تصريحات آلان ريشار وزير الدفاع الفرنسي الاخيرة صهيونية الطابع والهدف, ذات مدلولات مريبة وخطيرة, خاصة عندما تقوم بتوزيعها وزارة الخارجية الفرنسية, وعندما تجيء في اعقاب تلك المواقف التي صدرت عن رئيس الوزراء (جوسبان) في جامعة بيرزيت مؤخرا واستحق عليها الاهانة والرجم بالحجارة من قبل الشباب العربي الفلسطيني الذي كان ممثلا بصدق لإرادة كل امته العربية. فوزير الدفاع الفرنسي عبر في هذه التصريحات عن موقف متطابق تماما مع الموقف الاسرائيلي حين شكك بتوجه سوريا نحو السلام وانتقص من مكانة لبنان, وبينما ادعى ان (سوريا لا تريد اتفاقا مع اسرائيل يهدد هيمنتها على لبنان) فإنه اتهم الدولة اللبنانية (بالضعف والخضوع للهيمنة السورية) . ومن المؤكد ان هذه العبارات الصادرة عن عقل استعماري صغير لا تشكل الا مجرد صدى اسرائيلي بلسان فرنسي, وهي اذا ما اضيفت الى مواقف الخارجية ورئاسة الوزارة الفرنسيتين, فإنها تساهم بإعادة احياء الصورة البشعة لفرنسا الاستعمارية العتيقة التي كانت شريكة مع بريطانيا في تقسيم وتجزئة المنطقة عبر (سايكس ـ بيكو) وفي زرع الكيان الصهيوني الغريب والبغيض, وادخال الوطن العربي في سلسلة لا تنتهي من الحروب الدامية والاستنزاف المتواصل. ولقد كانت فرنسا قد بدأت تكسب الاحترام من قبل العرب, وأخذ اهل هذه المنطقة المنكوبة بالاستعماريين يعطون فرنسا مكانة مختلفة منذ وقفت القامة العملاقة للجنرال ديجول لتحاول استعادة احترام الفرنسي لنفسه ولمبادىء ثورته التي يتشدق بها حول الحرية والعدالة, وقد كسبت فرنسا الكثير بالفعل, فسياسيا بدأ العرب الطيبون يصدقون ان باريس يمكن ان تصبح احدى القوى الدولية المهمة المدافعة عن الحق والعدل والخير والحرية, واقتصاديا حققت فرنسا الكثير من الفوائد بفعل هذا الموقف السياسي رغم انه لم يؤد على ارض الواقع الى تحقيق توازن جديد في المنطقة. لكن ذلك كله يتبخر مع تكرار هذه المواقف المشينة للحزب الاشتراكي الصهيوني الذي تعبر عنه حكومة جوسبان, ومع هذا العجز أو التأييد الصامت الذي يبدو عليه الرئيس شيراك. وتزداد الامور سوءا بلجوء فرنسا الى تحريك احد اذنابها (ميشيل عون) واعادته للحياة للمساهمة بحملة الضغط التي يقودها التحالف الامريكي الصهيوني وتشكل فيها فرنسا وغيرها من القوى الاقليمية المشاركة باللعبة مجرد قوى تابعة وصغيرة وعاجزة عن الفعل, وذلك بالتأكيد لا يليق بفرنسا ولا بالاتحاد الاوروبي الذي يسعى لتسويق نفسه كقوة دولية اقتصادية وسياسية!