بقلم: د. محمد وقيع الله عاد فوكاياما من جديد لتسخيف وتحقير الحضارات والثقافات الشرقية, هذا الانسان وصاحبه, كاهن هارفارد صمويل هنتنجتون يبدوان وكأنهما مستأجرين لاحدى الجهات التي يهمها اشعال الصراع في العالم, من أجل ترويج تجارة السلاح, فلأجل ترويج السلاح لابد من اشعال الحروب, ولأجل اشعال الحروب لابد من تهيئة الاجواء بإقناع الناس بحتمية الصراع. وهذه المرة فالصراع ليس بين دولة وأخرى, وانما بين حضارة وأخرى, اي بين كتل كبرى من الدول يفنى بعضها بعضاً.. يتحدث فوكاياما كأمريكي, مع أنه ياباني الأصل, فهو لم يكتف بأخذ الجنسية الامريكية كسائر المهاجرين وأبنائهم, وانما ورث ـ كما زعم ـ اصول الثقافة الغربية وأصبح سليلا شرعيا لها, وممثلا معتمدا ـ فوق العادة ـ لمثلها وأفكارها. وهو لم ينس اصوله الكونفشيوسية اليابانية وحسب, وانما شن عليها النكير, وتمنى لو يستطيع ان يقتلعها من الجذور, ولذا فهو يحرض عليها, ويدعو الامريكيين للعمل لمواجهتها, تماما كما كان يدعو رديارد كيلنج في القرن الماضي, بلاده بريطانيا لمواجهة (الاوباش) الشرقيين في الهند وجنوب افريقيا والسودان. الخطر القادم من سنغافورة فوكاياما يزعم ان سنغافورة ـ وهي مجرد دولة مدينة وليست دولة قومية! ـ هي اخطر عدو ثقافي لامريكا, وذلك لانها هي التي تروج الان لحملة احياء المثل الثقافية الكونفشيوسية, على يد رئيس وزرائها الأسبق, والذي يعمل حاليا بالصحافة, لي كيوان ييو, وهو كاتب يحظى حاليا بشعبية واعجاب واسع في كل من تايوان وتايلاند واليابان. النظرية نفسها ـ نظرية ان أخطر النيران تأتي دائما من مستصغر الشرر ـ كان يتبناها قبله كبلنج.. وقد افصح كبلنج عن تلك النظرية في قصيدته الشهيرة عن قبيلة (الهدندوة) السودانية, وهي قبيلة بدوية, كان يقودها عثمان دقنة, ايام حرب المهدية, وقال كبلنج عنها, انها اخطر عدو واجهته بريطانيا في كل من قارتي اسيا وافريقيا معاً! كان العقاد يقول عن كبلنج انه ما كان ليصبح شاعراً لو لم يولد في الهند, وهذه هي نص عبارات العقاد عنه: (فاذا حذفت الهند وتوابعها من شعر كبلنج ونثره, فقد حذفت عنصره الذي لا قوام له بغيره والمرجح عندنا انه لو لم يولد في الهند لما كان شاعر الاستعمار, كما يلقبونه في بلاده, او شاعر العالم البريطاني, او الدولة البريطانية, دون غيره من الشعراء معاصريه) .. ولكن نشأة كبلنج في الشرق جعلت منه عدو الشرق المبين, فهو الذي صك العبارة الشهيرة, التي تهدي دعاة (صدام الحضارات حاليا, وهي عبارة الشرق شرق, والغرب غرب ولن يلتقيا) .. وكذلك فان اصول فوكاياما الشرقية هي سر عقدته النفسية والفكرية, وهي العقدة التي تقوده لتزعم تيار تغريبي استعلائي يحتقر بلاده (اليابان) وبلاد الشرق على العموم. موت النظرية ام التاريخ؟! لقد مضت اكثر من عشرة اعوام, منذ ان افضى فوكاياما بنظريته الطوباوية, حول نهاية التاريخ, وحتمية اتجاه الفكر البشري, والأنظمة السياسية جميعا, باتجاه الفكر الغربي وتجربته السياسية الليبرالية, خلال تلك الاعوام ظل فوكاياما يرمق بحنق مشهد العالم الكونفشيوسى, وهو يبطل دعواه بنهاية التاريخ, فأقطار جنوب شرق اسيا في عمومها, لم تشأ ان تنسلخ من تراثها لتتقمص التجربة الغربية في