بقلم : د. صالح هويدي في الوقت الذي لايزال يشهد فيه الخطاب الثقافي العربي مناقشات جادة, واسعة النطاق, لفكرة النظام العالمي الجديد, قراءة وتحليلا ودراسة, تتجه احيانا صوب القبول او الرفض, نجد النظام العالمي الجديد وقد غادر منطقة الفكرة ومدار النظرية منذ سنين ليدخل مرحلة التنفيذ الفعلي لتوجيهاته, بعد ان قطع اشواطا غير قليلة على طريق اقناع كثير من دول العالم وبلدانه بالدخول معه في ترتيبات بروتوكولية وتنسيق مواقفهما, من خلال عدد من المنظمات والاتفاقات والمعاهدات التي ضمنت ارتباط عجلة انظمة هذه الدول بفلسفة هذا النظام وتوجهاته الاقتصادية. و لا ريب في ان هذه الحقيقة تفرض علينا اعادة النظر في منطلقات مواقفنا من قضية النظام العالمي الجديد, تلك المواقف التي تتناوله من منطلق الرفض او القبول بعد ان بدا اتجاه انخراط جل دول العالم في هذا النظام امرا مفروغا منه. أسئلة واجبة السؤال الذي يظل يمتلك اهمية خاصة هو: ما الذي ينبغي علينا فعله, نحن العرب اولا, ودول العالم الثالث ثانيا؟ هل ينبغي لنا الركون الى الصمت والامساك عن قول كلمة او اتخاذ موقف ما مناسب؟ وهل يكفي اتخاذ موقف المتفرج من هذا النظام او موقف الترويع من قيامه او موقف الرفض والهجاء؟ احسب ان على دول العالم الثالث عامة والعرب خاصة, ان يرتقوا الى مرحلة الوعي الحقيقي بمستوى التحدي العالمي الجديد, وادراك ضروراته التاريخية للاسهام في بلورة رؤية علمية قادرة على تكوين وجهة نظر خاصة يمكن ان تشكل رافدا قابلا للاتساع والتمايز والتأثير فيما بعد, في مجرى التطور التاريخي للدول والمجتمعات. ويترتب على هذا الامر التفكير في عدد من الاسئلة في محاولة للوصول الى اجابة واضحة لها مثل: هل يمكن للنظام العالمي الجديد في صورته التي نرى ملامحها متجسدة اليوم, ان يكون نظاما انسانيا عادلا؟ ولماذا؟ ولعله لا يقل عن هذا السؤال اهمية, السؤال عن امكانية اسهامنا, نحن العرب, في اجتراح رؤية ما, تتجه بهذا النظام. ـ ما دمنا عاجزين عن دفعه ـ نحو خلق انموذج انساني اكثر عدالة ورقيا, بما نضفي عليه من فلسفتنا وروحنا وقيمنا الانسانية. اسماك القرش!! لعل نظرة الى طبيعة نشأة النظام العالمي الجديد والظروف التاريخية التي اكتنفت انبثاقه والمؤسسات التي تقف وراءه كفيلة بإلقاء مزيد من الضوء على الاجابة عن السؤال الاول. لقد جاء النظام العالمي الجديد ليمثل الحلقة النهائية في سلسلة التطور الرأسمالي, اي مرحلة ما بعد الامبريالية وعصر ثورة الاتصالات وعالم الانترنت والمعلومات. وليس جديدا القول ان تاريخ التطور الاقتصادي للأمم والشعوب اثبت ان المراحل الاقتصادية المختلفة للنظام الرأسمالي كانت تجسد بما لا يقبل الشك على الدوام رؤية الغرب الرأسمالي, معبرة عن مصالحه الاساسية, بعيدا عن مصالح دول عالم الجنوب ومجتمعاته واحتياجاتها ومطامحها, ان لم نقل ان تلك البنية كانت تنمو على الدوام على حساب حياة الشعوب الاخيرة وتقدمها واستقرارها. وليس ادل على صدق ما نقوله من شبكة الاجراءات الطويلة التي بدأتها الدول الساعية لاقامة النظام العالمي الجديد ـ وعلى رأسها امريكا ـ مع دول العالم الاخرى لضمان دورانها في فلكها, من مثل خضوعها لتوصيات البنك الدولي وشروطه, وخضوعها لنظام التجارة الحرة ولوائح منظمة (الجات) الدولية, وتنفيذ اجراءات خصخصة السوق, وتحديد انتاج بعض ما يحتاجه السوق من منتجات غذائية وتحديد سقف انتاج منتجات اخرى او تحديد نوعياتها وكميات انتاجها وتصديرها وفق قانون العرض والطلب الذي تتحكم به بعض دول عالم الشمال والولايات المتحدة الامريكية خاصة وتحدد شروطه ومتطلباته. ولا يتوقف الامر عند حدود استئثار دول عالم الشمال بخيرات دول عالم الجنوب وثرواتها ومصالحها فحسب, بل امتدت شهوة الاستغلال الرأسمالي لدى امريكا وبعض اسماك القرش الكبيرة الاخرى ـ وهي دول محدودة ـ لتطال بعض دول الشمال السائرة في فلكها, من الدول الاقل قدرة, وهو الذي كان يشجع بين الحين والآخر على ظهور حالات تململ لدى بعض تلك الدول, من الدخول بقوة في مثل هذه التوجه المحموم, او التعبير عن مواقف مستقلة ووجهات نظر خاصة, تنبىء عن توجس خفي وحالات ارتياب ضمني. قلق مشروع يمكن ايضا ملاحظة مواقف