بقلم: جلال عارف قبل ساعات من لقاء الرئيس الأمريكي كلينتون برئيس وزراء اسرائيل باراك كانت طائرات اسرائيل تقصف بعنف ووحشية جنوب لبنان.. وكانت الجرافات الاسرائيلية تعمل بالقرب من بيت لحم لبناء المزيد من المساكن التي قرر المستوطنون بناءها دون انتظار لموافقة الحكومة.. وكأن حكومة تل أبيب قد تأخرت في ذلك, وكأن بناء المستوطنات لم يتضاعف في عهد السيد باراك (المسالم الوديع) عما كانت عليه أيام نتنياهو الذي أصبح عرفات يترحم عليه الآن! وفي نفس الو قت كان وزير اسرائيلي آخر محسوب على الحمائم هو حاييم رامون يعلن بناء عدة مئات من المساكن الاضافية للمستوطنين اليهود في الجولان ردا على ما وصفه بالمواقف المتشددة لسوريا. وكان ياسر عرفات يكتشف أخيرا(!!) أن باراك أسوأ من نتنياهو غير المأسوف عليه. لكن التطور الأهم من كل ذلك, كان اندلاع مظاهرات الطلبة الفلسطينيين في الجامعة العبرية, انهم أحفاد الفلسطينيين الذين تمسكوا بالبقاء في أرضهم بعد كارثة الهزيمة العربية في ,48 وأصبحوا مواطنين في دولة اسرائيل. هاهم يرفعون علم المقاومة الفلسطينية في قلب اسرائيل, ويكشفون أن الدولة التي تتباهي كذبا بأنها واحة ديمقراطية في المنطقة ليست إلا النموذج الأكثر وقاحة في العنصرية والارهاب إذ مازالت تعامل المواطنين من أصحاب الأرض الحقيقيين (عرب 48) على أنهم مواطنون من الدرجة الرابعة, تستبيح حقوقهم وتصادر هويتهم وتواصل اغتصاب أراضيهم بانتظام. انفجار الأوضاع بين الأجيال الجديدة في الأرض المغتصبة منذ أكثر من نصف قرن يخلق أوضاعا جديدة في اسرائيل, ويعري الكيان الصهيوني ويكشف وجهه العنصري القبيح, ويكشف أيضا عن عمق الصراع داخل اسرائيل واستحالة المصالحة في المنطقة إلا بعودة الحقوق لأصحابها. ولعل ما حدث في الداخل يجعل الجميع يعيدون الحسابات في ظل الحصاد المر لاتفاقيات أوسلو وما بعدها, والتي تصور أصحابها أن التنازلات (العربية طبعا) يمكن أن تبني السلام وتحقق الاستقرار. فكانت النتيجة أن تضاعف الاستيطان بعد أوسلو ثلاث مرات, وتضاعفت قوة اسرائيل ونفوذها, وانتهت الأمور الى الوضع المأساوي الحالي, بعد أن نجحت اسرائيل في تحويل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من قضية وطن مغتصب وأرض محتلة وشعب مشرد الى قضية أرض متنازع عليها يتم التفاوض عليها بوصة بوصة, وفي ظل (اللاءات) الأربعة التي أعلنها باراك منذ البداية وهي: ( لا ) لعودة القدس العربية للفلسطينيين, و ( لا ) للعودة لحدود ,67 و(لا) لاخلاء المستوطنات, و(لا) لاعادة اللاجئين الفلسطينيين لوطنهم المغتصب. واسرائيل تدرك أن هذه فرصتها التاريخية لتفرض كل ما تريد. فالدعم الأمريكي لها بلا حدود أو قيود خاصة مع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية. والموقف العربي أصبح منذ زمن بعيد مواقف متعددة. وموازين القوى في صالحها. و(الموقف في عملية السلام وصل لحد الكارثة) كما قال وزير الخارجية عمرو موسى. والضغوط تتزايد على سوريا لكي تتخلى عن موقفها المبدئي, ولبنان يراد له الغرق في حرب أهلية جديدة, والمعروض على القيادة الفلسطينية مصيبة يراد تمريرها في صورة دولة كاريكاتورية مقطعة الأوصال منزوعة السلاح فاقدة لكل مقومات الدولة.. لتتحول في النهاية الى مجرد أماكن لعزل الفلسطينيين حتى لايكدروا صفو الأسياد اليهود, وليكونوا الجسر الذي تعبر عليه اسرائيل الى ما تبقى من العالم العربي. و.. نحن نعرف حجم الخلافات العربية, وحجم الضغوط الأمريكية, ولكن الأمر أخطر من كل هذا, والتحديات تفرض على الجميع قدرا كبيرا من التفهم والتفاهم. وربما تكون قمة عاجلة تضم مصر وسوريا ولبنان وفلسطين هي البداية المطلوبة لبناء موقف عربي يحدد المقبول والمرفوض, وينهي لعبة الابتزاز الاسرائيلي, ويعيد القضية الى أصلها الذي كاد ينساه المفاوضون.. قضية أرض محتلة وحقوق لابد منها قبل أن تعود كشرط للسلام الحقيقي في المنطقة. و.. لقد تحرك الشباب من عرب 48 داخل اسرائيل.. فهل يتحرك الآخرون خارجها؟ -2- قد تغيب الأنظمة, ولكن الشعوب تعرف دائما أين يكون موقعها في المعارك المصيرية.. واذا كان الشباب العربي داخل الكيان الصهيوني قد بدأ التحرك, فإن خطوة أخرى في الخارج تستحق الاهتمام والتحية واجبة للأشقاء الأعزاء الذين بادرو بالحركة في اتجاه تنظيم الرفض الشعبي الشامل في أقطار الخليج للتطبيع مع الكيان الصهيوني, وعقدوا أول مؤتمر لهم في الكويت الشقيقة. التحية واجبة لأنهم يمثلون ضمير الأمة ومصالحها الحقيقية ولأنهم يعلمون شراسة المعركة التي يدخلونها في وجه قوى عاتية وظروف غاية في الصعوبة, ولأن العديد من الانظمة والمؤسسات وأصحاب المصالح يرون أن قطار التسوية الأمريكية الاسرائيلية سائر في طريقه رغم أى شئ وسيصل الى محطته النهائية في الموعد المرسوم, وركاب القطار هم أصحاب الجائزة, أما من يقف في طريقه فمصيره محتوم. هكذا يتم الأمر في الخليج منذ مأساة حرب الخليج الثانية ونتائجها المدمرة. ومنذ أن تم الترويج بأن المسئول عن الجريمة ليس نظاما بعينه أو حاكما أو افرادا, بل ان المسئول هو القومية العربية نفسها. وهكذا وجد بعض المسئولين الجرأة ليقولوا إن العروبة خرافة وأن المصالح وحدها ستحدد خطواتهم. ومع بدء مسيرة (سلام الشجعان) بدأ سباق الهرولة قبل الأوان.. وفي ظل السطوة الأمريكية على المنطقة وعلى العالم.. بدأ الترويج لفكرة أن الطريق لقلب وعقل أمريكا لابد أن يمر بتل أبيب.. وأن من يريد تأييد الأمريكان عليه أن يحظى بمباركة اسرائيل وأن يمد الجسور اليها علنا أو سرا حسب الظروف. ولم تضيع اسرائيل الوقت, ولم تترك فرصة التواجد الأمريكي في الخليج, بل قدمت رؤيتها كاملة للمنطقة في ظل (سلام الشجعان) أي سلام بالشروط الاسرائيلية. ومن الشرق أوسطية كما طرح شيمون بيريز الى ما تلاها من دراسات, وضحت الصورة المطلوبة للخليج في هذا الاطار. والدور الذي تستعد اسرائيل لكي تلعبه بدعم أمريكا.. وهو دور المهيمن سياسيا وعسكريا واقتصاديا. الخليج ـ في هذه الرؤية ـ مجرد سوق غنية, وبترول رخيص, وثروات ينبغي أن تديرها العبقرية اليهودية, وأرض تصلح لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.. أو الجانب المتفجر منها. ولقد حققت الرؤية الاسرائيلية عدة اقتراحات جزئية كان آخرها في اليمن (حتى كتابة هذه السطور) لكن الهجوم الحقيقي سيأتي اذا تحقق شئ على المسار الفلسطيني وسيتضاعف اذا تحقق الاتفاق مع سوريا. والكل يستعد من الآن, والبعض يحاول أن يكون له السبق ليتضاعف ثوابه عند الحساب. واسرائيل تدرك حقيقة الرفض الشعبي العربي لها وخطورة ذلك على كل مخططاتها. عرفت ذلك من تجربتها مع مصر وفشلها في فرض التطبيع على الشعب وقواه الوطنية على مدى عشرين سنة. وتعرفه الآن من ردود الفعل على قضية التطبيع في الجزائر وموريتانيا والمغرب وأخيرا في اليمن الشقيق. وما من شك في أن معركة التطبيع في الخليج ستكون أكثر شراسة من غيرها في العديد من المواقع العربية: أولا: لأن اسرائيل تدرك أن الجائزة هنا كبيرة.. سوقا رائجة , وثروات طائلة, ومشاركة في السيطرة على أهم منابع البترول في العالم حتى الآن وضمان للتموين الدائم