بقلم: الدكتور طلعت شاهين العولمة في الاقتصاد تعني (الهيمنة في الإعلام) أيضا, والمستفيد أو المهيمن الأول فيها, وهو القوى الكبرى, يستطيع أن يفرض وجوده على معظم شعوب العالم بسبب سيطرته على الأدوات الرئيسية في كل حقل, لأن العولمة في الاقتصاد لا تزال حكرا على الغرب وحده, فهو يمتلك الشركات المتعددة الجنسية أو تنتمي إليه, وفيه تتمركز البنوك الكبرى وتمارس أنشطتها من خلاله, ويسيطر من خلالها أيضا على المنظمات الدولية الرئيسية الفاعلة في العالم. لذلك فإن العولمة في الاقتصاد تبعتها عولمة في الإعلام, وتسير على المنوال نفسه, فالأدوات الرئيسية في الإعلام, من وكالات أنباء ومحطات بث تلفزيونية وإذاعية رئيسية, تمتلكها حكومات أو شركات غربية أيضا, وتستخدمها بالطبع فيما فيه صالحها, ولتحقيق أهدافها, تبرز ما تريد من أحداث وتفرض ستارا من التعتيم على أحداث أخرى ترى أنها لا تصب في دعم مصالحها, أي دعم مصالح رؤوس الأموال. من هنا تصبح العولمة إجمالا لصالح تلك القوى, وعلى الباقي من دول العالم أن يسير في الركاب أو يضيع في زحام البشر الذين يسكنون باقي المنطقة الجافة من الكرة الأرضية, بلا قوة حقيقية تمثلهم على الرغم من انهم يشكلون ما لايقل عن 80 في المائة من مجموع البشر الذين يسكنون اليابسة على كوكبنا الأرضي, هؤلاء يصبحون بفضل العولمة قوة عاطلة مستهلكة لما تلقيه القوى المالكة من أدوات العولمة. لذلك عندما يقرر فقراء الأرض ومن لا يملكون, ولو جزءا من الأدوات الرئيسية من أدوات العولمة الاقتصادية أو الإعلامية, الاحتجاج على تهميشهم, فعليهم ألا يقنعوا بالفتات الذي يمكن للأقوياء أن يتركوه لهم, وقد تجلى هذا بوضوح في (قمة الجنوب ـ الجنوب) , التي تعتبر أول احتجا ج على مستوى عالمي ضد العولمة وأدواتها, تلك (القمة) التي شهدتها الأسبوع الماضي العاصمة الكوبية هافانا, فقد تم الإعداد لتلك القمة, التي حضرها ممثلو 133 دولة, من بينهم حوالي أربعين رئيس دولة أو رئيس وزراء, وتم عقدها, ثم الانتهاء منها في صمت تام ودون ضجيج إعلامي في وسائل الإعلام الرئيسية دوليا يعكس أهمية تلك القمة, أو حتى يعكس جزءا من مطالبها, وذلك ببساطة, لأن الأدوات الرئيسية للإعلام (المعولم) تمتلكها رؤوس الأموال التي تمثل بدورها مصالح أصحاب الاقتصاد (المعولم) , فيصبح الإعلام في خدمة رؤوس الأموال التي تملك (العولمة) . حتى بعض وسائل الإعلام التي تعتبر كوبا من مناطق نفوذها الإعلامي الرئيسية, وتهتم بكل ما يجري فيها, تجاهلت القمة على الرغم من أهميتها لمنطقة أمريكا اللاتينية كلها, وكالة الأنباء الأسبانية (أفيEFE ) مثلا, تجاهلت الحدث تماما, بل كثفت من تغطيتها لقضية الطفل (إليان جونثالث) الذي يعيش مأساة هزلية بين أهل أمه في ميامي ووالده الكوبي, وتحولت قضيته إلى أزمة سياسية بين كوبا والولايات المتحدة, تلك الوكالة الإعلامية التي تعتبر دول أمريكا اللاتينية مركز اهتمامها الرئيسي حولت قضية الطفل الكوبي إلى قضية رئيسية في تغطية مراسلها في هافانا, وتجاهلت (قمة) بهذا الحجم وهذا الحضور, فانعكس هذا أيضا على وسائل الإعلام الأسبانية الأخرى, من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية عامة وخاصة. أيضا شاركت وسائل الإعلام التي تنتمي إلى دول الجنوب في التعتيم على تلك القمة, سواء بقصد أو بدون قصد, أو لقلة ما تمتلك من وسائل, أو لاعتقادها إنها لا تملك الوسائل التي تجعلها تشارك في الاحتجاج على العولمة, فبدت معها وكأنها تشارك في تشديد حصار العولمة الإعلامية على القمة والمشاركين فيها, بل وسائل الإعلام التي كانت دولها تشارك