بقلم: احمد عمرابي هل الموت هو الفصل الأخير في رواية قد تطول أو تقصر؟ هل هو خاتمة الرواية التي ليس بعدها خاتمة؟ لو أن الاجابة عن هذا السؤال هي بالايجاب, لكانت الحياة الدنيا رواية سخيفة بلا أي مغزى أو معنى. لكنها لا يمكن اطلاقا ان تكون كذلك. الاحساس الطبيعي المنطقي يقول لنا ذلك حتى لو لم نكن مؤمنين بان للكون خالقا. يقول الله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون) . والعبث ضمن هذا السؤال الاستنكاري العظيم هو أن نعتبر الموت نهاية النهايات لابداية رحلة الى حياة أخرى أفضل, وإلا فما معنى ان نكد ونسعى وندخل المدرسة والجامعة ونمارس مهنة ونتزوج وننجب ونبني البيت وندخر المال؟.. نفعل هذا كله عبر سن العمر ونحن متيقنون بأنه محكوم علينا سلفا بالاعدام الناجز. قد يختلف الناس في هذا الامر أو ذاك ويتجادلون وتتفرق بهم السبل في الرأي والمذهب, لكن الموت لايقبل الجدل. مآل الانسان محتوم الى الموت: يستوى في ذلك الكبير والصغير والعالم والجاهل والابيض والاسود. واذا كانت قصة البشر الفرد هي انه يولد ليموت ويكون الموت هو الفصل الختامي في القصة فانها تكون قصة بلا (عقدة) وبلا مغزى.. وبلا معنى. لكن يستحيل ألا يكون هناك مغزى. والمغزى المنطقي الأوحد هو أن الحياة الدنيا مرحلة انتقالية الى حياة اخرى ذات ديمومة سرمدية. واذا كانت كذلك فإن مغزى الحالة الانتقالية يجب ان يكون الاختبار.. الاختبار بين البشر اجمعين لتصنيفهم الى أخيار واشرار ليأخذوا مراتبهم الصحيحة السرمدية في الحياة الاخرى بناء على هذا التصنيف. الموت إذن ليس نهاية.. انه بداية طريق جديد الى ابدية بناء على اختبار مسبق.. والعاقل من يعتبر نفسه في الحياة الدنيا في حال امتحان على الدوام الى أن يرحل عنها. من هنا يجب ان يتأتى الايمان بالقوة الالهية العظمى صاحبة هذا التنظيم. فلا نظام بلا قوة منظمة. يتساءل البرت اينشتاين: كيف تدور الارض حول الشمس في دقة توقيتية متناهية؟ وكيف تطلع الشمس وتغيب وفق توقيت دقيق الى درجة الكسر من الثانية, بحيث انك تستطيع أن تأخذ ورقة وقلما لتحدد بعملية حسابية بسيطة على وجه الضبط توقيت الشروق والغروب في مكان ما من العالم بعد عدد من السنين؟ وكيف تعمر النجوم وتموت بمواقيت منظمة يرصدها علماء الفلك مقدما؟ وبناء على هذا التساؤل نطرح تساؤلا: كيف تكون هناك هندسة بلا مهندس؟ وكيف تكون هناك اوركسترا بلا قائد؟ بعبارة اخرى: كيف يكون هناك خلق بلا خالق؟ هو الله الذي لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا احد.. نخاطبه جل جلاله وندعوه: يا من لاتراه العيون. ولا تخالطه الظنون. ولا يصفه الواصفون. ولا تغيره الحوادث. ولا يخشى الدوائر. يعلم مثاقيل الجبال. ومكاييل البحار, وعدد قطر الامطار, وعدد ورق الاشجار, وعدد ما أظلم عليه الليل واشرق عليه النهار. ولا توارى منه سماء سماءً.. ولا أرض أرضاً.. ولا بحر ما في قعره.. ولا جبل ما في وعره, إجعل خير عمرنا آخره وخير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك.