بقلم ـ عمران سلمان اقر مجلس الامن الدولي الاسبوع الماضي بالاجماع الخطة التي تقدم بها هانز بليكس رئيس لجنة التحقق والمراقبة والتفتيش (انموفيك) الجديدة في العراق, وبدا ان المجلس يستعيد شيئا من التفاهم بعد الانقسام الحاد الذي شهده غداة اصدار القرار الدولي 1284, والذي تحفظت عليه كل من روسيا والصين وفرنسا, ورفضه العراق. ورأي بعض المراقبين في خطوة المجلس الجديدة نوعا من المسايرة للموقفين الامريكي والبريطاني, ما يضع الحكومة العراقية مجددا امام الاختبار, حول ما اذا كانت ستتراجع عن مواقفها السابقة بخصوص التعامل مع لجنة التفتيش الجديدة, ام تستمر فيها. لكن بغداد عادت واعلنت على لسان نائب رئيس الوزراء طارق عزيز ان موافقة مجلس الامن على خطة بليكس لا تعني لها شيئا وانها مصرة على مبدأ رفض القرار 1284, وما يتمخض عنه. وهكذا اعيد الملف العراقي الى المربع الاول, وباتت الانظار تتجه من جديد الى المجلس وما اذا كان سيتخذ خطوة اخرى, لدعم موقفه, ام يكتفي بالانتظار لحين رؤية كيف ستتصرف الولايات المتحدة. من الواضح ان المأزق الذي تسببت فيه عملية ثعلب الصحراء التي قادتها واشنطن ولندن ضد العراق في ديسمبر عام 1998 لايزال مستمرا, ومن الناحية الجوهرية لم يتم احراز اي تقدم في هذا السياق منذ ذلك الوقت, والمؤسف ان العاصمتين المذكورتين مصرتان على عدم الاعتراف بذلك حتى اليوم, وهما تتصرفان كما لو ان شيئا لم يحدث. ان المشكلة ليست في الخطوات التي قد تتخذ في الامم المتحدة, والتي غالبا ما يسودها لغة الفرض والاملاء, ولكن في كيفية اقناع العراقيين بالتعاون والتجاوب مع ما يطرح عليهم من أفكار وحلول, ويرى كثير من المراقبين ان المنظمة الدولية لم تقدم شيئا جديا في هذا السبيل. بل ان مذكرة التفاهم حول النفط مقابل الغذاء التي دخلت حيز التنفيذ في ديسمبر عام 1996, قد اصبحت عبئا ماديا على العراق وعبئا اخلاقيا على الامم المتحدة. فيه لم توفر باعتراف عدد من الموظفين الدوليين الحد الادني المطلوب لسد الحاجات الملحة للشعب العراقي. وكل ما فعلته هو دفع قيمة التعويضات الناتجة عن حرب الخليج, ومصروفات اللجان الدولية المعنية بالملف العراقي. وتشكو بغداد وهي محقة من العراقيل الكثيرة التي تضعها الولايات المتحدة وبريطانيا في لجنة العقوبات لمنع وصول المواد الغذائية والدوائية والاحتياجات الاساسية للعراق. وعلى سبيل المثال بلغ عدد العقود التي علقتها لجنة العقوبات حتى منتصف فبراير الماضي (ألف) عقد, وبقيمة اجمالية وصلت الى حوالي ملياري دولار. والنتيجة العملية لكل ذلك هي موت قرابة مليوني عراقي بينهم اكثر من نصف مليون طفل, عدا الدمار الرهيب الذي حل بالعراق. كذلك لم تتخذ المنظمة الدولية اي موقف فيما يتعلق بمناطق حظر الطيران في جنوب وشمالي العراق اللتين فرضتهما الادارتين الامريكية والبريطانية من جانب واحد. وتقوم طائرات تابعة لهذين البلدين وبصورة يومية بقصف مواقع متفرقة داخل العراق, ما تسبب في سقوط مئات الضحايا بين المدنيين وتخريب عدد من المنشآت الحيوية. وقد عبرت باريس مؤخرا وهي الشريك الثالث في