سطحها, بل ان قادتها الفكريين, وعلى رأسهم لي كيوان ييى, ظلوا يؤكدون ان الأسس الحضارية الكونفشيوسية هي اكثر تكاملا وانسجاما, وأهدى الى الرشد, من التقاليد الحضارية الغربية, وأدعى الى إنشاء المجتمع المستقر, الذي لا ينخره الخواء الروحي والاجتماعي, وتعكر صفوه امواج الجريمة العاصفة, مما هو مشهود في الغرب بشقيه الاوروبي والأمريكي الان. ان اتجاه الاقليم الاسيوي سياسيا وحضاريا الى وجهة غير ليبرالية, هو مما يحنق فوكاياما ويؤجج غيظه, ولكنه لا يريد ان يعترف بتلك الحالة, انما يأتينا بان نظرية التغريب المسماة بنظرية (التمدن) Moderdization هي نظرية قدرية وانها كفيلة بسوق الاقليم الاسيوي من حيث لا يشعر, باتجاه ليبرالية الغرب. ان معظم مصممي ومطوري نظرية التمدن قد ماتوا الان, او اعتزلوا العمل الاكاديمي والفكري, واكثرهم كفروا بجدوى تلك النظرية قبل ذلك, او ذبلت حماستهم لها, وكفوا عن الدفاع عنها, حتى اصبحت نظرية واهية من حطام الفكر. خلاصة تلك النظرية ظهرت في مقال مشهور للمنظّر الكبير سيمور مارتن ليبست في 1959, ذكر فيه ان ثمة صلة لازمة بين الديمقراطية الليبرالية, ومستوى التعليم, ومستوى الثراء في الأمة, فكلما ارتفع مستوى الثراء, ارتفع مستوى التعليم, وكلما ارتفع مستوى التعليم, اتجه الناس الى الايمان بالديمقراطية الليبرالية والأخذ بها, هذه النظرية عند تطبيقها على الواقع, ظهر فيها خلل كبير, وتخلى عنها داعيها الاول, وتلاميذه الذين تحمسوا لها من بعده, ولكن فوكاياما يريد ان يحييها ويستنقذها من تحت الانقاض, وذلك حتى يحيي بها نظريته الطوباوية الحالمة عن انغلاق فصول تاريخ الفكر الانساني, بفصل الليبرالية الغربية. تحطيم الاسرة الشرقية قبل ثلاثة قرون كانت الصين اكثر ثراء من امريكا وبريطانيا, واعلى منهما في مستوى التعليم, ومع ذلك لم تجنح نحو الديمقراطية الليبرالية, ولم تسع نحو اعتناق القيم الفردية, بل ظلت قيمها الثقافية كما هي, وظلت رابطة (الاسرة) هي الرابطة الكبرى التي تشد الفرد الى المجموع, وتهذب فيه دوافع طغيان (الأنا) التي تستبد بالانسان الغربي الان. لا يسمح للانسان في الصين ان يتمرد على أسرته مهما كان, فقد اوصى كونفشيوس من قديم, بألا يشهد الانسان ضد اي فرد من أفراد اسرته حتى ولو وقف على خطأ منه, وهذا بالطبع مفهوم لا يتسق مع مفاهيم العدالة, ولكنه افراط منه في الاخلاص للاسرة, وفي العمل لحماية وحدتها, ومنعها من التصدع ومن معاناة ما نشهده الان بذهول وحزن من المصائر المريعة للاسر الغربية. هذا مما يأخذه عليهم فوكاياما بازدراء, فهو يعتقد من زاوية رؤية مغلوطة, ان مبدأ ثورة الفرد على اسرته مبدأ سام حكيم, وانه مبدأ (اسسته) الديانات السماوية ثم اصبح تقليداً غربيا عريقا. وهو يعتقد ان الثورة على الاسرة, عملية مهمة من اجل الحفاظ على المبادئ العامة الكبرى!! وبعبارة اخرى فان (الليبرالية) تقتضى تحطيم (الاسرة) .. وطالما ان الكونفشيوسية تحافظ على الاسرة, فهي اذن خطر عميم على مستقبل العالم, لانها تمنع ذوبان الصين في الحضارة الغربية, وتحافظ عليها كتلة حضارية مستقلة متميزة عن الغرب الليبرالي ومنافسة او ربما مناوئة له! ان الكونفشيوسية من هذه الناحية ارقى من بعض