ما الذي يجعلك تحب انسانا ولا تطيق آخر؟ وما الذي يدفعك بغموض واستسلام للثقة في شخص معين, بينما يحاول آخرون اثبات حسن نواياهم وصدق سرايرهم زمنا طويلا, لكنهم لا يفلحون في نيل ثقتك ولو لدقيقة واحدة؟ من أين يتدفق حبنا للبعض؟ وثقتنا في اشخاص محددين, ونفورنا من اناس لم يقدموا لنا دليلا عمليا واحدا على سوء طباعهم سوى دليلنا الداخلي وقلبنا الذي لا نملك تعديلا لمساره اذا صمم على التوجه صوب جهة يريدها؟ العارفون بأمور العاطفة, واسرار القلوب يقولون بأنها الكيمياء, نعم كيمياء الروح والجسد والعقل وحتى تكوينات الجسد من لون ورائحة وحركات, ولو سرنا وراء التفسير الكيميائي وصدقناه لارتحنا كثيرا من السؤال الازلي: لماذا يحب فلانا فلانة؟ ولماذا يأتلف هذا مع ذاك؟ انها القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. والارواح كما جاء في الحديث الشريف جنود مجندة اذا تشابهت تآلفت, واذا تناكرت تنافرت بحسب كيمياء الروح الساكنة في الخلايا والجينات والتاريخ وتلافيف الدماغ, وومضة القدر في اشراقة عين وابتسامة ثغر, وطلة وجه, يأخذنا في لمحة من العمر الى حيث لا رجوع, فإذا انت والقدر وجها لوجه لا فكاك ولا خلاص, واذا تأويلات الاخرين وتفسيراتهم وتحليلاتهم ضرب في الرمال ولعب بالودع كما تفعل الغجريات وقارئات الفناجين البلهاء. واذا انت لم تأتلف ناظر برضا ناطق بلسان شاعرنا العظيم المتنبي: اذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب لكنك مع مرور الوقت تسمع وتلاحظ بأن ذلك الانسان الذي نفرت منه منذ اليوم الاول للقائكما دونما سبب منطقي قد تبدت لك منه سلوكيات وافعال تستحق ذلك الابتعاد الطبيعي الذي مارسته معه منذ النظرة الاولى. وهنا نعرف ان القلب دليل صادق ومفت لا يخطىء: (فاستفت قلبك وان افتاك الناس وأفتوك وافتوك) . لكن عليك ان تتحمل تصديق الفتوى, فالانسان على دين مفتيه, وأنت على دين قلبك, فاحتمل ما يأتيك من اولئك الذين افتى القلب بالرضوخ لهم, والذين افتى باحالة اوراقهم الى..!