بقلم: عادل حمودة بمجرد اضاءة اشارة ربط الأحزمة استعدادا للهبوط في مطار من مطارات المدن الأمريكية المعروفة نيويورك أو واشنطن أو لوس أنجلوس حتى أشعر بأن وزني أخف وعقلي أنشط ورغبتي في ممارسة ومناقشة الحرية في الذروة.. فلا أتصور أن دولة على وجه الأرض تعرف قيمة الحرية وتحترمها وتقدسها مثل هذه الدولة.. لذلك فأنا في كل مرة أسافر فيها الى هناك أكون في بعثة حرية.. أتنفس كما أشاء.. ويتسع صدري بالهواء.. وتسقط كل القيود التي تعاقبنا على جرائم لم نرتكبها.. وعلى أفكار لم ننفذها.. وعلى حقوق لم نمارسها. والحرية التي أقصدها هي الحرية التي يمارسها الأمريكيون مع أنفسهم.. لا مع الآخرين.. الحرية التي يمارسونها في الداخل.. لا التي لايحترمونها في الخارج.. الحرية على الطريقة الأمريكية هي حرية محلية.. حرية بحدود الجغرافية الأمريكية.. وليست رحبة رحابة الكرة الأرضية.. وهي عورتها الوحيدة.. لأن الحرية دائما لها جانبان متعادلان.. جانب يختص بنا.. وجانب يختص بالآخرين.. وكل محاولة لنسيان الجانب الآخر.. يفقد الحرية معناها الأساسي.. ويجعلها طغيانا. إننا نولد أحرارا.. لكننا لانولد في غابة.. وإنما في بيت وحي ومجتمع نشارك فيه مع الآخرين.. ينظمه قانون لايعرف الفرق بين كبير وصغير.. بين غني وفقير.. بين حاكم ومحكوم.. ويوم يوجد هذا الفرق تصبح الحرية عزفا نشازا.. مثل أوركسترا بلا مايسترو.. كل عازف في اتجاه.. وكل آلة لا علاقة لها بجارتها.. أما الاسم الوحيد الذي يطلق على هذه السيمفونية فهو الفوضى والصخب. بدون احترام القانون تصبح الحرية هي حرية (فك مفترس) يفترض أنه لايوجد في الدنيا سواه.. فيفتك بلحم الآخرين.. ويتاجر في قوتهم.. ويتصور أن العالم أملاك خصوصية له.. والبشر لم يولدوا إلا ليكونوا في خدمته.. كل الثروة له.. كل الصحة والقوة والمتعة له.. انها أنانية تسمى بلغة السياسة ديكتاتورية. إن القانون هو حد الحرية الذي لا تتجاوزه.. هو الشاطئ الذي يرسم ملامح البحر العريض.. هو الضفاف التي تحدد مسار المياه في النهر الكبير.. هو الجبال التي تصد قوة الريح العاتية.. هو ممرات الهبوط والاقلاع للطائرات العملاقة. والحرية في أمريكا هي كلمة السر.. هي شفرة الحياة.. هي اللحام اللاصق المتين يجمع شتات 165 جنسية مهاجرة من كل أركان وأطراف الدنيا.. يختلفون في كل شيء.. الدين واللغة واللون والسلوك والثياب وأسلوب المعيشة وطبق الطعام الرئيسي.. لو تركوا لتناقضاتهم الدينية لتفجرت الطائفية.. ولو تركوا لاختلافاتهم الحضارية لكانت الحروب الأهلية.. لو تركوا لفروقهم الحضارية لكانت المذابح العرقية.. ومن ثم كانت الحرية ضرورة وإلا كانت هذه البلاد تسمي الولايات (غير) المتحدة الأمريكية. وفي ظل الحرية تصبح التناقضات والاختلافات ميزة وليست عيبا.. فالتناقضات والاختلافات تثري الحياة.. وتثري الأفكار.. وتنقل المجتمع من خانة التجانس الضيقة المتزمتة الى خانة التجديد الرحبة المتحررة.. وقد وجدت هوليوود في ذلك فرصة لأن تظل مسيطرة على العالم بنجوم من كل جنس وكل لون.. ووجدت المخابرات المركزية في ذلك فرصة لأن تدس أنفها في كل (خرم) في الكرة الأرضية بجواسيس لاتفرق بينهم وبين الناس