بقلم: عبدالرحمن الشارد سعت هذه الدراسة الى رصد كل مايتعلق بتجربة اسكان المواطنين في الامارات العربية المتحدة وفي امارة دبي خاصة, وانشغلت الحلقة الاولى منها بمتابعة كيفية منح الحكومة الاراضي السكنية ومساحتها والمساعدات المالية لاستكمال عملية البناء. كما تعرض الباحث لتقييم هذه التجربة, وابراز ما حققته من نجاح باهر, والى سعي حكومة دبي لرصد نتائج التجربة وتحاشي سلبياتها, وتعميق وتثبيت ايجابياتها بهدف جعلها قابلة للاستمرار وقادرة على توفير هذه الخدمة الضرورية دائما للمواطنين, خاصة من حيث العمل على معالجة مشكلة التكاليف المرتفعة, واشكالية الاستهلاك السريع للاراضي المخططة عمرانيا. واصلت الدراسة بعد ذلك رصد صيغ وعمليات التملك وفرص التمويل المتاحة, والتي حرصت على توفير اعلى قدر من المساواة لتأمين المسكن الملائم. وتتابع حلقة اليوم حديث التمويل والتكاليف وتطور السياسة الاسكانية. شروط القرض ويشترط لطالب القرض ان يستجيب لبعض الشروط, ومن اهمها ان يكون قد منح قطعة ارض وان يكون له دخل ثابت من وظيفة ما يمكنه راتبه من تسديد القرض. اما ذوو الدخل المنخفض فلهم الحق في المطالبة بمسكن شعبي, وقد تمت الاستجابة لحوالي 30% من طلبات القروض للمدة الممتدة ما بين 1993 ـ 1997. وتظهر الجداول الرسمية في السنوات الاخيرة انه تمت الاستجابة لاكثر من نصف الطلبات سنويا بالرغم من محدودية ميزانية البرنامج والتي تبلغ ملياري درهم فقط. ويمكن اعتبار قيمة القرض 500.000 درهم كافية لبناء مسكن عادي, بحيث ان المساكن ذات التكلفة المحصورة بين 500.000 ـ 600.000 درهم تشكل حوالي 57% من المساكن الممولة والمبنية بين عامي 1993 ـ 1997 الا ان باقي المواطنين يبنون مساكن اكثر تكلفة وقد تتعدى في بعض الاحيان 1.5 مليون درهم. ويمثل قرض الاسكان نسبة اساسية من تكاليف المسكن الا ان التضخم في قطاع البناء بامكانه تشكيل عقبة اذا لم يتم رفع قيمة القروض مستقبلا وفق نسبة التضخم, كما يتطلب الامر رفع ميزانية الصندوق نظرا للتزايد المستمر في طلبات القروض. ويسمح البرنامج الفيدرالي للاسكان (برنامج الشيخ زايد للاسكان) الذي شرع في تطبيقه مؤخرا (ديسمبر 99 ـ 2000) بالحصول على قروض بنفس قيمة وميزات قروض برنامج الاسكان الخاص, وتقوم اللجان الفرعية لكل امارة بدراسة الطلبات والاستجابة لها وفق الامكانيات المتاحة. هذا الى جانب التمويل الحكومي الذي يمكن المواطنين من الحصول على قروض من مصارف تجارية مقابل نسبة ارباح معدلها الحالي 7% الا ان هذه النسبة للفوائد تشكل عبئا ماليا ثقيلا على المواطن. ويتكفل المواطن بتكاليف بناء المسكن, إلا ان التكلفة الحقيقة باضافة تكاليف تحضير الارض والاعمال الخارجية اعلى من قيمة القرض, حيث تتكفل الحكومة بهذه العمليات مما ييسر على المواطن عملية بناء المسكن, وقد اوضحت دراسة حديثة (1999) ان تكاليف بناء مسكن متوسط الحجم (4 ـ 5 غرف) شاملا هذه التكاليف يبلغ 800.000 ـ 1.000.000 درهم. ويمكن تلخيص التكاليف اعلاه كما في الجدول رقم (1) جدول رقم (1) تكاليف/ نوع المسكن فيلا 4 غرف فيلا 5 غرف تحضير الارض 28.601 37.181 بناء المسكن 579.368 712.269 اعمال خارجية 213.224 277.192 التكلفة الاجمالية الادنى 821.193 1.026.642 يوضح الجدول اعلاه ان سياسة الاسكان الحالية في امارة دبي والتي تتكفل فيها الحكومة بشكل مباشر او غير مباشر بجزء كبير من التكاليف (الحقيقية) للمسكن