المنظمات الثقافية العالمية ومواقف رجال الفكر, الذين عبروا عن المخاطر الجسيمة التي يمكن ان تلحق باقتصاديات كثير من دول العالم ومجتمعاتها وثقافاتها وتقاليدها في ظل سيادة النظام العالمي الجديد. ولعل عنف الاحتجاج وشراسة المقاومة التي لقيتها المؤتمرات المنظمة لبعض برامج هذا النظام من لدن شعوب عالم الشمال نفسه, دليل آخر على صدق هذا التوجس واتساع مساحته. ان ما حدث في (سياتل) و (ديفوس) من مظاهر مقاومة شعوب عالم الغرب نفسه دليل على حجم المخاطر التي تنتظر مجتمعات عالم الغد وصدق التحسس بها. لقد بدا واضحا عقب سقوط الاتحاد السوفييتي (سابقا) وما حدث من تداعيات في المعسكر الاشتراكي, ان المنفرد الأساسي بفلسفة النظام العالمي والمستأثر الوحيد انما هو الولايات المتحدة الأمريكية, هذه القوة العظمى التي لاتزال ترعى جميع محاولات امتلاك (اسرائيل) القوة الأعظم في المنطقة, مباركة أفعالها وغاضة النظر عن حماقاتها العسكرية جميعا, وفي وقت تعاقب فيه أكثر من دولة عربية, وتهدد أكثر من نظام, وتفرض على أكثر من شعب اجراءاتها المتشحة بوشاح المنظمات الدولية, مما يكشف عن وجه العدالة الشائه الذي ترفعه هذه الدولة العظمى, حيت تكيل القضايا الانسانية بمكيالين مختلفين. من هنا فإن من الحق القول: ان نظاما تنتظر شعوب العالم اقامته على يد هذه الدولة العظمى, لن يكون مختلفا عن فلسفتها التي تنتهجها اليوم في التحكم بمصير شعوب العالم, أو بعيدا عن مواقفها المزدوجة تجاه تلك الشعوب وقضايانا العربية بوجه خاص. أي نظام؟! لا يخالجنا شك في ان فكرة اقامة نظام عالمي جديد يمكن ان تكون مطمح كثير من المجتمعات, ومهوى أفئدة عديد من بني البشر, فالحاجة إلى تقارب الشعوب وزيادة تماسكها, وتبادلها الثقافات والافكار والخبرات والمنافع فيما بينها, أمر يصب في مصلحة شعوب العالم ومجتمعاته الفقيرة والغنية, فضلا عن أفراده, على اختلاف ألوانهم ومستويات تطورهم وتباين ثقافاتهم, وتنوع قومياتهم وعقائدهم واتجاهاتهم. لكن المشكلة تظل مرهونة بالنوايا المشكوك فيها, في اقامة هذا النظام العالمي, على أساس من قيم العدل والنزاهة والتقدم. ولا ريب في أننا وسائر شعوب العالم, ولا سيما الفقيرة منها مع النظام العالمي الذي يدعو إلى سعي الدول المتقدمة (الغنية) لرفع غائلة الفاقة وذل الجوع عن أفراد كثير من المجتمعات, ومع النظام العالمي الذي يخطط لاحداث تقدم علمي داخل مجتمعات دول العالم الثالث, ولنقل التطور التكنولوجي إليها, ومع النظام العالمي الذي يسعى حثيثا للتقليل من هوة الفوارق الطبقية بين مجتمعات عالم الجنوب وعالم الشمال, ومع النظام العالمي الذي يسعى لاقامة آلية ناجعة تحول دون بروز ظواهر التحكم والعنف والديكتاتورية والتفرد بالسلطة, ودون ممارسة ألوان الارهاب الفكري والتصفيات الجسدية بسبب الاختلاف الفكري أو التقاطعات العقدية. كما اننا مع النظام العالمي الذي يسعى لتأمين حرية الأفراد وحقهم في المواطنة والعيش الكريم والتعبير عن الرأي والاعتقاد وعن اختيار مؤسساتهم وحكوماتهم ورؤسائهم, ومع النظام العالمي الذي يعمل على تكريس حقوق الأفراد واقرارها في مجال التعلم والرعاية الصحية والنفسية والعيش الكريم, ومع النظام العالمي الذي ينجح في تكريس آلية التدخل المشروع لمنع أي اعتداء أو خروج من لدن النظم أو القادة أو الأحزاب التي تستهدف حياة الانسان وكرامته وامنه, لتصحيح الوضع وضمان اعادته الى حالته السوية, ومع النظام العالمي الذي يحول دون سيطرة الدول العظمى على الدول الصغيرة او استغلالها والسيطرة عليها. ومع النظام العالمي الذي ينجح في ايجادة آلية للحيلولة دون ظهور احلاف اقليمية لدول على حساب دول اخرى, من شأنها تهديد امن الشعوب واستقرار مجتمعاتها. ومع النظام العالمي الذي يؤمّن وجود هيئات دولية مشتركة تضم بعض رجال الحكمة, ممن لهم ماض فكري مشهود, تحكم في حل مختلف مظاهر التجاوز والنزاع وألوان الاختلاف والعداوة بين الدول على اساس من قيم العدل التام, دونما انحياز او ميل لأية جهة او قوى عالمية. فهل ثمة سبيل يا ترى لانبثاق نظام عالمي جديد, يضمن للشعوب حرياتها ويسعى الى إقرار قيم العدل وتحقيق تقدم المجتمعات ورفاهيتها؟ * ناقد وأكاديمي عراقي