بقلم: يوسف الشريف من المتعين على لبنان وسوريا توخي اقصى درجات الحذر وأهبة الاستعداد لمواجهة التداعيات الخطيرة المرتقبة لقرار ايهود باراك سحب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان في موعد اقصاه يوليو المقبل, وذلك ان هذا القرار ينطوي ظاهريا على مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب, بينما الواقع يشي بمخطط اسرائيلي محسوب سلفا,يستهدف نقل المعركة كما القنبلة الموقوتة لتفجير المتناقضات على الملعب اللبناني, فاذا كانت قمة جنيف قد حالفها الفشل, عندما اخفق الرئيس كلينتون في ممارسة ضغوطه على الرئيس حافظ الاسد حتى يتنازل لاسرائيل عن بحيرة طبرية ومنطقة الحمة مقابل انسحابها من هضبة الجولان, فإن التلازم الاستراتيجي بين المسارين السوري واللبناني يعني الامتناع عن تقديم ضمانات امنية لاسرائيل مقابل انسحابها من جانب واحد, واستمرار اضفاء الشرعية على ممارسة المقاومة اللبنانية عملياتها العسكرية سواء ضد القوات الاسرائيلية اذا ما احتفظت بجيوب عسكرية بعد انسحابها كحزام امني وقائي, او قصف مستوطناتها الشمالية بصواريخ كاتيوشا, والانفراد بجيش العماد انطوان لحد العميل بعد ان اتخذ قرار البقاء في بعض قرى الجنوب اللبناني عندما وجد نفسه بين نارين, نار محاكمته بتهمة الخيانة العظمى, ونار اسرائيل التي ترفض توطين سوى الفين من جنوده واستعدادها للمساعدة في توطين معظمهم في دول اخرى. وعلى ما تبدو عليه الشواهد ان باراك يطمح في الانسحاب من جنوب لبنان كخيار بديل عن الوفاء باستحقاقات السلام اللبناني والسوري, عبر الرهان على فرضيات سياسية تكتكية تبدو صعبة المنال, لكنها ممكنة حال النجاح في شق وحدة الصف العربي بوسائل دعائية واعلامية مخادعة ان لم تواجه بخطة مضادة لافشالها بالوعي والتحشد والصمود: اولا: اثارة التململ والقلق في اوساط الشعب اللبناني ازاء استمراره في تحمل الاعباء الاقتصادية والسياسية والامنية, التي يفرضها تلازم المسارين السوري واللبناني من جهة, وردود الفعل الاسرائيلي لعمليات المقاومة من جهة ثانية, بدعوى بطلان الادعاء باحتلال اسرائيل للجنوب اللبناني! ثانيا: ومن المتوقع في هذا السياق ان تواصل اسرائيل قصفها الصاروخي اكثر ضراوة للبنية التحتية اللبنانية تباعا, ردا على العمليات العسكرية التي تعهد حزب الله القيام بها مجددا الى حين تحقق السلام الشامل والعادل على كافة المسارات العربية, وهنا يثور السؤال حول مدى استعداد الدول العربية لمواصلة اسهامها في كلفة اعادة بناء ما تدمره اسرائيل من المنشآت اللبنانية والى متى؟ بينما هرولة التطبيع العربي على قدم وساق, فهل بات على لبنان اذن ان يدفع ثمن الانسحاب بعد ان دفع ثمن الاحتلال الاسرائيلي 70 مليار دولار على مدى 22 عاما متصلة؟ ثالثا: ولا يستبعد المراقبون ان تفرض اسرائيل الحرب على سوريا تحت إلحاح المؤسسة العسكرية واليمين الاسرائيلي المتطرف, بداية بالاحتكاك بنحو 35 الف من قواتها في لبنان بدعوى مسئوليتها عن ضبط نشاط المقاومة اللبنانية, وربما تختار فترة انشغال امريكا بانتخابات الرئاسة لتمرير عدوانها, وكان غازي زعيتر وزير الدفاع اللبناني قد ادلى بتصريح يفيد احتمال ان تطلب الحكومة اللبنانية من الجيش السوري مواكبة الجيش اللبناني عند اعادة انتشاره في المناطق الجنوبية حال انسحاب اسرائيل, وقال ما يعني ان تل ابيب سوف تكون عندئذ تحت مرمى الصواريخ السورية بشكل مباشر, الا ان وزير خارجية سوريا فاروق الشرع نفى ذلك ضمنيا وقال انه من الخطأ ادلاء بعضنا بتصريحات ولو بعاطفة شخصية تنعكس سلبا وتستفيد منها اسرائيل في دفع الامور الى الاتجاه اللاسلمي, بينما نريد دفع الامور في اتجاه سلام شامل وعادل في المنطقة, لان المطلوب تفاوضي وسلام وليس حربا! رابعا: وهو بيت القصيد المتمثل في الوجود الفلسطيني على لبنان ويربو على 370142 لاجىء حسب تقدير منظمة (اونروا) بعد ان اصبحوا فجأة في مفترق الطرق, فلا المفاوضات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل حسمت قضية عودتهم الى الوطن السليب ولا الحكومة اللبنانية تقبل بتوطينهم, لا بسبب التغيير في التركيبة السكانية والطائفية فحسب وانما لأن وجودهم وممارستهم للمقاومة من لبنان ابرز دوافع عدوان اسرائيل عام 1978 واجتياح عام 1982 من هنا تكمن تعقيدات المشكلة بعدما طلب رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور سليم الحص من الامم المتحدة النهوض بمسئوليتها لتجريد المخيمات الفلسطينية من السلاح, خشية تحميل لبنان وحده مسئولية استخدامه في المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين عبرالاراضي اللبنانية, لكن انعكاسات هذا الموقف على الصعيد الفلسطيني كانت مختلفة وتنذر بعواقب وخيمة حال عدم تداركها سريعا, عبر تشاور الحكومة اللبنانية في هذا الشأن مع السلطة الفلسطينية دون اقحام الامم المتحدة في المشكلة على حد تقدير ياسر عرفات, خاصة ان تجريد المخيمات في لبنان من السلاح ينذر بمأس مشابهة لمجرزة (صبرا وشاتيلا) في حالة حرمانها من حق الدفاع عن النفس بمايتناقض مع ضوابط الوجود الفلسطيني في لبنان وفق اتفاق عام 1987 الامر الذي دعا العقيد منير المقدح مسئول مليشيات حركة فتح الى دعوة الفلسطينيين للتطوع لحمل السلاح وتحصين المخيمات لمواجهة المخاطر المحتملة, بما يعني ان فرصة الانسحاب الاسرائيلي التي لحقها التوتر والتشاؤم مبكرا, تظل مفتوحة على رهانات باراك لتفجر المتناقضات على الملعب اللبناني بدعوى تبرئة ساحة اسرائيل من احتلال لبنان والتزامها بتنفيذ قرار مجلس الامن رقم 425 او ان الكرة انتقلت على حد تصريح كلينتون الى الملعب السوري وعلى الرئيس الاسد ان يستجيب لمطالب اسرائيل في اقتطاع اراض من الجولان والاستثمار بمياه بحيرة طبرية كثمن مقابل السلام, الامر الذي املى على الرئيس اللبناني اميل لحود تحميل رسالة الى مبعوث الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان, تفيد استحالة تحقيق السلام من دون الانسحاب الاسرائيلي من الجولان, وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ودفع التعويضات المستحقة على اسرائيل فترة احتلالها الجنوب اللبناني, وذلك ما ترجمه المراقبون برغبة سورية لبنانية مشتركة في اتفاق يشمل كل الاطراف, بينما الانسحاب الاسرائيلي من جانب واحد لا يلزم احدا غيرها وامريكا الضامنة لهذا الانسحاب سياسا وعبر المساعدات العينية وصفقات السلاح المجانية, وتحالفهما الاستراتيجي المشترك, مما ينفي كل ما تقوله عن نفسها او يقوله العرب عنها باعتبارها وسيطا نزيها وراعية للسلام, في الوقت الذي يشهد المسار الفلسطيني نشاطا محموما للهجرة اليهودية وبناء المستوطنات على قدم وساق, بل الأدهى والامر ان يسعى وزير الدفاع الامريكي وليم كوهين في جولته العربية الثالثة الى تسويق منظومة صاروخية دفاعية باهظة الكلفة عبر اسلوب الاسناد المباشر بينما يدرك رجل الشارع البسيط ان اسرائيل جهة العدوان الوحيدة! خلاصة القول ان سوريا اكدت بموقفها الثابت من ضرورات انسحاب اسرائيل الى خطوط الرابع من يونيو 1967 رفضها للسلام بأي ثمن والا لقبلت به اقل نقصانا منذ عشرين عاما, وانها لذلك ليست في سباق على الزمن مع اسرائيل, لان السلام لن يتحقق في المنطقة دون ارادتها, وما الانسحاب الاسرائيلي من لبنان الا انتصار لتلازم المسارين السوري واللبناني وثمرة الصمود والمقاومة, وان اسرائيل مرشحة قبل غيرها للغوص في اوحال الملعب اللبناني ورماله المتحركة. ولعل العرب قد ادركوا اخيرا اخطاء بل خطايا تفكيك التلازم المصيري بين مسارات السلام السوري اللبناني الفلسطيني, ثم لم يجنوا من ورائه سوى مر التشدد والمراوغات الاسرائيلية وحصرم الخلافات والاتهامات المتبادلة, فهل باتت الاخطار المحدقة بالعرب من كل حدب وصوب تفرض استعادة الثوابت الصحيحة التي تحكم آلية التفاوض مع اسرائيل, عبر جهة واحدة وارادة موحدة, ورؤية استراتيجية مشتركة لانجاز صفقة سياسية متكافئة تستهدف استعادة الارض والحقوق العربية المشروعة مقابل احلال السلام مع اسرائيل, نحسب انه الخيار والبديل الوحيد للتنازلات والتفريط بعد ان بات مصير الامة العربية برمتها بين ان تكون او لاتكون. كاتب مصري