بقلم: محمد الخولي (هاهي روسيا, وقد ظلت ادارة كلينتون تغرف لها وتفرغ في خزائنها من أموال صندوق النقد الدولي واذا بروسيا يلتسين وقد تحول حاكمها الى (قيصر منتخب) ثم أسفرت عن نزعاتها الامبريالية التسلطية في حرب الشيشان..) أمريكا مقبلة على صيف قائظ وحافل بالتوقعات, لانقصد بطبيعة الحال الحديث عن الطقس الصيفي الأمريكي رغم توقع الارتفاع في درجة حرارته بفعل ظاهرة (التساخن العالمي) كما يقول البعض أو (الاحتباس الحراري الكوكبي) كما يقول آخرون وانما نقصد تحديدا المناخ السياسي في أمريكا في غمار معركة انتخابات الرئاسة المحتدمة حاليا عبر ولاياتها المختلفة وقد تحدد فيها المنافسان الرئيسيان: **جورج بوش الابن عن الجزب الجمهوري. ـ آل جور نائب الرئيس حاليا عن الحزب الديمقراطي. ومن واجبنا, نحن أبناء العالم الثالث, أن نتابع سير هذه المعركة الانتخابية ومصيرها, لأن باب الترف الأكاديمي أو المتابعة الفكرية, ناهيك عن الايديولوجية, لايعنينا كثيرا بقدر ما يعنينا أمر هذه المتابعة بحكم ما سوف تؤثر به نتائج تلك الانتخابات على أوضاع شتى فوق خريطة العالم المعاصر سواء في مجالات السياسة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا أو الاتصال الاعلامي, أو فيما يتعلق بقضايانا المحورية في المشرق العربي بالذات (يسمونه الشرق الأوسط) وفي مقدمتها مسارات الصراع التسوية الاسرائيلية ـ الفلسطينية, والاسرائيلية ـ اللبنانية, والاسرائيلية ـ السورية. دع عنك قضايا استراتيجية حاكمة منها مثلا أمن الخليج ووحدة أراضي السودان وايجاد حل ناجع وفعال ومنصف لمأساة العراق. وتشاء الصدفة التاريخية والاستراتيجية (إن جازت مثل هذه التعبيرات) أن يتوافق هذا كله مع المسارات التي سوف تتخذها دفة السياسة الخارجية وأن يتوقف بطبيعة الحال على نوعية القيادة التي سوف تتولى مقاليد الأمور بعد ظهور نتائج الانتخابات في نوفمبر من هذا العام والى حين التنصيب الرسمي للقيادة الأمريكية المرتقبة مع مطلع عام 2001 إن شاء الله. التركيز على الجمهوريين وكما يقول عقلاء التراث العربي فإن الحكيم هو الذي يعد لكل أمر عدته, ومن ثم يصبح لزاما علينا أن نمعن البحث في زاوية السياسة الخارجية لكل من الفريقين المتنافسين في سباق الرئاسة الأمريكية الجمهوري والديمقراطي (وقد نبسط الحديث تحليلا وتفعيلا بقدر أكبر على الجمهوريين سواء بحكم أن بورصة التوقعات مازالت تراهن على مرشحهم بوش الابن رغم أنها بورصة رجراجة مذبذبة الاحتمالات, فضلا عن أننا قد خبرنا سياسة الديمقراطيين مجسدة في عهد بيل كلينتون على مدار 8 سنوات مضت). كل ما نريده من مثل هذه الأحاديث هو أن تبسط لتوفر أمامنا رؤية معقولة من حيث الوضوح والتحديد للسياسة الخارجية لكل من الفريقين باعتبار أن هذه السياسة كفيلة على التحقيق بأن تمس مصالحنا الراهنة وربما مصالح أجيالنا القادمة في مجالات شتى وعلى مستويات مختلفة قطرية كانت أو اقليمية أو دولية. دراسة مهمة ومن حسن الحظ أن السادة (الجمهوريين) حرصوا على طرح رؤية لهم متكاملة ومفصلة عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة, مع بدايات القرن