والرخيص من هذه السلعة الاستراتيجية. وثانيا: لأن طبيعة السوق الخليجية بارتباطاتها العالمية تعطي المجال لاختراقات واسعة.. خاصة في ظل التوجه نحو العولمة وسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات, والعاصم الأساسي هنا لابد أن يكون العامل الوطني والقومي قبل غيره من العوامل. وثالثا: إنه من سوء الحظ أن آثار حرب الخليج الثانية مازالت تطغى على واقع العلاقات في المنطقة, مع الحرص الأمريكي على ابقاء العراق تحت الحصار و تجويع شعبه من ناحية, وإذكاء نار الثأر من جريمة غزو الكويت وابقائها مشتعلة من ناحية أخرى, وابقاء الشعور بالحاجة للحماية الأمريكية من أخطار حقيقية أو وهمية من ناحية ثالثة. ورابعا: لأن الجهد الذي يبذل لاينحصر في ابقاء الخصومات مشتعلة, ولكن يمتد الى محاولة الغاء عروبة الخليج, أو الغاء العروبة نفسها باعتبارها أسطورة انتهت.. والكارثة أن ذلك يتم لحساب كيانات تعيش على الأساطير الكاذبة! وخامسا: لأن الاختلالات السكانية في أقطار الخليج, تتيح للصهاينة وامتداداتهم في العالم كله استغلال هذا الوضع لاختراق المجتمعات الخليجية من ثغرات غير عربية تمثل خطرا داهما على الخليج.. اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. من هناك فالادراك بأن المعركة ستكون بالغة الشراسة, وشديدة الأهمية, لأنها ليست فقط تضامنا مع شعبنا العربي في فلسطين في محنته التي تزداد وطأتها بالاستسلام لشروط السلام الاسرائيلي الأمريكي. وليست فقط تضامنا مع سوريا ولبنان في سعيهما لاقرار الشرعية الدولية وتحرير الأرض المحتلة, وليست فقط تعبيرا عن رفض المشروع الصهيوني الذي يسعى للهيمنة على مقدرات المنطقة والذي يعلن قادته علنا أن ذراعهم تمتد من باكستان حتى المغرب! الأمر أخطر من ذلك, لأن قضية التطبيع هنا ترتبط بمخطط أوسع لضرب الهوية العربية واعادة تخطيط المنطقة لغير صالح العرب, وهذا ما يتم الاعداد له منذ حرب الخليج الثانية على أقل تقدير. ومن هنا تأتي أهمية انطلاق الحركة الشعبية الخليجية لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني. انها لاتنطلق كمجرد تعبير عن موقف سياسي ناضج, ولا عن وجدان شعبي أصيل, ولا عن تضامن مع أشقاء في المشرق.. انها قبل ذلك كله دفاع عن الوجود العربي في الخليج, ودفاع عن المصالح الوطنية الخاصة قبل القومية, وتمسك بالرهان القومي لأنه ضرورة حياة وليس رداء نرتديه ونخلعه وفقا لتطور الأحداث. * * * وأعود الى البداية.. الى صرخة الاحتجاج التي رفعها الشباب العربي في الجامعة العبرية قبل أيام والتي جرى التعتيم عليها في الاعلام العالمي لأنها تفضح الكيان الصهيوني وتظهر صورته الحقيقية.. كيانا عنصريا نازيا.. ثم نقد دعوة التطبيع المرتبطة بمخطط الشرق أوسطية وبناء نظام اقليمي جديد تحت الهيمنة الصهيونية وفقا لمقولة شيمون بيريز للعرب: اتركونا نقودكم خمسين عاما, وسترون النتيجة! والأمر لايحتاج للانتظار خمسين عاما. فها هم شباب الفلسطينيين من الجيل الثالث بعد النكبة, أحفاد الذين بقوا في أرضهم رغم كل شئ. هاهم الشباب في مظاهرات الأسبوع الماضي يقدمون المثال لخمسين عاما تحت حكم الصهاينة: مواطنون من الدرجة الرابعة في وطن هم أصحابه الحقيقيون, تحكمهم الصهيونية بكل عنصريتها وكراهيتها للعرب واحتقارها لهم. هذه هي نظرتهم للعرب.. كل العرب, وهذا هو مخططهم المعلن للمنطقة.. وما خفي كان أسوأ وأخطر. و(لا) التي نعلنها في وجه التطبيع هي رفض لكل ذلك, وهي الاعلان الحقيقي بأن لحظة الضعف العربي الحالية لايمكن أن تدوم الى الأبد.