في قمة الجنوب استجابت لكل محاولات القوى الغربية في تجاهل تلك القمة, والتشويش عليها من خلال تنشيط قضايا هامشية, باهتمامها بنشر أخبار لا قيمة حقيقية لها سوى أنها منقولة عبر وكالات ووسائل إعلامية غربية, حتى بدت معها تلك القمة كما لو كانت مجرد (فقاعة) مؤقتة في محيط من الأحداث العالمية. على الرغم من كل هذا فقد انعقدت القمة وصدر عنها بيان وبرامج عمل, وان كان بيانها لا يختلف كثيرا عن بيانات سابقة لقمم (العالم الثالث) بكل ما فيها من خطابة وكلمات رنانة, إلا أنها وضعت النقاط على الحروف في الكثير من القضايا المهمة, التي تؤثر بشكل مباشر على حيا ة شعوب تلك الدول. وضع البيان إصبعه على المشكلة الأساسية التي جعلت من هذه القمة أهمية حيوية لانعقادها, وذلك بالإشارة إلى أهمية وضع أسس جديدة وعادلة يقوم عليها نظام عالمي تشارك فيه كل الدول الكبرى والصغرى على حد سواء, وذلك من خلال إدخال إصلاح على بعض مؤسسات منظمة الأمم المتحدة, وتوجيه عملها على أسس جديدة تلبي احتياجات الجميع. وهذا يتطلب إعادة تخطيط العلاقات الاقتصادية بين الشمال الثري والجنوب الفقير, والذي تقوم على أساسه العولمة بمنظورها الغربي, الذي يجعل منها إحدى أدوات الإبقاء على الجنوب محصورا بين فقره ومشاكله التنموية التي تزيده فقرا وحاجة. وأوضح البيان أن المشكلة الرئيسية التي تكمن وراء هذا التخلف والفقر تعود إلى الديون الخارجية, التي أصبحت نتائجها خلال السنوات الأخيرة سببا في فشل معظم برامج التنمية الاقتصادية التي قادتها حكومات تلك الدول, مما جعلها تدور في دائرة مفرغة, لأن خدمات وفوائد تلك الديون أصبحت تمثل عبئا على ميزانياتها, وتلتهم جزءا كبيرا من الميزانيات التي تحتاجها تلك الدول لتنفيذ برامج اجتماعية مهمة. وترى الدول المشاركة في (قمة الجنوب) أن الحاجة أصبحت ماسة للبحث بشكل جماعي ومشترك بين الشمال والجنوب لحل تلك المشكلة, وأهمية أن تبدي دول الشمال استعدادا للمشاركة في حلها من خلال التنازل عن كل أو جزء من تلك الديون, أو جدولتها بشكل يسمح للدول المدينة بالتخلص من عبء خدمات تلك الديون وفوائدها على المدى القريب. إضافة إلى هذا طالب البيان بوضع برامج تضمن لدول الجنوب تخطي الهوة التكنولوجية التي تعتمد عليها دول الشمال في فرض هيمنتها في مختلف المجالات, ومطالبة دول الشمال بتسهيل نقل تلك التكنولوجيا المتقدمة إلى دول الجنوب بأسعار ميسرة, تسمح بملاحقة التطورات التي تدخل فيها تلك التكنولوجيا, خاصة تكنولوجيا الاتصالات التي أصبحت من أساسيات أي اقتصاد لجذب الاستثمارات الأجنبية والإفادة منها في تنفيذ برامج التنمية. ولتحقيق هذا الهدف طالب بيان قمة الجنوب بعقد لقاء عالمي على مستوى القمة, لمناقشة آثار (عولمة الاقتصاد) ووضع أسس جديدة لتطبيق حرية التجارة وتنقل رؤوس الأموال, ووضع البيان تاريخا لا يتعدى العام 2001 لعقد تلك القمة, على أن تكون تلك القمة في إطار الأمم المتحدة ضمانا لفعاليتها, وتحقيقا للمساواة بين المشاركين فيها. مع التأكيد, في هذا المجال, على حرية كل دولة في تطبيق القوانين الاقتصادية المناسبة لها, والتي ترى أنها الأنسب في تحقيق أهدافها, ورفض كل تدخل لفرض نظم معينة, سواء عن طريق الحصار الاقتصادي أو منع التمويل, أو الضغوط المالية من خلال فرض ضرائب تعجيزية على الصادرات أو الواردات بين الدول الثرية والدول الفقيرة. لتحقيق هذا الهدف يشير البيان إلى أهمية مكافحة عمليات تهريب رؤوس الأموال بشكل غير شرعي من بلد إلى آخر, بهدف التأثير على الأوضاع الاقتصادية الداخلية, ويرى البيان أن تحقيق هذا الهدف لا يتم