الجديد, وهي كفيلة بداهة أن توضع موضع التنفيذ, مع حساب المتغيرات المستجدة بالطبع في حالة انتقال السيد بوش الابن من قصر الحكم الاقليمي في ولاية تكساس الى مكتب الرئاسة الشهير في البيت الأبيض. والحاصل أن الأستاذ روبرت زويلك وكيل وزارة الخارجية الأمريكية الأسبق في عهد الرئيسين ريجان وجورج بوش, نشر دراسة ضافية عن السياسة الخارجية للحزب الجمهوري في اطار حملة 2000 للانتخابات الرئاسية الأمريكية الراهنة (مجلة فورين أفيرز المعنية بالشئون الخارجية عدد يناير ـ فبراير2000). كاتب الدراسة تنقل بين عدة مناصب اشرافية, ومواقع مهمة في وزارتي الخارجية والتجارة وفي المقر الرئاسي بالبيت الأبيض ويتضح من سطور تقريره وتحليله المنشورة, فضلا عن الوظائف القيادية التي شغلها أنه صوت معبر بحق عن سياسة الحزب الجمهوري, لا من حيث فكره المتعارف عليه تقليديا, وسياساته السلفية إن أجزت التعبير, ولكن, وهذا هو الأهم, من حيث رؤيته الاستشرافية لمستقبل السياسيات الجمهورية خلال سنوات نصف القرن المقبلة (حتى عام 2050 وعليك ألف خير). محور النقد والاثبات صاحب الدراسة اعتمد منهجا يقوم على محورين. * أولا محور النقد ومنطق المخالفة ازاء سياسات الحزب الديمقراطي عبر السنوات الثماني الماضية, حقبة الرئيس بيل كلينتون. * ثانيا محور الاثبات والتبشير حيث عمدت الدراسة الى اثبات ما سبق اتباعه من سياسات الجمهوريين وخاصة في حقبة بوش البالغة الأهمية رغم اقتصارها, كما هو معروف, على ولاية رئاسية وحيدة, بالاضافة الى الدعوة الى تطوير هذه السياسات وتحديثها و(عصرنتها) كي تتماشى مع متغيرات العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين. في اطار المنهج المذكور أوضحت الدراسة كيف أن سياسة كلينتون (الديمقراطي) الخارجية كانت تعاني من عيوب خمسة على الوجه الموجز التالي: *أنها لم تلتزم بالوعود التي قطعها الرئيس كلينتون على نفسها, بل شابتها عوامل من التذبذب والتأرجح والعجز عن حسم القرار, وخاصة في مجال التجارة الدولية.. وفي هذا المجال بالذات, ولاننسى ان هذا رأي الجمهوريين المنافسين ـ فقد تداعت اتفاقية التجارة مع المكسيك وكندا (نافتا) وقد سبق الى ابرامها جورج بوش دون أن تحقق أهدافها, بل أدى هذا التذبذب الى تشويه دعوة تحرير التجارة في أعين الكثيرين ممن ثاروا عليها ورفضوها وما مظاهرات سياتل الشهيرة بالأمر البعيد. * نفس التداعي يضيف الجمهوريون, فيما يشبه الشماتة السياسية, أصاب التحالف السياسي العسكري المؤسسي الذي أنشأه جورج بوش ووزير خارجيته بيكر خلال حرب الخليج وتحرير الكويت من قبضة صدام حسين.. وفي هذا الاطار تجلى ضعف أمريكا وتخبط سياستها في عهد كلينتون وهو ما تكرر كما يشير الجمهوريون في كل من الصومال وكوسوفو. *وقد نلاحظ من جانبنا العربي ان السادة الجمهوريين كما توضح الدراسة التي نحيل اليها مازالوا فخورين بانجازاتهم ازاء حماية وتدليل اسرائيل كيف لا والسيد زويلك كاتب الدراسة يهنئ نفسه حين يقول ان الرئاسة الجمهورية (في عهد بوش) كان لها اليد الطولى في حمل الأمم المتحدة على إلغاء قرارها الشهير الذي كانت قد اتخذته في نوفمبر 1975 