في الدول التي يخترقونها.. إن الحرية جعلت أمريكا تعيش العالم كله على أرضها. إن كل أمريكي حر يفعل ما يشاء.. يعمل.. يكسب.. ينام.. يتسكع.. ينتحر.. هو حر.. يصبح رئيسا.. مليونيرا.. مجنونا.. متصوفا.. شريرا.. هو حر.. بشرط أن يتحمل نتيجة حريته.. وبشرط ألا يقيد بحريته حرية غيره.. وبشرط أن يدفع الثمن لو قلب الحرية من وجهها الطيب الى وجهها القبيح.. فالحرية مثل (الانتبيوتيك) مهم جدا لمواجهة فيروسات الفاشية والديكتاتورية.. لكن.. إذا زادت الجرعة عن الحد.. تحولت الى حرية قاتلة. وقد توصل المجتمع الى هذه الحقيقة بعد صراع مرير.. لم يمنع من اراقة الدماء.. مرة في حرب أهلية.. ومئات المرات في الاغتيالات السياسية والعرقية.. ولم يمنع من تراكم عقدة الاحساس بالذنب بسبب ما جرى من مذابح مع الهنود الحمر.. أو بسبب ما جرى من احتقار جماعي للسود على مدى قرون وعقود وسنوات. ان المجتمع الذي يسمح الآن لفتاة أن تمشي في الشارع بشورت ساخن يكاد يتسبب في تصادم السيارات بدأ حياته وعلى أرضه جماعات تحرم التدخين وتعتبره رجسا من عمل الشيطان.. والمجتمع الذي من حق شبابه الآن أن يخاصموا الحلاقين كان في يوم من الأيام يضم جماعة في بوسطن للأخلاق الحميدة تمنع الناس بالقوة من اطلاق شعورهم.. والمجتمع الذي يفخر بتسامحه الديني الآن كان في بداياته يجبر الناس على دخول الكنائس بالكرباج.. وعندما نضج بعض الشيء اكتفى بتوقيع غرامات مالية على كل من لايدخل الكنيسة صباح يوم الأحد.. والمجتمع الذي يعاني من مشكلة المخدرات الآن كان في يوم من الأيام يشنق من يدخن سيجارة.. ومن لا يقبل يد الكبار في عائلته. لقد أصبحت الحرية هي المحصول الحضاري الذي يفتح كل آفاق التطور.. ويعالج كل الجراح والمشاكل.. ويزيل كل العقبات والعوائق.. وهو محصول يفرض على منتجيه ومستهلكيه مساحة كبيرة من التواضع والتفاهم.. والرغبة في أن يكونوا غدا أفضل من اليوم.. انهم لا يقولون إننا قد وصلنا الى القمة.. ولا يقولون أننا ولا أحد مثلنا.. ولايقولون إننا في أزهى أيامنا.. إنهم لايرضون عن أنفسهم.. ولا يعجبون بذاتهم.. ولا ينظرون في المرآة إلا لمعرفة العيوب والخطوط التي راح الزمن يحفرها.. وهذه سمات من يريدون التطور.. والبحث عن المستقبل. أما الذين يدثرون برداء النرجسية ويشعرون بأن الأرض ليست عليها سواهم فهؤلاء هم المتخلفون.. الواهمون.. الضائعون.. لذلك.. فقد وجدت نفسي في ندوة كانت تناقش متاعب الديمقراطية في العالم الثالث أشعر برغبة في أن نترك هذه الكلمة في حالها.. أو أن نتأملها عن مهل لا عن لهوجة.. فنحن نخطف الأشياء والعبارات والكلمات والتعبيرات والعبارات من أصحابها معجبين بالشكل.. متناسين الجوهر.. وتكون نتيجة هذا الخطف هو الخلط.. فليس كل من يستعمل الكمبيوتر له عقلية علمية.. وليس كل من لبس ثيابا أوروبية أو أمريكية أصبح عصريا.. وليس كل من يتحدث عن عشقه للحرية أصبح ديمقراطيا.. وليس كل من قرأ شكسبير أصبح انجليزيا.. بل ان الذين يتحدثون بحماس يصل الى حد الهوس عن شيء هم كما يقول سيجموند فرويد الذين يفتقدونه. والديمقراطية هي محصلة سياسية وقانونية لتطور اقتصادي اجتماعي حققها مشوار طويل قطعته مجتمعات الدول