تسمح للمواطنين بامتلاك مساكن فردية مريحة, إلا ان التزايد في الحاجة الى المساكن والرغبة في الحفاظ على منجزات سياسة الاسكان يتطلبان التفكير في ايجاد طرق تمويل بديلة للمساهمة في قطاع الاسكان وتخفيف الضغط على الموارد الحكومية. الخدمات والمرافق تتكفل الحكومة بتوفير الخدمات والمرافق العامة واعمال التسوية بينما يتكفل المواطن بتكاليف توصيل الخدمة من الشبكة الرئيسية (مياه, كهرباء, صرف صحي... الخ) الى مسكنه, وقد اوضحت الدراسات ان تكاليف تهيئة المناطق السكنية في امارة دبي تقدر بحوالي 750.000 درهم للهكتار في المناطق ذات قطع الاراضي التي تصل مساحتها الى 10.000 قدم مربع مقسمة كما في الجدول رقم (2) جدول رقم (2) تكاليف تهيئة المناطق السكنية البيان الطرق الرئيسية وتسويات جزئية الطرق المحلية والانارة شبكة المياه الاتصالات صرف صحي صرف مياه وامطار الري المجموع التكلفة (درهم/ هكتار) 100.000 150.000 56.000 156.000 36.900 125.000 100.000 19.200 743.100 النسبة المئوية 13.5 20 7.5 21 5 17 13.5 2.5 100 وتمثل تكاليف الطرق والتسوية الجزئية 33.5% من التكلفة الاجمالية, وتتحمل البلدية 66% من التكاليف الاجمالية بينما تتحمل هيئة الكهرباء والمياه 29% ومؤسسة الاتصالات 5% وتقدر التكاليف المستقبلية لتطوير المناطق السكنية لغاية 2015 بحوالي 7 مليارات درهم (1.9 مليار دولار) وتمثل هذه التكاليف ما معدله 190.000 درهم لكل قطعة ارض, وتضاف الى ذلك تكاليف الاعمال الخارجية كالتجميل (Landscaping) عند الانتهاء من بناء المساكن. انعكاسات سياسة اسكان المواطنين: ادت سياسة الاسكان الحالية الهادفة الى توفير سكن لائق لكل المواطنين, والتكفل الجزئي بتكاليف المسكن من طرف الحكومة الى ظهور بعض الانعكاسات السلبية التي تتطلب معالجة بإدخال تعديلات على سياسة الاسكان لتفادي المشاكل الناجمة عنها, او للتخفيف من آثارها السلبية التي يمكن حصرها فيما يلي: 1) سرعة استهلاك الاراضي: ادت سياسة منح الاراضي بمساحة 15.000 قدم مربع واكثر لكل مواطن عند بلوغه سن العشرين الى تخصيص مساحات واسعة للاسكان وقد حذرت دراسات المخطط الهيكلي من هذه الظاهرة وانعكاساتها وبناء على هذه التوصية تم تخفيض مساحات القطع تدريجيا الى 12.000 قدم مربع ومن ثم الى 10.000 قدم مربع منذ نهاية 1998 استنادا الى توصيات دراسة مستقبلية لاستهلاك الاراضي قامت بها ادارة التخطيط والمساحة ببلدية دبي. ولقد ادى تنفيذ سياسة اسكان المواطنين الى اضافة حوالي 8.500 هكتار من الاراضي الى الكتلة العمرانية للمدينة في الفترة ما بين 1985 ـ 1998 ومن المتوقع ان يصل حجم الطلب المتوقع على الاراضي لاسكان المواطنين الى حوالي 34.000 قطعة بحلول عام 2015 اي بزيادة 10.800 هكتار بكل ما تتطلب من خدمات وبنية تحتية, ويتطلب ذلك البحث عن اراض سكنية خارج حدود المخطط الهيكلي بعد هذه المدة. لذا تدعو الدراسات الحالية الى اعادة النظر في شروط منح الاراضي وفي مساحة قطع الاراضي وتوصي بتخفيضها مجددا الى 7.500 هكتار للحفاظ على مخزون الاراضي السكنية للاجيال المقبلة. 