينيين المتواجدين في الضفة الغربية وقطاع غزة, على ان تجري بعد فترة انتقالة مدتها خمسة اعوام مفاوضات بين مصر واسرائيل والاردن وممثلين منتخبين عن سكان الضفة والقطاع لتقرير الوضع النهائي لهاتين المنطقتين. وكان الرئيس نيكسون يرى انه من مصلحة الولايات المتحدة تسوية الصراع العربي الاسرائيلي لتجنب تدهور الموقف وتورط القوى الكبرى في مواجهة مباشرة, مع ضرورة قيام الولايات المتحدة والقوتين العظميين بصفة عامة بدور ايجابي من اجل التوصل الى التسوية في اطار الاعتقاد بعدم امكانية فرض تسوية على اطراف الصراع من جانب القوى الخارجية, لكن يجب ألا نغفل حقيقة تحول الموقف الامريكي ازاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي, والذي برز بعد العام 1967, واصبح هذا الملف جزءا من اهتمام السياسة الخارجية الامريكية وانه لا يقل شيئا عن العلاقات الامريكية ـ السوفييتية والامريكية ـ الصينية وقد اوضح هذا الامر الرئيس كارتر بعد ان خرجت من معادلة الصراع, في مبدأه في 23/1/1980 والذي جاء بعد سقوط حكومة الشاه في ايران وتبعها التدخل السوفييتي في افغانستان, وهذه المتغيرات غيبت بشكل مرحلي طرح التسويات والمشاريع السلمية, وقد حدد كارتر في خطابه بشأن حالة الاتحاد, وهو ما اتفق على تسميته (مبدأ كارتر) كل محاولة تقوم قوة خارجية بها ضد منطقة الخليج ستعتبر اعتداء على مصالح الولايات المتحدة الحيوية, وسترد بجميع الوسائل الضرورية, بما في ذلك القوة العسكرية, وعلى ما يبدو ان هذا التوجه المستجد استنادا الى المتغيرات التي طرأت في المنطقة, أضعفت اهتمام الرئيس ريجان بتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي, وأدى إلى تلافي الاصطدام بوجهة النظر الاسرائيلية بشأن المسائل الاقليمية وبشأن النزاع. وقد قلب كل المفاهيم والمواقف الأمريكية, بشرعنته الاستيطان بالأراضي المحتلة عام 1967, واعترافه بشكل علني بعدم تعاطفه مع الفلسطينيين, وهذا موقف بعيد عن الموقف الذي اتخذه كارتر في بداية عهده, وكان هذا أول اعلان يدلي به مسئول أمريكي بشأن هذا الوضع منذ نكسة يونيو. وأطلق فيما بعد مذكرة التفاهم الاستراتيجية في نوفمبر 1981 والتي تضمنت امكان القيام بمناورات مشتركة, واستخدام القوات الأمريكية قواعد ومنشآت اسرائيلية, وتولي اسرائيل الحماية الجوية والصيانة, مع اعطاء الجيش الاسرائيلي حق استخدام السلاح الأمريكي المخزن في اسرائيل بالحالات الطارئة, وتمويل أمريكا لانتاج دبابات اسرائيلية من طراز (مركافا) وتبادل المعلومات العسكرية, وقد نتج عن هذا التحالف جملة من المتغيرات أهمها حصار بيروت وخروج قوات منظمة التحرير من لبنان, وبقيت قضية التسوية مجمدة, بسبب الاتفاقات المتلاحقة بين أمريكا واسرائيل والتي طالت كل مناحي الحياة , لكن التغيرات الكونية المذهلة التي حصلت بين عامي 1989 و 1993 عكست تغيرا استراتيجيا في العلاقة بين الطرفين, وذلك مع ما طرأ من تقلبات في الكتلة السوفييتية وحرب الخليج وعملية المفاوضات العربية الاسرائيلية. وفي اطار التفضيل للنظام والاستقرار كرست الادارة الأمريكية جهودها لعقد مؤتمر مدريد في نهاية أكتوبر 1991 على أساس قراري مجلس الأمن 242 و 338 لحمل العرب والاسرائيليين على الجلوس إلى طاولة مفاوضات ثنائية في واشنطن, ومن أجل وضع الأصول التي يرجع إليها في المفاوضات, أوكل وزير الخارجية بيكر الملف إلى فريق شديد الميل إلى الأفكار الاسرائيلية وحمل المطالب الاسرائيلية على ظاهرها الحرفي وفرضها كنقطة انطلاق على العرب, ولاسيما على الفلسطينيين الذين أضعفتهم النتائج التي انجلت عنها حرب الخليج الثانية. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق