بقلم ، د. شفيق ناظم الغبراء تشكل حركة الاحتجاج التي تسيطر هذه الايام على العاصمة الامريكية استمرارا للحركة ذاتها التي احتجت على العولمة ونجحت منذ شهور في افشال لقاءات منظمة التجارة العالمية في سياتل, ان الاحتجاج الذي انطلق منذ اكثر من اسبوع في العاصمة الامريكية على شكل تظاهرات وتجمعات يسعى اساسا للتأثير على احد اهم اذرع العولمة: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, وبينما لم تنجح حركة الاحتجاج في افشال لقاءات الوزراء المجتمعين منذ يوم الاحد الا انها نجحت في فرض بعض من اجندتها عالميا وامريكيا. بل ان بعض اهم اطروحات الاجنحة المعتدلة في حركة الاحتجاج في العاصمة الامريكية قد وجدت طريقها الى لقاءات البنك والصندوق. فقد بدأ البنك الدولي في فتح ابوابه امام العديد من المنظمات التي رفعت لواء الاحتجاج, كما ان الصندوق قد ادخل بعض التغيرات حول الديون الخاصة لدول العالم الثالث. وتمثل حركة الاحتجاج المصطفة في العاصمة الامريكية عولمة بحد ذاتها لأنها تجمع كبير لعشرات المنظمات والاتجاهات والمجتمعات فمنها منظمات دينية تعبر عن الكنيسة الكاثوليكية جاءت لتحتج على اوضاع الدول الفقيرة وديونها, ومنها منظمات لحماية البيئة تمارس الاحتجاج على اثر الانفتاح والتجارة على البيئة, ومنها ايضا منظمات العمل الامريكية التي تحتج هي الاخرى على اثر التجارة العالمية على اوضاع العمالة الامريكية وهناك ايضا العديد من منظمات الطلبة التي تركز على العدالة الاجتماعية ومواجهة الفقر في ظل العولمة. وتنطلق كل هذه الجماعات والتيارات والتحالفات من ان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مسئولان عن الديون وعن حالة الفقر في العديد من البلدان. ولكن هناك الكثير من التساؤلات عن مدى قوة استمرار هذا التحالف. فالكنيسة ومنظماتها المؤيدة لمبدأ الاحتجاج قاطعت مظاهرات الاحد الماضي, بل فضلت العمل على تنظيم مظاهرتها الخاصة منذ اكثر من اسبوع وذلك لتميز نفسها عن بقية الجماعات التي تمارس الاحتجاج الآن. كما ان بعض اكبر المنظمات في مجال العمل الاجتماعي والبيئي تراجعت عن الانضمام رسميا للاحتجاج في العاصمة الامريكية وذلك انطلاقا من نجاحها في مفاوضات مع البنك الدولي في قضايا الديون والبيئة. بمعنى اخر ان نجاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ثم منظمة التجارة الدولية في ادخال الاصلاحات في المرحلة المقبلة سيساهم في استيعاب الاحتجاج وتفكيك اهم مكوناته. ان جوهر حركة الاحتجاج الراهنة يهدف لاكساب العولمة بعدا انسانيا يراعي ظروف البيئة, والعمالة وظروف الدول النامية والثقافات المحلية. لكن هذا في الوقت نفسه لن يتم بين يوم وليلة, وهو لن يحل مشكلات التنمية وقضايا التطوير والاصلاح كما لن يمنع العولمة من حيث انها حركة الغاء حواجز في شئون الاتصال والانتقال والانفتاح بين مجتمعات العالم. ان العولمة دخلت حيز الواقع والمؤكد, لكن معالجة سلبياتها تبقى امرا مفتوحا امام قوى الاصلاح العالمية. لهذا فإن الدخول العربي في عصر العولمة بكل ما يعني من سقوط لجدران التغير لقوانين التبادل بين الامم وانفتاح اسواق, لم يعد مطروحا للاجتهاد, بل اصبح امرا قائما بحد ذاته له حركته وآلية تطوره. ويحتاج العرب للكثير من الاستثمار في العلم والثقافة والقدرات المحلية والتدريب المحلي والقطاع الخاص واسلوب التعامل مع الغير وذلك ليتسنى لهم حماية مصالحهم في المرحلة المقبلة والاستفادة في الوقت نفسه من العولمة. ان قوة دفع العولمة مستمرة بوتيرة عالية لكن تغير بعض شروطها اصبح هون الآخر امرا ممكنا.