بقلم : احمد عمرابي أليس عجيباً أن تندلع مظاهرات احتجاجية عنيفة الطابع داخل الولايات المتحدة للتعبير عن تعاطف مع شعوب العالم الثالث الفقيرة بينما هذه الشعوب نفسها لا تحرك ساكنا؟ لقد خرج عشرات الآلوف في العاصمة الامريكية واشنطن هذا الاسبوع بمناسبة الاجتماع نصف السنوي هناك لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لاطلاق رسالة احتجاجية مفادها التنديد بدور الصندوق والبنك في تعمد اشاعة الفقر والبؤس وتكريسهما بين شعوب العالم الثالث لحساب الشركات العالمية متعددة الجنسية التي تأخذ ولا تعطي. واذا أعدنا الى الاذهان مشهد مظاهرات اعظم حضورا واشد عنفاً جرت قرب نهاية العام الماضي في مدينة سياتل الامريكية بمناسبة اجتماع (منظمة التجارة العالمية) التي باتت رمزا للاستعمار الاقتصادي العولمي فاننا امام ظاهرة جديدة متنامية تأخذ المبادرة فيها جماعات ومنظمات شعبية داخل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. فكيف نفسر هذا الفوران الفريد داخل البلدان الصناعية بينما الشعوب الضحايا نفسها في العالم الثالث ـ صاحبة القضية ـ لا تتحرك؟ الاجابة الفورية تتعلق بالثورة المعلوماتية التي تجتاح هذا العصر.. ومن ابرز تجلياتها الوفرة الاخبارية الاعلامية عن طريق البث التلفزيوني المباشر بالأقمار الصناعية. في عقد ستينيات القرن الماضي اجتاحت الولايات المتحدة من اقصاها الى اقصاها انتفاضات متتالية ضد التورط الامريكي في الحرب الفيتنامية. وفي تحليلهم لهذه الظاهرة يقول المؤرخون الغربيون الان ان السبب الاول هو ارتفاع مستوى الوعي الشعبي الامريكي بمجريات تلك الحرب الطويلة بسبب التطور النوعي في الضخ الاخباري التلفزيوني, وفي هذا السياق يقول الاعلامي الكندي المخضرم مايكل ماكلير في كتابه (حرب العشرة آلاف يوم) ان الحرب الفيتنامية انتقلت بفضل البث التلفزيوني المباشر الى غرف المعيشة في كل بيت امريكي. كان ذلك في الستينيات عندما كان البث التلفزيوني المباشر عبر الحدود الجغرافية الدولية في مراحله الاولى المتواضعة, فما بالك بالحال الآن وقد صارت الفضائيات وبث الاقمار الصناعية السمة الطاغية لثورة العصر الاعلامية. ان خروج عشرات الألوف في واشنطن هذا الاسبوع للاحتجاج نيابة عن العالم الثالث انما يعكس تأثير مشاهد المجاعة وانتشار الاوبئة الفتاكة وسيادة البؤس بين شعوب افريقيا مما تتناقله الفضائىات الامريكية على مدار الساعة نهارا وليلا. غير ان السؤال لايزال بحاجة الى المزيد من الاجابة الشافية. اجل ان الثورة المعلوماتية الاعلامية لم تنتشر في مجتمعات العالم الثالث الفقيرة بقدر انتشارها في المجتمعات الصناعية المتقدمة. لكن شعوب العالم الفقيرة ليست بحاجة الى ثورة معلوماتية لتدرك انه لمدى عقود زمانية متصلة تتراجع مستوياتها المعيشية وتتدهور مؤسساتها التعليمية وخدماتها الصحية بحيث يتفاقم انتشار البطالة وسوء التغذية والامراض الفتاكة. وربما لايتوافر لدى القطاعات الشعبية في العالم الثالث إدراك معلوماتي واعٍ ومستنير بأن الغرب الغني يتقدمه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هو الذي يقف وراء محنة العالم الثالث. لكن كيف لاتهب هذه الشعوب ضد انظمتها الحاكمة باعتبارها الشريك المحلي المتواطىء في الجريمة؟