بقلم: عبدالله الحوراني حين يستوي الخيار بين الموت والحياة, او بين موت اطفالك وموت ضميرك, يمكن فهم عبارة ذلك العامل الفلسطيني التي اطلقها في احدى الفضائيات العربية, واصفا عمله في بناء المستوطنات الصهيونية في ارضه العربية, بأنه كمن يذهب للمحكمة للادلاء بشهادة زور قد تودي بحياة اخ او صديق. انه يدرك انه يخون ضميره, يخنقه بيديه, ويخنق وطنه ويكتم انفاسه بكل حجر استيطاني يضعه على صدر الارض او في عمقها. ويخنق نبض الحياة في هذا الوطن مع كل شجرة يقتلعها, ويقتل تاريخه مرة اخرى وهو يجتث عظام الاجداد وشواهد قبورهم, ليعلي مكانها شواهد للاستيطان الصهيوني للغزاة القادمين من بقاع الارض المختلفة ممن لفظتهم شعوب تلك الارض. ولكنه يفعل ذلك مكرها, لان خياره الآخر هو موت اطفاله. وهكذا تضيق الخيارات بين يديه, لتنحصر في نوعين من الموت وعليه ان يختار اقلهما مرارة, بل عليه ان يسعى لتحقيق اختياره. تبدأ رحلة اكثر من مائة ألف عامل عربي فلسطيني في اسرائيل بالسعي للحصول على تصريح عمل. ورغم انهم اختاروا هذا النوع من الموت, فإن الحصول عليه ليس سهلا. فمن شروطه بلوغ سن معينة, وأن يكون متزوجا, وأن يخلو سجله الامني من اية سوابق ارهابية (مقاومة الاحتلال) ومن ثم الانتظار شهورا عديدة للحصول عليه. وقد يأتي او لا يأتي في النهاية. وقد يضطر الكثير منهم لدفع رشوة لسماسرة شبكات واسعة للاتجار في هذه السوق المربحة. ومن واتاه (الحظ) بالحصول على التصريح, فإنه يضع قدمه على بداية درب الآلام الطويل ـ الذي اشك ان السيد المسيح عليه السلام قد لقي عليه ما يلقاه عمالنا من آلام وعذابات ـ فقبل الفجر بساعتين على الاقل تبدأ قوافلهم بالألوف في التدافع نحو بوابات اعدت لعبور الحيوانات وليس البشر, محاطة بأسلاك شبكية اشبه بمصائد الفئران, وعليها حراس دربوا, او ربما فطروا على النظر لغيرهم, ومعاملته معاملة استعلائية عنصرية تليق بكل من لا ينتمي (لشعب الله المختار) . اما من لم يحصلوا على تصاريح العمل, وهم اكثر من النصف, فنصيبهم من العذاب اكبر واشد. ذلك ان عليهم ان يبحثوا عن طرق للتسلل الى اسرائيل, مغامرين بامكانية تعرضهم للمطاردة, او اطلاق النار, او المحاكمة في حالة الامساك بهم. وفي حالات عديدة, مساومتهم على بيع ما تبقى من ضمائرهم, والعمل في خدمة جهاز (الموساد) الاسرائيلي ضد شعبهم وامتهم. ويحسد عمال قطاع غزة اشقاءهم عمال الضفة على (النعمة) التي يتمتعون بها بحصولهم على فرصة التسلل لإسرائيل عبر الأودية والجبال, ذلك لأن عمال غزة محرومون من هذه (النعمة) فقطاع غزة كله من شماله الى جنوبه محاط بأسلاك شائكة ومكهربة تمنحه بجدارة صفة اكبر معتقل في العالم شهده التاريخ. وكلا الفريقين, من تسلل او دخل بتصريح, يخضع بعد ذلك لقانون العرض والطلب, بعرض نفسه في سوق (العبيد) امام (السيد) الاسرائيلي رب العمل, فيقفون امامه, بنظراتهم المكسورة, او يتزاحمون ويتضاربون, وهو يتفحصهم كمن يتفحص بضاعة غير مرغوب فيها, ولكنه مضطر لشرائها, وقد يتحسس اجسامهم للتأكد من صلاحيتها للعمل. وربما لا يتورع ان يفعل معهم ما كان يفعله سادة روما بعبيدهم حين كانوا يدعونهم لمصارعة بعضهم بعضا, او مصارعة الحيوانات المفترسة, للتأكد من قوتهم قبل الحاقهم في خدمتهم. ويتكررالسير على درب الآلام كل يوم, ذهابا