بقلم :احمد عمرابي هل هي مجرد مصادفة عشوائية أن يتزامن العد التنازلي للانسحاب العسكري الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية مع صرخة تصدر عن جنرال لبناني ماروني من منفاه في باريس تطالب بتصفية (الاحتلال) السوري في لبنان؟ وهل هي أيضا مجرد مصادفة ان تتطابق الصرخة زمانيا ومكانيا مع تصريح فجائي يصدر عن وزير الدفاع الفرنسي ألان ريشار يحمل نفس المطالبة الصادرة عن الجنرال الماروني؟ ان كان للتساؤلين مغزى معيناً ـ ويجب ان يكون لهما ـ فان المغزى يتخذ شكلا اوضح اذا اعدنا الى الاذهان ما صدر من رئيس الحكومة الفرنسية قبل نحو عدة اسابيع بشأن المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي عندما وصف (حزب الله) بأنه تنظيم ارهابي. لقد أفضى فشل جولتي التفاوض الاخيرتين بين سوريا واسرائىل الى ظرف جديد يتميز بتوتر متعاظم يمكن ان يتصاعد الى مستوى هجوم عسكري اسرائىلي على سوريا. في هذا الظرف الدقيق الذي تحتاج فيه سوريا لأي تضافر عربي أكثر من اي وقت مضى يرتفع على نحو فجائي صوت العماد ميشيل عون في باريس ليقحم مسألة (تصفية الوجود السوري) في لبنان. مثل هذا المسلك يعيد إلى أذهاننا صفحة التاريخ الشخصي للعماد عون. فقد ظهر اول ما ظهر في ظرف سياسي استثنائي ليخلق حالة حرج موجهة خصيصا ضد دمشق. كان ظهور العماد عون على المسرح السياسي اللبناني للمرة الأولى خلال الفصل الأخير من مأساة الحرب الأهلية اللبنانية.. حين شرعت دمشق في مساعدة اللبنانيين بجميع طوائفهم في إلقاء السلاح والتوجه صوب مصالحة وطنية واستعادة النظام والقانون. حينئذ كان عون قائدا للجيش اللبناني المفتت طائفيا.. فأعلن عن نفسه سياسيا لا كعسكري وطني وانما كمسيحي ماروني. وسرعان ما اعلن تشكيل حكومة ذات لون مسيحي ماروني في موازاة حكومة وطنية مؤقتة قامت فعلا في بيروت برئاسة د. سليم الحص. وكشعار اعظم لأجندته السياسية عرض عون نفسه كزعيم للخلاص (الوطني) ليتبن مطلبا أوحد هو تصفية الوجود السوري. كان ذلك عند اواخر الثمانينيات بعد ان اقامت اسرائىل داخل الجنوب اللبناني ما اسمته (الشريط الامني) .. وبعد بضع سنوات من الاجتياح العسكري الاسرائىلي للاراضي اللبنانية حيث دخل الجنرال اريل شارون بيروت العاصمة كمستعمر. كل ذلك لم يحرك في العماد عون شعرة ولم يستفز شرفه العسكري الوطني. لم يتحرك الجنرال ولم يرفع صوته إلا بعد نهاية الغزو الاسرائىلي ليحدث الناس عن (الاحتلال) السوري. الان يعرض العماد عون نفسه مرة اخرى من منفاه في باريس على نحو يستهدف فيما يبدو تجديد الفتنة الطائفية في لبنان عن طريق تأليب المشاعر المسيحية ضد سوريا. وعندما يقترن هذا التأليب مع انضمام الصوت الرسمي لفرنسا الكاثوليكية التي تعتبر نفسها الراعي التقليدي الخارجي للطائفة المسيحية في لبنان فإن المشهد يتخذ منحى خطيراً. لقد أظهر الشعب اللبناني بكل طوائفه الدينية منذ نهاية الحرب الأهلية قبل عشر سنوات إجماعا وتضامنا رائعين خلف المقاومة الوطنية ضد اسرائىل.. وتضامنا آخر على خط موازٍ مع سوريا. ولا نجد سوى كلمة خيانة لنعت أية محاولة لنسف هذا التضامن على الصعيدين.