ويقضي باعتبار الصهيونية احدى نزعات العنصرية. *ينعى الجمهوريون على الديمقراطيين أنهم لم يقرنوا أقوالهم بأفعال.. وقف الرئيس كلينتون يوما ليعلن أن كلا من روسيا والصين سيكون (شريكا استراتيجيا) ولم تبذل ادارة كلينتون جهودا ملموسة لترجمة هذا الاعلان الى سياسات وبرامج وخطط ومؤسسات فها هي الصين تبني صواريخ وتمارس التجسس على أسرار أمريكا التكنولوجية وهاهي روسيا وقد ظلت ادارة كلينتون تغرف لها و تفرغ في خزائنها من أموال صندوق النقد الدولي فاذا بروسيا يلتسين وقد تحول حاكمها الى (قيصر منتخب) كما تقول الدراسة فيما أسفرت عن نزعاتها الامبريالية التسلطية في حرب الشيشان الأخيرة. *شابت سياسات كلينتون الخارجية أخطاء طرح الشعارات ,وتخبط القرارات ووعود البدايات وسوء النهايات ومن ثم الفرق الشاسع بين المقدمات والنتائج. هنا يشير الجمهوريون الى دخول تلك الادارة الديمقراطية في حمأة صراعات اقليمية وحروب محلية كثيرة (ميني حروب) كما يسمونها دون أن يتحقق حصاد يذكر. ويدللون على ذلك مثلا بالتدخل الأمريكي في هايتي الذي لم يحقق لشعبها الهايتي لا الديمقراطية ولا الاستقرار.. ناهيك عن التنمية أو الازدهار. *هذه السياسات الديمقراطية المرحلية غير المستقرة يقول الجمهوريون نبعت أخطاؤها من كونها لم تستند في رأيهم الى مبادئ مستقرة راسخة وانما كانت تستند الى استطلاعات الرأي العام والى تبيانات شعبية الرئيس, والى حسابات السياسة الداخلية والاعتبارات الانتخابية المحلية, واذا كان الديمقراطيون قد ركنوا يوما الى جاذبية رئيسهم بيل, فقد كان بيل يطرح شعارات فيها الكثير من البلاغة والقليل من المصداقية. المبادئ الأساسية الخمسة واذا كان نقد الجمهوريين قد بني على خمس هجائيات كما قد نسميها فقد نتابع هذا المبحث لنبسط أمام القارئ الكريم المبادئ الجوهرية الخمسة التي سيبني عليها الحزب الجمهوري في حال فوز مرشحه سياساته الخارجية في المجال الدولي. هناك أولا مبدأ التسليم بقوة أمريكا العاتية الوحيدة أو تكاد على المسرح الدولي دون خجل منها كما يقول صاحب الدراسة لتحقيق مصالح أمريكا القومية وقد نشير هنا الى خطورة ما تتبناه الدراسة التي نحن بصددها حين يقول كاتبها: (في ضوء المسئوليات التي تضطلع بها أمريكا في العالم, فان عليها أن تحتفظ بحريتها في التصرف ازاء الاخطار الجسيمة) .. نحن نلمح هنا دعوة الى السلوك المنفرد أو شبه المنفرد وهو سلوك يصدر دوما عن منطق الرؤية الوحيدة التي تفرض قوانينها بشكل يعيد الى الأذهان الامبراطوريات التي غبرت في سالف الزمان. * وهناك ثانيا اهتمام السياسة الخارجية للجمهوريين ببناء التحالفات وتشييد الائتلافات والشراكات على مستوى العالم (وكاتب الدراسة يورد هذا المبدأ فيما نحسب للتخفيف من وطأة المبدأ الأول القائل بالتصرف المنفرد والقوة الوحيدة التي لاخجل من جبروتها). *وهناك ثالثا اعتبار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مجرد وسائل للوصول الى الأهداف دون أن تكون هي هدفا في حد ذاتها. والكاتب الجمهوري يدعو في هذا السياق الى أن يشفع كل اتفاق دولي بآليات تكفل وضعه موضع التنفيذ بحيث يكون التفاوض