بقلم : احمد عمرابي (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) . هذه هي الآية السابعة من آيات المقدمة لقصة يوسف عليه السلام مع إخوته والتجربة التي كابدها اب لمدى اربعين سنة من الحزن الذي يتضاعف مع الهم وهو لا يعرف ان كان ولده حيا او ميتا. (آيات للسائلين) .. اي عبر ومواعظ لمن يسأل ويريد ان يعتبر ويتعظ. ومن هنا اخذت العبرة والموعظة. لقد ارتبطت داخل نفسي قصة يوسف ويعقوب عليهما السلام بمولد ابني (خالد) وحياته وموته من حيث ظروف الزمان والمكان. رجل سوري ذو دماثة يراني وزوجي في فندق بمدينة كراتشي الباكستانية وقد استرعى انتباهه انها حامل. وبروح ودية ينصحني بالمداومة على قراءة سورة يوسف (ان كنت تريد ولدا في وسامة يوسف عليه السلام) . وبعد 27 عاما تنتهي حياة الشاب (خالد) في كراتشي نفسها. ومن ثم تصاحبني ايات السورة في تتابع عجيب. اما الاختبار الذي ابتلي به الاب يعقوب فهو أشد مرارة من الموت. اختفى يوسف عن نظر ابيه وهو يافع. ولم يره الاب او يسمع شيئا من اخباره لاربعة عقود متصلة من الحزن العميق الممتزج باللوعة والتفكر المهموم. ومع ذلك تشبث يعقوب بالصبر الجميل والاستعانة بالله.. كما تروي احداث ونقلات السورة الكريمة. كانت بداية المحنة عندما أبلغه اخوة الصبي يوسف (كذبا) ان ذئبا اكله فما كان من الاب الا ان قال: (... فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) . ان الصبر الجميل لا يتعارض مع استشعار الحزن اذا اقترن الحزن مع التسليم بأمر الله والرضا بحكمه وارجاع كل شيء الى ارادته: (انا لله وانا اليه راجعون) .. (والى الله المصير) .. (ولله عاقبة الأمور) . وهكذا كان حال يعقوب عليه السلام. لقد اجتاحه حزن عارم لا مزيد عليه. ومع ذلك لم يجأر بشكوى الى الناس ولم تسول له نفسه ان يحتج على حكم الله. وفي هذا تقول السورة الكريمة: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) .. اي كاتم وكاظم لحزنه. وفي آية اخرى جاء على لسان يعقوب: (انما اشكو بثي وحزني الى الله) . وهكذا صمد يعقوب للاختبار الرهيب ليكون بعد ذلك قدوة ومضرب مثل في قوة الصبر. هذه هي العبرة التي استقرت في نفسي ـ بعد ان رحل ابني منتقلا الى جوار ربه ـ وذلك ان اتأسى بابتلاء يعقوب عليه السلام الذي كان ادهى واعظم. فلو ان مصيبة يعقوب كانت موت ابنه لا اختفائه الغامض لما بقي على الحزن اربعين سنة. فالموت على مرارته واقعة يقينية يتلاشى هولها في الذاكرة بمرور الايام والشهور. ان موت الاحباء من اعظم الاختبارات التي يمتحن الله بها ايماننا ليظهر لنا الفارق بين المؤمن وغير المؤمن.. وبين المؤمن حقا والمؤمن زيفا, وفي هذا يقول الله تعالى: (احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) .. اي يمتحنون. وفي مثل مصيبة موت الاحباء يكون الامتحان بين من يؤمن بالحياة الاخرى السرمدية وبين من يظن ان الحياة الدنيا ليست مرحلة انتقالية وانما هي المبتدا والمنتهى وبين من يؤمن بالقدر خيره وشره ومن لا يؤمن به.