2) عدم انتظام التطور الحضري: ساعدت قطع الاراضي الممنوحة وغير المبنية في بروز ظاهرة التطور الحضري غير المنتظم (Urban Sprawl) بالمناطق السكنية بما يترتب عنها من نقص في استخدام الخدمات والبنية التحتية ومن المشاكل الاجتماعية, ويأتي القانون الجديد الذي اصدره سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (فبراير 2000) والقاضي بسحب الاراضي الممنوحة وغير المبنية بعد خمس سنوات من منحها كحل مبدئي لمشكلة التطور الحضري غير المنتظم. وتوصي الدراسات بإعادة النظر في شروط منح الاراضي وبوضع جدول زمني لتطوير المناطق السكنية (Phasing plan) وفق السياسة البديلة للمساعدة على حل المشكلة, وذلك بمنح القطع عند (الحاجة الحقيقية) لبناء المسكن, ويتم تحديد اجزاء من المناطق السكنية التي يتم تطويرها وفق جدول زمني مما سيخفض من تكاليف تهيئتها ويحقق تطورا وتنمية مستديمة. 3) الواجهات الحضرية والعلاقات الاجتماعية: بالرغم من بناء مساكن ذات طراز معماري متميز الا ان معظم المساكن لا تشارك بطريقة فعالة في تطوير واجهات حضرية متشابهة نظرا لبنائها في وسط القطعة في بعض الأحيان واحاطة المسكن بأسوار تحجب الرؤية وتشكل سلسلة على طول الطريق, ويعود هذا الى العادات والتقاليد المحلية التي تركز على ضرورة تحقيق مبدأ الخصوصية. ومن الناحية الاجتماعية فبالرغم من التطور الحضري السريع الذي شهدته امارة دبي منذ السبعينيات فإنه لم يكن مصحوبا بدراسات اجتماعية حول مدى تأثير هذا التطور على العلاقات والحياة الاجتماعية, وحول مدى الرضى عن المناطق السكنية الجديدة التي غيرت نمط المعيشة التقليدي. التحسن في الظروف الاقتصادية جعل من التكييف المركزي واستعمال السيارة عناصر مهمة في التصميم والتخطيط بدلا من الحلول التصميمية التقليدية المستعملة في المناخ الحار للمنطقة كالملقف والفناء الداخلي والممرات المظللة للمشاة, وأدى التخطيط الحديث الى تغييب دور الشارع والخدمات التجارية في جمع الناس وتعميق الروابط الإجتماعية فيما بينهم إلا ان بعض المواطنين يحاولون معالجة هذه المشكلة بطلب منحهم أراضٍ مجاورة لكل اعضاء الاسرة, وتشجع الحكومة هذا التوجه مما يساعد على احياء النمط المعيشي المحلي بكل ميزاته الامنية والاجتماعية في ظروف حديثة. الانجازات والتوجهات المستقبلية: من المؤكد ان سر نجاح سياسة الاسكان في امارة دبي يتمثل في مرونتها ومتابعتها للاحداث, ويتم ذلك بإدخال تعديلات عليها كلما تطلب الامر, واحسن مثال على هذا القرار الاخير لسمو الشيخ محمد بن راشد بسحب الاراضي الممنوحة اذا لم تبن بعد مدة اقصاها خمس سنوات مما يجعل من تعديل سياسة الاسكان المستمرة وسيلة ناجعة لحل المشاكل والظواهر الناتجة عن محاولات سوء استعمال السياسة التي يمكن اعتبارها (اجتماعية) بحيث ان الحكومة تساهم بشكل محسوس في توفير سكن ذي معايير عالمية (للمواطنين) والسماح لهم بالاستفادة من الطفرة الاقتصادية التي تشهدها الامارة. وقد تغيرت ظروف المعيشة في امارة دبي تغيرا جذريا, من حالة (اكتظاظ) في الستينيات والسبعينيات الى حالة الوصول الى (المعايير العالمية) في التسعينيات وفي حين كان في الستينيات معدل حجم الاسرة ثمانية (8) اشخاص يقطنون في مساكن لا تزيد على ثلاثة غرف صغيرة مبنية على قطع اراض لا يزيد معدلها على 2.500 ـ 3.000 قدم مربع اصبح المواطنون يسكنون في مساكن واسعة حيث لا يزيد معدل الافراد في الغرفة على 1.4 شخص, وتبلغ معدل مساحة غرفة النوم 24م2, ويتمتعون بمساحات خضراء واسعة وملاحق خدم. وتوضح البيانات اعلاه الاسباب الرئيسية لتغيير النمط السكني بامارة دبي ومن بينها الارتفاع المتواصل لمعدل دخل الاسرة والذي ارتفع من 8.600 درهم شهريا في السبعينيات الى 22.333 درهما شهريا في نهاية