إلا من خلال التعاون الفعال بين الشمال والجنوب عبر القوانين, وتطبيق المواثيق الدولية التي تتناول هذه المشكلة. كما طالبت الدول المشاركة في قمة الجنوب باحترام المساواة بين دول العالم التي تتضمنها القواعد الأساسية لميثاق الأمم المتحدة, ورفض استخدام القوة الباطشة من جانب القوى الكبرى لفرض إرادتها على الدول الصغيرة, على أن يتم استبدال هذه العلاقة القائمة على القوة بعلاقات قائمة على التعاون والمساعدة في التنمية, لأن المشاكل الأساسية التي تدفع إلى هذه العلاقة المشكلة بين القوى الكبرى والدول الصغرى تعود في الأساس إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها تلك الأخيرة. يؤكد البيان أيضا على أهمية إقامة حوار مستمر وفعال بين الشمال والجنوب, يقوم على أساس المشاركة بلا حدود, وليس الفرض من الجانب الأقوى على الجانب الأضعف, على أن يكون هدف الحوار البحث عن وسائل محددة تضمن المشاركة الكاملة والفاعلة لدول الجنوب في اتخاذ القرارات ذات التأثير الدولي, وذلك على قدم المساواة مع دول الشمال, التي كانت ولا تزال تنفرد بتلك القرارات من خلال هيمنتها على الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها. أما في مجال الجهود التي يجب أن تبذلها دول الجنوب المشاركة في هذه القمة بغض النظر عن مشاركة دول الشمال, فان البيان يؤكد على أهمية قيام تعاون إقليمي بين دول الجنوب, تشارك فيه الدول ذات الدخول المتوسطة أو الأيسر حالا لحل مشاكل الدول ذات الدخول المنخفضة أو التي تعاني من مشاكل اقتصادية حادة, وذلك للمساعدة في تنفيذ برامج تنمية اجتماعية تعتمد على الجهود الذاتية والخاصة بين دول الجنوب, وذلك بهدف خلق حلول دائمة لمشاكل التنمية بعيدا عن الاستدانة من الدول الثرية, وبعيدا عن الاستدانة من المؤسسات المالية التي تسيطر عليها دول الشمال. في النهاية إذا كان البعض يعتقد أن من إيجابيات قمة (الجنوب ـ الجنوب) أنها توصلت إلى توصيف مأساتها في زمن العولمة, وطالبت في بيانها الختامي بحقها في الحصول على أدوات تمكنها من الخروج من أزماتها التي ازدادت حدة في ظل تلك العولمة, فيما رأى البعض الآخر أن هذا البيان تكرار لمثله من بيانات ترفض ولا تقدم بديلا, في رأينا أن أهم إيجابيات قمة الجنوب في هافانا يتمثل في البحث عن مخرج لأزمات شعوبها من خلال مشروعات مشتركة للتنمية بين دول الجنوب نفسها, أي البحث عن حلول ذاتية دون اللجوء إلى الدول والشركات المنظمات الدولية التي تستفيد من الوضع في ظل العولمة بشكلها القائم حاليا. لكن تلك المشروعات التي أعلن عنها نائب وزير الاستثمارات الأجنبية الكوبي, والتي أشار إلى أنها تزيد على 120 مشروعا, تقدمت بها بعض الدول مثل باكستان والصين والهند وكولومبيا وكوبا وفيتنام وغيرها من الدول المشاركة في قمة الجنوب, تعتبر خطوة إيجابية لو انه تم وضع تلك المشروعات موضع التنفيذ, إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة, لأن تلك المشروعات تحتاج إلى رؤوس أموال لتنفيذها, ورؤوس الأموال اللازمة لا تمتلكها تلك الدول, واللجوء إلى الاقتراض يعيدنا إلى قفص العولمة من جديد. لذلك لا حل آخر سوى محاولة تنفيذ ما يمكن تنفيذه من تلك المشروعات في إطار التعاون المشترك بين دول الجنوب والجهود الذاتية, إلى جانب العمل المشترك والجماعي بين دول الجنوب في إطار المنظمات الدولية لإجبار دول الشمال الثرية على التخلي عن تعنتها, وفتح الباب أمام الجنوب للمشاركة في صنع السياسة الاقتصادية الدولية كشريك لا كمستهلك فقط. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا.