بقلم احمد عمرابي عندما يدون مؤرخو المستقبل قصة العقوبات الدولية فان ابرز عنصر للقصة سوف يكون سؤالا: لماذا تقاعست هيئة الامم المتحدة تجاه اسرائيل وجنوب افريقيا العنصرية بينما تشددت ضد العراق؟ وردت هذه الخاطرة على ذهني اذ كنت اطالع تقريرا اخباريا يفيد بأن مجلس الامن الدولي قرر هذا الاسبوع تشكيل (فريق عمل) للبحث عن سبل جديدة لكي تستهدف العقوبات الدولية التي تفرض بواسطة المجلس على دول ما (قيادة دولة او مجموعة بدلا من تعريض شعب بكامله للضرر) . وما ان تشرع في قراءة نص القرار حتى يتكرس في ذهنك انطباع بأن تحرك مجلس الامن الدولي على هذا النحو مدفوع بعقدة ذنب تجاه الحالة العراقية. فالتذمر يتنامى عالميا يوما بعد يوم مع تواتر الاخبار حول حالة الموت الجماعي البطيء التي تعانيها قطاعات الشعب العراقي خاصة الاطفال. والمأزق الحرج الذي يزداد تورط مجلس الامن الدولي فيه على مرور الايام, واتساع نطاق الانتقادات هو الذي يدفعه الان الى البحث عن (كيفية جعل العقوبات اكثر ذكاء) باستهداف القيادات لا الشعوب. لكن سؤالا اساسيا يبقى دون اجابة: على اي اساس تنطلق قرارات مجلس الان الدولي اصلا بفرض عقوبات على دولة ما؟ هل تنطلق من مثاليات ميثاق الامم المتحدة ام من اعتبارات السياسة الدولية لقوة عظمى هي الولايات المتحدة وتوابعها من دول تخضع لمشيئتها؟ في ضوء هذا السؤال فان هيئة الامم المتحدة التي يتبع لها مجلس الامن الدولي مطالبة تاريخيا بتفسير نهجها الانتقائي الاجرامي في التقاعس عن تنفيذ عقوبات دولية فرضت نظريا على كل من اسرائيل ودولة جنوب افريقيا العنصرية (قبل ان تنتقل الى حكم الاغلبية السوداء عام 1993). لقد ظلت الدولة اليهودية تتجاهل بانتظام, وعلى مدى زمن يحسب احيانا بعشرات السنين, كل القرارات الدولية ذات الصلة بالحقوق الفلسطينية والعربية. ومع ذلك عجزت الامم المتحدة تماما عن معاقبة اسرائيل بفرض حصار اقتصادي وتجاري عليها مثلا كما هو الحال مع العراق. وجنوب افريقيا العنصرية لم تكن اقل تحديا للامم المتحدة من اسرائيل, فقد ضربت بعرض الحائط كافة القرارات الدولية التي كانت تطالبها بالاقلاع عن سياسة الفصل العنصري والتمييز ضد الغالبية السوداء. اما العقوبات الدولية التي قررها مجلس الامن الدولي كرد على هذا التحدي السافر فانها بقيت حبرا على ورق... فلم يتبع مجلس الامن قراراته في هذه الحالة بخلق اليات تنفيذية لها كما هو الحال مع العراق. ان موقف مجلس الامن الدولي العدواني ضد العراق فاضح بما فيه الكفاية. لكن الفضيحة تتجسد وتتخذ ابعادا اشد بشاعة في مجال اسلحة الدمار الشامل بما في ذلك الاسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية. فالمخزونات التي تمتلكها اسرائيل من هذه الاسلحة جميعا يتضاءل امامها ما يملكه ـ او كان يملكه ـ العراق بنسبة النقطة الى المحيط. ومع ذلك فان عقوبات تفرض على العراق مع آليات تنفيذية نشطة.. وتبقى الدولة اليهودية غير خاضعة لأي استجواب دولي. ان الاجدر بمجلس الامن الدولي ليس البحث عن (وسائل جديدة) للعقوبات وانما مراجعة المبادئ والاسس والمناهج المتبعة التي تجعل من فرض العقوبات الدولية وسيلة خبيثة لخدمة غايات سياسية تنطلق من مصالح قوة عظمى.