المتقدمة.. وصلت فيه الى أن المشاكل تحل بالمناقشة الحرة.. وبالحوار المفتوح.. وليس بالقرارات الفوقية.. فليس من حق فئة أو جماعة مهما كانت تملك من عناصر القوة والسلطة أن تتصور شيئا بعيدا عن الناس حتى ولو بدا ذلك لمصلحة الناس.. وإلا كانت النتيجة مشابهة لما جرى لحلم الاشتراكية الرومانسي في الاتحاد السوفييتي.. الخبز بدون حرية غير مضمون.. هو خبز مغموس في الذل.. العدالة بدون قانون غابة.. الاشتراكية بدون مشاركة سياسية زلزال هدم المعبد على كل من فيه.. وعلى من كان حوله. ومهما كانت الضغوط في الدول الديمقراطية فإنها تستطيع أن تواجه - إن لم تستطع أن تحل - مشاكلها.. ومن ثم تصحح مسارها أولا بأول.. فقد أمكن مثلا اخراج ريتشارد نيكسون من البيت الأبيض فيما عرف بوتر جيت.. قمة الجهاز التنفيذي في أقوى وأكبر دولة في العالم.. وهناك ايضا كشفوا تورط رونالد ريجان في العمليات المتشابكة بين جنوح المخابرات المركزية وجنون شركات السلاح فيما عرف بفضيحة ايران جيت. وهناك كذلك وقف بيل كلينتون غارقا في خجله وعرقه أمام كاميرات التلفزيون يخلع ملابسه قطعة قطعة.. مثل راقصة استربتيز محترفة.. لكنه استربتيز سياسي.. يقيس نبضه.. وقلقه.. وتوتره.. واحساسه بالندم.. ومدى كذبه.. ثم بعد ذلك كان من حق الناس أن تقرر أن يبقى أو أن يرحل.. وقد بقي لأنه كان وراء رفع مستوى المعيشة.. وزيادة قوة الدولار.. ونقص معدل البطالة الى حد مذهل.. الى حد أنك تجد لافتات طلب عمالة معلق على واجهة المحلات والمطاعم والشركات. ولم تكن مفاجأة أن يحافظ الأمريكيون على كلينتون.. فالديمقراطية في البداية والنهاية لاتقوم إلا فى مجتمع قادر على أن يصنع ثروة تكفيه.. وأن يكون توزيعها بين منتجيها على أساس يكفل لكل منهم نصيبا عادلا منها.. يكفيه ويكفي حاجاته الأساسية.. مسكن.. وسيارة.. وعلاج.. وتعليم.. وكتاب.. وفيلم.. ورحلة سياحية في نهاية الأسبوع.. إن هذا التوازن الاقتصادي والاجتماعي هو القاعدة التي تحقق التوازن السياسي.. والتوازن السياسي يعبر عن نفسه من خلال مؤسسات دستورية وشعبية.. برلمان.. وجمعيات غير حكومية.. ونقابات واتحادات عمالية.. وهذه المؤسسات هي الداعية للحوار.. وهي صاحبة القرار. وفي الندوة التي جرت في احدى قاعات جامعة (جورج تاون) في واشنطن كان الباحثون والمراقبون يجتمعون على أن الديمقراطية هي أعقد القضايا الانسانية.. فالذين يتكلمون عنها.. والذين ينادون بها.. والذين يتحمسون اليها.. لايعرفونها بالتحديد.. ولا بالتقريب.. ولا يعرفون ما الذي يريدونه منها بالتخمين.. أو على وجه اليقين. لقد كانت الديمقراطية على لسان الجميع.. في الدول الشيوعية.. وفي الدول النامية.. وفي الدول المتخلفة.. وفي الدول المتقدمة.. وفي الدول الفاشية.. الكل ينسب لنفسه الديمقراطية أو ينتسب اليها.. أكثر من نظام حكم.. أكثر من مذهب.. أكثر من مستوى اقتصادي.. يختلفون.. يتصارعون.. يتناقضون.. يتناحرون.. يتحاربون.. لكن.. الكل يستخدم كلمة واحدة ويدعي وجوده في حضرتها.. الديمقراطية.. لذلك ساء استعمال هذه الكلمة بقدر ما شاع.. وضاعت هيبتها وفقدت مدلولها بقدر ما انتهكت.. حتى أن مفكرا سياسيا هنديا معاصرا هو