على هذه الآليات جزءا لايتجزأ من عملية التفاوض على الاتفاق التعاهدي من أساسه. * وهناك رابعا ضرورة أن تولي السياسة الخارجية المحدثة (حسب تعبير الكاتب) للحزب الجمهوري أهمية قصوى, وعلى نحو متزايد, للمتغيرات (الثورية) بنص تعبيره التي استجدت في مجالات المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا والتجارة الدولية وعلى أمريكاالجمهورية أن تربط نفسها كما يضيف كاتب التقرير بعوامل التغير الفاعلة في طول العالم وعرضه من خلال تواصلها مع الشبكات الجديدة التي تكفل حرية التجارة والمعلومات والاستثمارات. *ثم هناك خامسا (وعلينا أن نتأمل جيدا هذا المبدأ الخامس) أهمية أن يظل الحزب الجمهوري مؤمنا في سياساته الخارجية المرتقب تطبيقها عند نجاح مرشحه, ان العالم لايزال يحوي كثيرا من عناصر الشر ممثلة كما يقول وكيل الخارجية الأمريكية الأسبق في الناس الذين مازالوا يبغضون أمريكا والأفكار التي تجسدها أمريكا (!) وعلى الولايات المتحدة, في رأي سعادته أن تظل مفتوحة العينين لاحباط مؤامرات هؤلاء الأشرار (هم كذلك لأنهم يكرهون أمريكا) لاسيما وأنهم يحشدون كما يتصور أسلحتهم في المجالات النووية والبيولوجية والكيمياوية. أهمية التطوير العسكري بعد هذه الخماسيات, تدعو سياسة الجمهوريين الخارجية الى تكريس التعاون مع القطاع الخاص في أمريكا واستخدام عناصر جاذبيته لتحقيق أهداف تلك السياسة الخارجية سوف تغطي بداهة كل مناطق العالم وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط التي تقتص من أمريكا اثنين من مسارات التصرف وهما كما تقول الدراسة: (.. واجب أمريكا في التصدي للدول التي تهدد ب الخطر اسرائيل بوصفها أحد أقرب أصدقاء أمريكا وخلصائها.. أو تهدد مصالح أمريكا الحيوية الممثلة في تأمين الوصول الى النفط في منطقة الخليج..) . ـ أخيرا يدعو الجمهوريون الى العودة الى سياسة التوسع في التسلح وزيادة الانفاق على تحديث وتطوي روتعظيم القدرة الامريكية العسكرية بعد أن شهد ت تقلصا في عهد الديمقراطيين بلغت نسبته 40 في المائة كما يقول التقرير الذي بين أيدينا. وفي اطار هذا المفهوم الأحدث للقوة العسكرية الأمريكية, يبدي التقرير الموضوع عن سياسة الجمهوريين الخارجية ميلا الى تفضيل استخدام هذه القوة بشكل مباشر (ارسال جنود وخوض معارك برية وغيرها). ومن ثم تنشأ الدعوة الى تحديث الأسلحة والمعدات التي يتبناها هذا التقرير المهم. وهو يدعم هذه الدعوة حين يقول: * إن الآباء في أمريكا يخشون على ابنائهم إذ يذهبون الى كلياتهم في سيارات قديمة عمرها 25 عاما. ولسوف تزيد هذه الخشية اذا ما ذهب أبناؤهم الى ساحات الخطر في طائرات هليكوبتر عمرها بدور ها 25 عاما... وبعد, فقد كانت تلك أبرز المحاور التي ارتكزت عليها سياسة الحزب الجمهوري ورؤيته في مجال السياسة الخارجية وقد حرص صاحبها وكيل الخارجية الأسبق على أن يقرنها بوصف السياسة الحديثة بمعني التي خضعت للتحديث والتطوير. بقى أن نتابع من بعد السياسة الخارجية للحزب المنافس في أمريكا وهو الحزب الديمقراطي وسيكون ذلك, لدى توافر أدبياته ,موضوعا لأحاديث نقدمها للقارئ الكريم في مستقبل الأيام.