التسعينيات اي بزيادة تعادل 260% في عشرين سنة فقط, الى جانب انخفاض حجم الاسرة من 8 اشخاص في 1970 الى 6.91 شخص في سنة 2000. وطبقا لمرونة سياسة الاسكان بإمارة دبي تضع الحكومة خططا للمحافظة على المستوى المعيشي والسني للمواطنين مستقبلا وذلك بتطبيق سياسة تحقق تنمية مستديمة (Sustainable Development) ولتحقيق هذا وضعت فرضيات تسمح باقتراح بدائل لسياسة الاسكان لبلوغ الاهداف المنشودة: * من المتوقع ان يستمر انخفاض حجم الاسرة نظرا لتزايد عدد الاسر وانفصال الاولاد عن البيت العائلي. * يشاهد اقتصاد دبي نموا مستديما إلا ان الارتفاع المستمر في عدد السكان يمكن ان يتسبب في انخفاض معدل دخل الاسرة. * تكاليف تهيئة وتجهيز المناطق السكنية في ارتفاع مستمر, والطلب على المساكن في تزايد مما يشكل ضغطا على خزينة الدولة وعلى برنامج تمويل الاسكان. * ادخال تعديلات على سياسة الاسكان بحيث يقل دور الحكومة المالي في توفير المساكن ولكن بدون التخلي عن هذا القطاع والتأكد من المحافظة على المستوى المعيشي الحالي وتطويره. وتظهر التقديرات المستقبلية ان الحاجة الى مساكن المواطنين للفترة ما بين 1998 ـ 2015 تبلغ 32.300 مسكن جديد, اي بمعدل 1.900 مسكن سنويا, وتقدر تكلفة القروض الخاصة بها بحوالي 950 مليون درهم, اضافة الى 272 مليون درهم لتهيئة المنطقة وتوفير البنية التحتية, مما يجعل اجمالي الانفاق الحكومي على سكن المواطنين 1.2 مليار درهم سنويا, يضاف الى هذا تكلفة بناء حوالي 300 مسكن شعبي سنويا (حسب معطيات السنوات الاخيرة) بتكلفة قدرها 1.5 مليار درهم في حين تبلغ تكاليف صيانة المساكن واجراء توسيعات عليها حوالي 40 مليون درهم سنويا. بهدف تحقيق الاهداف المرجوة من سياسة الاسكان, ألا وهي توفير سكن لائق لكل مواطن وتخفيض سرعة استهلاك الاراضي وترشيد الانفاق في هذا القطاع, تركز الحكومة على ادخال تعديلات تدريجية على سياسة الاسكان في المجالات التالية: * تخفيض مساحة قطع الاراضي على المدى القصير واقتراح تعديلات على شروط منح الاراضي والتي يجب استيفاؤها من قبل المواطن. * اعادة النظر في سياسة التكفل الكلي للحكومة في توفير سكن المواطنين والتركيز على الفئات الاجتماعية المحتاجة واعطائها الاولوية. * انشاء مصارف عقارية لتمويل قطاع الاسكان وتشجيع استثمارات الجمعيات التعاونية والقطاع الخاص. * تشجيع ظهور سوق عقاري حر لسكن المواطنين يلعب القطاع الخاص والجمعيات التعاونية دورا مهما فيه, مما يخفف العبء على الخزينة العمومية من جهة, ويوفر انماطا سكنية متعددة تستجيب للقدرات المالية للفئات الاجتماعية المختلفة وحاجات الاسر الخاصة من جهة اخرى (شباب, عائلات ذات اطفال, مسنون.... الخ). ومن اهم نتائج سياسة اسكان المواطنين في امارة دبي هو حرص الحكومة وسمو الشيخ على استفادة المواطنين من الازدهار الاقتصادي للامارة, وذلك بتسيهل عملية امتلاك مسكن خاص مريح يستجيب لحاجات العائلات, إلا ان تحقيق التطور المستديم والمحافظة على الانجازات في هذا القطاع مستقبلا يستدعي المراجعة المستمرة لاحكام السياسة وجعلها مسايرة للتطورات والاحداث بهدف تحقيق مصلحة الفرد والمصلحة العامة كالمحافظة على مخزون الاراضي والتخفيض من تكاليف التهيئة والصيانة وتحقيق التوازن بين العرض (الأراضي والمساكن) والطلب عليها. * مدير ادارة المباني والاسكان ورقة عمل مقدمة الى مؤتمر تونس لتنفيذ أجندة (الموئل) في المدن الاسلامية