البروفيسور ايجارد أبونوي اقترح الغاء هذه الكلمة من القاموس السياسي خاصة في غالبية الدول النامية.. لعلها توصف نظامها السياسي بدقة وواقعية.. فتعرف رأسها من قدميها.. ولا تتعلق بحبال الهواء الذائبة.. المهلهلة. وكنت مع الرأي الذي وجد أنصارا ومتحمسين.. ويرى أن الأفضل للدول النامية أن تعتمد على مقاييس واضحة قاطعة في مسيرتها نحو الاصلاح السياسي.. مثل مدى احترام القانون وتنفيذ أحكامه على الجميع.. مثل نسبة الفساد الاقتصادي ومدى تأثيرها على العدالة الاجتماعية.. مثل عدد جمعيات حقوق الانسان ومدى فاعليتها.. مثل عدد المعتقلين وأسباب حرمانهم من الحرية.. مثل جماعات الضغط ومدى تأثيرها في القرار السياسي.. إن هذه المقاييس الملموسة لو طبقت بدقة وحماس فان الذين يتحدثون عن الديمقراطية سيجدونها في حجرهم دون أن يتعبوا أنفسهم في الكلام عنها.. والأدق أن نقول أنهم سيكونون أقرب اليها.. لأن الديمقراطية الحقيقية كما قال فيلسوف الثورة الفرنسية الذي حفظنا كلماته الخالدة ونحن في قاعات الدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يقول: (إن الديمقراطية الحقيقية لم توجد قط.. ولن توجد قط) .. وكنت مع الرأي الذي عبر عنه غاضبون من كل جنسيات الجنوب.. إن الولايات المتحدة الأمريكية التي تناقش بحرية وجرأة على أرضها لاتؤمن بالديمقراطية إلا لشعبها.. أما الشعوب الأخرى فإن الديمقراطية بالنسبة لها وسيلة ابتزاز.. لو كانت مصالحها مع نظم ديكتاتورية حافظت على هذه النظم.. ولو اختلفت مصالحها معها نشرت غسيلها القذر.. وشهرت بجرائمها السياسية.. وتجاوزاتها الانسانية.. إن الديمقراطية لايمكن أن تكون وسيلة ضغط لادارة مصالح واشنطن الدولية.. يجب أن تكون ايمانا حقيقيا لا يأتيه الباطل من أى جانب.. لايمكن أن تكون الديمقراطية مثل فيلم من نسختين.. نسخة تعرضها على العائلة.. ونسخة تصدرها للأسواق الخارجية.. ولم أكن مع الرأي الذي كاد أن يحظى باجماع الحضور.. وهو أن التكنولوجيا وثورة الاتصالات والعولمة والفضائيات والانترنت كلها وسائل وأدوات ستجعل الديمقراطية في العالم الثالث مسألة اجبارية لامفر منها.. وكان رأيي أن ذلك كله قد يمارس ضغطا.. لكنه لن يمنع تحايلا عليه.. بل أضفت: إن كل هذه الوسائل قد تصبح عبئا على الديمقراطية.. فقد جعلت التكنولوجيا التجسس على الناس أسهل من التنفس.. وجعلت وسائل التعذيب والاعتراف بلا أثر تتركه وراءها.. وجعلت وسائل التشهير بالخصوم والمعارضين مسألة تتجاوز المحلية الى ما وراء البحار والحدود.. وجعلت الاتقان في تزوير الأدلة ضد المنافسين على الحكم صنعة لايكشفها أكثر القضاة والمحققين مهارة.. إن وسائل العصر إذا خلت من الضمير السياسي والانساني تحولت الى كارثة.. أليست الفضائيات التي تأتي لنا عبر (الدش) من الخارج حاملة الخبر والرأي والصورة الملونة هي نفسها التي تحمل الشر مجسدا في نساء على الهواء مباشرة يحرضن على الرذيلة؟ انها خواطري التي أتصور أنها في حاجة الى مناقشة حرة حتى لاتتداخل الأشياء وتضطرب الرؤية ويختلط اللون الأبيض باللون الأسود وتتشابه الفاشية والديمقراطية.. ويتنكر الذئب في ثياب الجدة العجوز التي تنتظر ذات الرداء الأحمر.