بقلم: ياسر الفهد يتردد مفهوم القطرية في ادبياتنا العربية باستمرار. وهو يعني اهتمام كل بلد عربي بشئونه الداخلية ومشكلاته الخاصة, بعيدا عن القضايا القومية الكبرى التي تجمع العرب جميعا من المحيط الى الخليج على مائدة واحدة وتصهرهم في بوتقة مشتركة. ولا شك ان الموقف القطري بمعناه السياسي, مرفوض لأنه يناقض المصالح العربية العليا, ولكنه يمكن ان يكون مبررا, عندما يتعلق الامر بأمور محلية, اقتصادية او اجتماعية او امنية, لا تخص الا قطرا بذاته. وبتعبير آخر فإن الموقف القطري يكون مدانا حينما نتحدث عن اهداف سياسية وقومية, ولكنه طبيعي وعادي طالما انصب على معالجة شئون داخلية محدودة ليس لها طابع عربي عام. وللخروج من اطار القطرية الضيقة, والانعتاق من قيودها المفضية الى الانغلاق والتقوقع المحليين, سعت بعض الدول العربية الى اقامة تكتلات تضم بلدانا ذات اتصال جغرافي ومصالح مشتركة وتشابه في خصائص معينة. واذا كان مفهوم التكتل هذا لا يرقى الى مستوى الطموحات العربية الوحدوية, فإنه يظل دون ريب, اوسع وافضل من التقوقع القطري, وهو يشكل محطة وسطى بين القطرية والوحدة. وإذا كانت الوحدة تمثل في نظر العرب خاتمة مطاف طموحاتهم, من الناحيتين الجغرافية والقومية, فقد نشأ مؤخرا مفهوم جديد خطير يتجاوز الى حد بعيد مفهوم الوحدة القومية, سواء تعلق الامر بالعرب او بغيرهم وهو مفهوم العالمية التي اصبح يشار اليها حديثا بالعولمة. وهي ما زالت في بداياتها واطوارها الاولى. ومع ذلك, فإنها تكاد تثير اليوم من الجدل المستعر والنقاش الحامي, اكثر مما تثيره اية قضية اخرى. واذا افترضنا ان العالمية وصلت الى نهاياتها القصوى ومحطاتها النهائية, فإنها قد تعني انشاء حكومة عالمية ذات صلاحيات واسعة تطال جميع دول العالم, دون استثناء.. وهذا طبعا, حتى لو تحقق, سيسلتزم زمنا طويلا جدا. وللمنهج الجديد مؤيدون ومعارضون لا يكفون عن إثارة زوابع التراشق اللفظي الحاد واضرام نيران الاتهامات المتبادلة العنيفة, وذلك لأن كل طرف ينظر الى العولمة, بمنظار مصالحه الخاصة, وقلما يعير اهتماما للنواحي المبدئية ولمصلحة الانسان او لمستقبل البشرية. فأين نحن من الرأيين المعارضين اللذين يرى احدهما في العولمة عدوا لدودا وشيطانا مريدا, ويعدها ثانيهما املا منشودا ومطلبا واعدا؟ ان من الصعب في رأينا اطلاق حكم باتّ وقاطع منذ الآن. والذين يسارعون الى اطلاق الاحكام هم اصحاب المصالح. اما نحن فإننا نريد معالجة المسألة بمنظار حيادي وموضوعي خال من التحيز المصلحي. ولا يمكن ان يتأتى لنا في الوقت الحاضر اصدار رأي سليم, لأننا لا نعرف مسبقا شكل الملبس الدائم الذي ستتسربل به العولمة والمسارات التي ستطرقها والاتجاهات التي ستسلكها. وبالنسبة لنا نحن العرب, يرى المعارضون منا للعولمة, انها مناقضة للقومية وللتراث وللتقاليد العربية والاسلامية الاصيلة, وتشكل انقلابا على قيمنا واستهتارا بمثلنا. وهي الى جانب ذلك في رأيهم, أداة للسيطرة والاستغلال والهيمنة, ولا سيما في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية, كما انها تمثل اعتداء على السيادة الوطنية وتدخلا في الشئون الداخلية للأمم. اما انصار العولمة, من عرب وغير عرب, فيعتقدون ان ترابط مصالح الشعوب ونشوء مشكلات مشتركة كالتلوث البيئي وترقق طبقة الاوزون واضمحلال الموارد المائية وغير ذلك, يجعل من الضروري ايجاد آلية عالمية موحدة لتسيير شئون كوكبنا الارضي. وهم يرون فيها وسيلة لتحقيق الاستقرار والانضباط, وكذلك لنشر المعرفة بين مختلف طبقات الناس دون تفريق, مستشهدين لإثبات ذلك بشبكة الانترنت الدولية التي تستطيع تزويد جميع سكان الارض دون استثناء بما يطلبون من معلومات ويحتاجون من معارف. كما ان العولمة, في نظرهم, تساعد على التنافس التجاري لأن المستثمر في ظلها يسعى للوصول الى اكبر عدد ممكن من الدول, مما يغريه بتخفيض اسعار منتجاته. ومن جهة ثانية, فإن هؤلاء يحاججون بأن كثيرا من الامم معرضة لنكبات طبيعية, كما حدث في تركيا عندما هزتها الزلازل العنيفة واقضت مضجعها خلال عام 1999, مما جعل معظم دول العالم تهب لنجدتها وتقدم المساعدات لها, تخفيفا من وطأة الكارثة التي ألمت بها. وهذا شكل مصغر من اشكال العولمة الايجابية. ويرى انصار حقوق الانسان في العولمة وسيلة لسحب البساط من تحت اقدام الدول المتعسفة التي تسعى الى الانفراد بشعوبها, ومقاومة كل تدخل خارجي يمكن ان ينقذ هذه الشعوب من براثن الاضطهاد. وهكذا فإن كل جهة او فرد او دولة تنظر الى المفهوم الجديد بمقدار ما يحمله من خير او شر لها. ونرى ان الامر يتوقف على آلية العولمة المستقبلية وعلى مدى نقائها وصفائها, وهل ستتحكم بها اقلية من الدول ونخبة من المستغلين, ام ان جميع بلدان العالم, الكبيرة منها والصغيرة, الغنية والفقيرة, القوية والضعيفة, ستسهم في بناء هذه الآلية وتطبيقها. ويمكننا ان نأخذ كمقياس, هيئة الامم المتحدة التي يمكن ان تعطينا مثالا بسيطا مصغرا عن فكرة العولمة. فمجلس الامن, تقود قاربه دول كبرى تتحكم به وتتجه به الى حيث تكمن مصالحها. اما الجمعية العمومية للامم المتحدة, فإنها تفسح مجالا اوسع للدول الصغيرة وبلدان العالم الثالث وعدم الانحياز. ولكن سلطتها للأسف اقل بكثير من سلطة مجلس الامن, وعلى كل حال, فإن وجود هيئة الامم المتحدة, مع جميع السلبيات والثغرات التي تنخر في اوصالها, يظل في نظرنا افضل من غيابها. ويظل الحكم النهائي للزمن الذي يثبت ما اذا كان الطرف المؤيد ام المعارض للعولمة هو المحق. وبعد, فإن العولمة سلاح ذو حدين. وكل من يناقش هذا المفهوم بإيجابياته وسلبياته, وبطريقة تعددية, فإنه دون شك ينشد الموضوعية والوصول الى الحقيقة. اما الذي يعالجه من جانب احادي, فإننا نستطيع الحكم عليه بأنه صاحب مصلحة!