متبنيات ومثل الحضارة الغربية, لانها تعمل على بناء المجتمع من تحت الى اعلى, وذلك على عكس الحضارة الغربية التي تبنيه من الأعلى هبوطا الى الادنى, واذا كانت الليبرالية تهتم بأمر الثورة على الاسرة, وتعتبر ذلك دليل التحرر, فان الكونفشيوسية ليست في حاجة الى هذا المعيار, فهي تعطي للامة معيارا اكبر واعظم انها تعطيها الحق في الثورة على الامبراطور, اذا اخل بنظام الاسرة او بثقافة الامة ككل, فهي تحمل معيارا لعزل الحاكم قريب من معيار (العدالة) الاسلامي, الذي هو معيار اخلاقي يعني الاستقامة على السلوك الصحيح. حاول الشيوعيون الصينيون منذ عشرينيات القرن الماضي, تحطيم ثقافة كونفشيوس وتحطيم نظام الاسرة عن طريق (الكوميون) ففشلوا في ذلك فشلا ذريعاً, كان أبرز وجوهه فشل مشروع (القفزة العظمى الى الأمام) في الخمسينيات, ولذلك تركوا أسلوب التحدي, وتركوا الاسرة الصينية على حالها القديم. والان يثبت المحللون الاقتصاديون ان الاخلاق والمثل الكونفشيوسية هي التي تحدو بصينيي الشتات الى ادخال اموالهم التي تربو على ثلاثة تريليون دولار, الى الصين, وقبل ذلك كانت سببا جوهريا وراء تحقيقهم لنجاحاتهم الاقتصادية, حيث كانوا في مواطن الاغتراب وسببا لمراكمتهم لكل تلك الثروات. فالاخلاق والمثل الكونفشيوسية اذن شبيهة في هذا المجال بما سماه المفكر الليبرالي الالماني الكبير (ماكس فيبر) بالأخلاق والمثل والبروتستانتية, التي ذكر انها سبب نجاح التجربة الرأسمالية في الغرب. كل هذا يريد فرنسيس فوكاياما ان يطيح به, من اجل ان يذيب الصين في الحضارة الغربية, ويؤكد نجاح نظريته الحالمة القاضية بانتهاء حقب التاريخ. ان فوكاياما لا يريد ان يطيح بتراث الكونفشيوسية فقط, وانما بالتراث الهندوسي والاسلامي ايضا, لانه عاد يؤكد ان هذين التراثين الاخيرين اشد تمنعا وتعصبا وانغلاقا وخطرا على الثقافة الليبرالية الغربية, من الكونفشيوسية. فهو يوحي هنا, وكأنه يتفق مع كاهن هارفارد الداعي الى الصدام مع هذين التراثين العنيدين. عندما قدمت اطروحتي لنيل ما يسمى بالدكتوراه, وكانت الاطروحة عن الصين, سألني احد اعضاء لجنة المناقشة: كيف يختلف المنظور الذي عالجت به قضايا الصين عن المنظورات السائدة, فقلت له بلا تردد: انا طالب من أبناء العالم الثالث, انظر الى الصين بغير تحامل, وأدعو الى احترامها, وفهمها على انها شيء مختلف, وهذا على خلاف معظم الكتابات الامريكية التي طالعتها حول الصين, فهي تنظر اليها من علٍ, ومن منطلق الوصاية على القاصر.. لم تكن كتابتي عن الصين دفاعية ولا عاطفية, انما كانت خالية من التحامل (والتحامل نفسه عاطفة تؤثر في المنهج وفي دقة الملاحظة والتحليل والاستنتاج) ... وهذا الشرقي فوكاياما مثال ساطع من امثلة التحامل, وهو لانه يريد ان يكون امريكيا كالامريكيين او اكثر, فانه يحاول ان يبدو اكثر تحاملا منهم على الصين, ولكن ذلك التحامل لن يجديه كثيرا ولن يضر الصين بشيء, ولن يسعف نظريته الآفلة عن موت التاريخ, ولن ينفخ فيها الروح وهي تحتضر, فهي ستلقى حتما مصير كل النظريات الشاطحة, التي قد تخطف الابصار لحين, ولكنها لا تعمر طويلاً.. استاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي ـ الولايات المتحدة