مراقبة هذه المناطق (قبل ان تنسحب منها قبل اعوام) عن انزعاج شديد من هذه الغارات تمثل في توجيه انتقادات لاذعة لمناطق الحظر والتذكير بعدم شرعيتها. وفي الاحجمال يمكن القول بأن الامم المتحدة فشلت طوال السنوات العشر الماضية ومنذ فرض الحصار الظالم على العراق في تقديم اي اطار مقبول لدفع بغداد للتعاون لتطبيق قرارات مجلس الامن. وهي لم تر في اعتراف العراق بالكويت وترسيم الحدود معها, وعشرات الآلاف من الزيارات التي قامت بها فرق التفتيش التابعة (للاونيسكوم) طوال سبع سنوات لمختلف مدن وقرى العراق وتدمير آلاف الاطنان من الصواريخ الباليستية والاسلحة الكيماوية والبيولوجية واغلاق الملف النووي.. لم تر في كل ذلك اية اشارة تستحق الذكر, او المكافأة. ان المنظمة الدولية بدت هنا كما لو انها طرف وقع عقدا مع طرف آخر, ثم اكتشف انه لا يستطيع الالتزام بما وقع عليه. لأن هناك جهات اخرى تمسك بزمام المبادرة وتمنعه من القيام بواجباته. وبدلا من الاعتراف بهذه الحقيقة, فهو يلجأ الى صياغة العقد من جديد وبشروط جديدة. وليس القرار الدولي 1284 سوى اعادة صياغة لقرار دولي سابق هو 687. ما هو الحل اذن في مثل هذا الوضع؟ هذا هو السؤال الذي يشغل حاليا بال الاوساط السياسية في العواصم المعنية بالملف العراقي. وبصورة اكثر تحديدا, ما الذي سيحدث اذا واصلت بغداد رفضها للتعامل مع القرار 1284؟ هل سيلجأ مجلس الامن الدولي الى اتخاذ اجراءات عقابية ضد بغداد؟ هل ستقوم الولايات المتحدة وبريطانيا باستخدام القوة لفرض تطبيق القرار المذكور؟ ام هل سيترك المجال لدول مثل روسيا وفرنسا للخروج بحلول وسط, تتضمن ادخال بعض التعديلات على جوهر القرار 1284 لجهة تقديم بعض الضمانات للعراق بامكانية تعليق العقوبات فعلا في نهاية الامر؟ يبدو ان جميع الخيارات الحقيقية مؤجلة الى ما بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الامريكية التي ستجري في نوفمبر المقبل. غير ان الامر الذي ينبغي الاشارة اليه هو ان الفترة الماضية شهدت عددا من المؤشرات المشجعة والايجابية اهمها اتضاح مدى الاهمية التي يلعبها النفط العراقي على خارطة سوق النفط العالمية, خصوصا في السنوات الاخيرة. وحاجة الولايات المتحدة للحفاظ على الاسعار منخفضة, عبر تشجيع زيادة انتاج منظمة الاوبك, الامر الذي لا يستقيم مع تعريض الصناعة النفطية العراقية للاهتزاز او الخطر. وقد ادى ذلك الى حصول الموافقة الامريكية السريعة في مجلس الامن على مضاعفة الاموال المخصصة لاصلاح البنية النفطية العراقية من 600 مليون دولار الى مليار و200 ألف دولار. والأمر الثاني هو تزايد التململ العربي من جمود الوضع الحالي وتفاقم المأساة الانسانية في هذا البلد, ما شجع بعض الدول العربية للتوجه نحو استئناف العلاقات الطبيعية مع بغداد. هذان العاملان من الممكن تطويرهما في المستقبل, وبحيث يغدوان تدريجيا من الادوات الرئيسية لرفع الحصار الظالم الجاثم على نفوس العراقيين. والى ذلك الوقت والى حين انتهاء الانتخابات الامريكية لا يبدو ان شىئا جديدا سوف يطرأ على هذا الوضع المعقد والمأساوي.