قبل خيوط الفجر الأولى, وعودة مع احمرار اشعة الشمس مؤذنة بالمغيب. اذ ان المبيت في ارض الاحلام الاسرائيلية محرم عليهم. ومن يخالف, ويغامر بالمبيت, فله قصة عذاب اخرى. وهكذا فإن الموت الذي اختاروه, لم يكن اسهل عليهم من الموت الذي تجنبوه, ليفتدوا اطفالهم. وحين يصبح العمل في اسرائيل, الذي يجعل من المرء قاتلا ومقتولا في آن واحد مطمحا لكثيرين لم يحصلوا عليه, وما زالوا يتمنونه ويسعون اليه بامكاننا ان نتصور الحال الذي وصل اليه هؤلاء الاخوة, وطبيعة الظروف التي تدفعهم لذلك. ان تفاقم هذه الحالة, بما تحمله من مخاطر, يوحي بغيابها تماما عن اجندة الهيئات السياسية والاقتصادية والعمالية الفلسطينية والعربية. ولا اعني هنا شروط الاتفاقيات السياسية والاقتصادية التي رهنت حياتنا بالحياة الاسرائيلية, وربطتها بالتبعية لاسرائيل, وبالتالي لم تلحظ مخاطرها على الحركة العمالية, ولم تفكر بتحسين ظروف عملها, فأنا ضد الأسس التي قامت عليها هذه الاتفاقات, وما نجم عنها من اجحافات ومظالم. ولست مع ان تتحول المجتمعات الفلسطينية والعربية الى مستودعات لتخزين العمالة, وتوريدها لاسرائيل وانما اعني عدم وجود اجندة, اساسا لدى المؤسسات الفلسطينية والعربية, السياسية والاقتصادية, والعمالية, لحل مشكلة العمال الفلسطينيين اليوم, قبل ان تمتد الى العمال العرب غدا, في ارضهم, وبشروط من الكرامة تليق بعرقهم وجهدهم. فبعض اصحاب رؤوس الاموال من المستثمرين الفلسطينيين, يتحملون قسطا وافرا من المسئولية عن تفاقم هذه المشكلة في اموالهم في الخارج, واستثمارها في غير ارضها, تضعهم في صف رأس المال (اللاوطني) الذي لا عقيدة له ولا وطن غير الربح. ولا يكفي لتغطية تهربهم او هروبهم, ما يتحججون به من عدم وجود استقرار في الارض الفلسطنيية, او انظمة وقوانين تحمي رأس مالهم, وتساعد على تنميته واستثماره. قد يكون ذلك صحيحا, الى حد معين. ولكن محاذيره لا تساوي بأي شكل مخاطر جوع شعبهم او تحوله الى بضاعة في سوق العبيد, تعرض يوميا في الشوارع الاسرائيلية, او تستنزف سواعده في بناء مدن الاستيطان التي تنهب ارضه فلولا هذا الشعب وتضحياته, لما بقي لهم انتماء ولما وجدوا ما يتشدقون به في صالوناتهم التي يمارسون منها وجاهتهم السياسية, وهي المظهر الوحيد لمشاركتهم في العمل الوطني. اما السلطة الفلسطينية, فحدود ما هو مطلوب منها لانقاذ عمالنا, ابعد بكثير من توفير شروط الاستقرار والامن للاستثمار الوطني, وحمايته لقطع الطريق على ذرائع اولئك المتهربين في الخارج. فهي مطالبة بانقاذ تلك الاموال الهائلة التي يهدرها الفساد والرشوة والمحسوبية والسرقات وتوظيفها في مشاريع تنفع الناس, وتمكث في الارض, وتجعل من هذا الوطن, وطنا نستحقه ويستحقنا. ولو كفت ايدي (النهابين) ـ وهم معرفون, ويكاد الناس يشيرون اليهم فردا فردا ـ عن النهب من الآن فصاعدا, على الاقل, وجرى حرمانهم من مظاهر الترف والبذخ التي يتمتعون بها, ونفقات المرافقات التي تتزاحم في مواكبهم, ـ ومعظمهم لا يستحقها ـ لأمكن ايضا توفير اموال طائلة يستفاد منها في مشاريع تنموية تنعش الاقتصاد الوطني, وتستوعب آلاف الايدي العاملة. وتنقذها من الذل المضاعف, ذل الاحتلال, وذل السؤال. وبذلك تستخدم الحقوق الزائدة لدى القلة, في استيفاء الحقوق الناقصة لدى الكثرة.